نعلم بأن الزمن الذي يمضي لا يعود، لكن دعونا كغيرنا من الحالمين من الناس نسأل من حولنا: ماذا لو عاد بنا الزمن إلى الوراء؟.
في عقولنا إجابات كثيرة منها أن الأغلب ارتكب أخطاء في السابق يتمنى أن يصححها لأنه عرف "متأخرا" بأن قراراته الانفعالية كانت خطأ جسيما ارتكبه في حقه وحق الآخرين، لذلك يتمنى أن يعود قليلا إلى الماضي فيصلح ما عجز عن إصلاحه في المرة الأولى، فالندم لوحده لا يكفي لمحو أخطاء لا تغتفر.
في نفس الاتجاه، بعضنا الآخر يتمنى أن يعود به الزمن ولا يصاحب بعض الناس، لأنه كغيره من البشر يكتشفون الحقائق بعد فوات الأوان، ويظل يلوم نفسه لأنه لم يستمع إلى صوت" لسان العقل الرشيد" أو ينتبه إلى العلامات الواضحة التي أرشدته عليه بعض المواقف، والتي فضحت له حقيقة من حولهم، ومع ذلك لا يستفيق من سباته العميق.
في الحقيقة نزيف الزمن، وانحسار فرص الإصلاح، والعودة من آخر الطريق هي من المستحيلات على البشر إدراك ما قد سبق، لكن بالمقابل طالما أن الإنسان لا يزال على قيد الحياة فلا تزال لديه آخر الفرص من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه سواء في علاقاته بالناس، أو كف الأذى عن الغير، أو صنع شيء يتدارك فيه بعضا من أخطاء الماضي.
الإنسان ليس معصومًا من الخطأ أو السهو، ولكن طرق التوبة والعودة إلى الله وإنصاف من نظلمهم حتى وإن غيبهم الموت أصبحت من الضروريات لأن "الذنبُ لا يُنْسَى، والدَّيَّانُ لا يموتُ".
عندما سألت أبي عن رأيه في عودة الزمن إلى الوراء، ضحك في البداية وأعتقد بأنني أتخيل شيئا مستحيلا، لذا صمت أكثر مما كنت أتوقع، لذا خيل لي بأنه ينتقي أفضل الكلمات ليذكرها أمامي، وبعد برهة زمنية عاد ليقول: الماضي لا يمكن تغيره، لكنه يستطيع أن يمنحنا فرصة نادرة ولحظة فارقة لنرى كم كبرنا في العمر بكل ما تجاوزناه من أخطاء صغيرة أو كبيرة، وأيضا يمكنه أن يعرفنا كم تغير وعينا الإنساني، ونضجنا في مدرسة الحياة.
لكن الجواب في نظري: لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لتمنيت أن أتعلم كيف أعيش كل لحظة من عمري بحاضرها دون قلق زائد على المستقبل!.
لم أستطع تحديد ماهية قوله ما بين السلب والإيجاب، أو ما بين اعتراف صريخ بالخطأ المتجسد في إسرافه في "القلق على مستقبله الذي كان يخشاه"
في نظري الشخصي، حين ننظر إلى الوراء، نجد أنفسنا في مواقف أخطأنا فيها، قرارات اتخذناها باندفاع شخصي، وأوقات بكينا فيها على أشياء لم تكن تستحق كل هذا الزف في الوقت والمشاعر.
كنا نرى العالم بعيون صغيرة، نحسب أن المشاعر ستدوم للأبد، وأن الحزن لن يزول مهما طال الزمن، وأن الفرص "الذهبية "تضيع ولا تعود مرة اخرى.
لكننا بعد أن تجاوزنا مراحل عمرية سنعلم أن كل شيء سوف يتغير، وأن الألم الذي لم ننم من شدته يوما سيصبح درسًا قاسيا علمنا بأن الشمس ستشرق على الأحياء، أما الخسارات لم تكن سوى خطوات ثقيلة لكنها كانت ضرورية لصنع الأفضل.
بعد سماع أقوال كثيرة من الزملاء في السابقين في العمل والأقرباء لم أجد قولا يقنعني أكثر إلا عند رجل يسبقني في العمر بسنوات طويلة قال: "إذا كنا ندرك الحقائق ومنها أن العمر ينتهي والأحداث تتوالى، فإن الحقيقة الأجمل التي يجب أن لا تخيفنا أو تصدمنا، أننا لا نحتاج للعودة للوراء لنطبق كل الدروس التي تعلمناها "قبولا أو كرها " لأن كل النضج الذي اكتسبناه من المواقف أو الآخرين منحنا الحكمة في التعامل مع الحياة بعد هذا العمر ويمكننا أن نستخدمها اليوم لنتجاوز أخطاء الماضي".