خمسة أيام مضت على بداية عام الدراسي الجديد، خلال هذه المدة القصيرة استكشف أبناؤنا الصغار الذين انخرطوا لأول مرة لهم في ميدان العلم والتعليم شيئا جديدا لم يكونوا بعد قد تعرفوا عليه عن قرب ألا وهو "المدرسة".


أما بقية الطلبة القدامى ممكن تدرجوا في المستويات الدراسية فإن عودتهم إلى منابر العلم والمعرفة هو امتداد في مسيرة التعليم، عادوا ولديهم طموح نحو الخطى في دروب المستقبل المشرق.


أما نحن كأولياء أمور فإن هذا الحدث السنوي بلا شك يلامس فينا شغف الفرح الذي يزرعه العلم كحليف دائم في نفوس أبنائنا بمختلف مراحلهم العمرية، فالعلم منارة الحياة وهو سر التقدم والازدهار للأوطان.


تغيرت الحياة في و جه الزمن، لكن العلم بقي على امتداد التاريخ هو النافذة التي يطل بها الطلبة على عالمهم الجديد، فنحن نعيش أمام تغيرات كثيرة شهدها قطاع التعليم بأنواعه، وأيضا أصبحنا أمام جيل يتنفس من رئة غير تقليدية، فالعصر الحديث له أدواته ووسائله الأكثر تطورا، فعجلة التعليم قد دارت وتغيرت عن سابق عهدها، لذا نحن نعيش عصرا يتسابق فيه تدفق المعلومات وسرعة وصولها إلى المتلقي، عصر تطورت فيه تقنيات التعليم وأصبح الذكاء الاصطناعي أحد العلوم التي يستوجب معرفتها والإلمام بمفاتيح الكتابة عليها، لذا تبدلت مهارات سوق العمل ومتطلباته ومن هنا كان لا بد من مواكبة العصر والانغماس فيه أكثر مما مضى.


لذلك لم يعد التعليم في المدارس مجرد " تلقين للدروس" أو حفظ للمعلومات أو استرجاع لها عند قرب الاختبارات المدرسية، وإنما أصبح بناء متينا للعقل البشري، وتنمية حقيقية للتفكير والتحليل والإبداع واكتساب المهارات، وحل المشكلات والمسائل المعقدة بالاستخدام الواعي والمسؤول للتقنية الحديثة في مجالات التعليم بمستوياته المختلفة.


ولن نبعد كثيرا عن مشهد اليوم الأول لانطلاقة العام الدراسي الجديد، وإن كانت ملامحه قد تغيرت مع الزمن هو الآخر، إلا أن بعض التفاصيل لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، فعائلات كعادتها كل عام تشرع في الاستعداد لدخول أبنائها إلى مدارسهم وكلياتهم وجامعاتهم من خلال العمل على الجانب النفسي وتهيئة المناخ المناسب لهم ليستقبلوا عامهم الدراسي بكل هدوء وسكينة.


لقد وجدنا كيف عادة الحياة إلى منازلنا منذ أيام قليلة، فمع انطلاق أول ضوء للشمس يبدأ الاستعداد للذهاب إلى المدرسة، شهدت طرقاتنا حركة غير عادية، فالمسارات أصبحت تكتظ بالحافلات، والمدارس فتحت أبوابها لاستقبال طلابها بكل حماس وشغف وعزيمة على طلب العلم.


وفي كل عام دراسي جديد، يترسخ في أذهاننا أن هذا الحدث السنوي هو فرصة متاحة للجميع من أجل كتابة قصة نجاح أخرى، وتجاوز مرحلة سابقة بطموح يعانق السحاب وحلم مستقبلي زاهر يراود الجميع.


دائما ما تذكرنا الإجازة الصيفية باستراحة "محارب للجهل وطالب للعلم"، فمظلة التعليم التي يستظل تحتها أبناء الوطن وهم يقفون منذ أول يوم لهم في الدراسة في طابور المدرسي تأكيدا على أن مسيرة التعليم في سلطنة عمان قد آتت ثمارها وأصبحت قلاع العلم شامخة في ربوع الوطن الغالي.


فأبناء الوطن يجددون في كل مرة عزمهم الأكيد على سبر أغوار المعرفة من أجل أن يخدموا وطنهم في المستقبل الواعد، فتحية لكل طالب علم سار في طريق مدرسته من أجل أن ينهل من إناء العلم والتعليم، وتحية إجلال أخرى لكل معلم ومعلمة اثبتوا بعطائهم وجهدهم خدمة الوطن.


الأحد الماضي لم يكن يوما عاديا كبقية الأيام السابقة، المنازل التي كانت تعيش بصمت في أوقات كثيرة من اليوم في فترة الإجازة المدرسية، عادت لتستنفر كل طاقتها في تجهيز أبنائها للذهاب إلى مدارسهم، الكل يتحمل مسؤولياته ويؤدي واجباته من أجل إيجاد جيل متعلم.


لقد أثبتت الكوادر التعليمية الوطنية مقدرة فائقة في عطائها في مجال التعليم، وضربت أمثلة مشرفة على تحمل المسؤولية وأداء الواجبين الوطني والمهني، لذلك نحن نثمن كأولياء أمور دور المعلم العماني والجهد الذي يقوم به سواء كان ضمن الهيئة التدريسية أو الإدارية فكل منهما مكمل للآخر.


في حقبة ماضية أعجبت كثيرا بما قرأته من قول رائع يقول صاحبه: "إذا جمعَ المعلّمُ ثلاثًا تمت النّعمة بها على المتعلّم: الصبر، والتواضع، وحُسْنُ الخُلُقِ. وإذا جمعَ المتعلّم ثلاثاً تمت النّعمة بها على المعلّم: العقلُ، والأدبُ، وحُسْنُ الفهم".


لذلك كانت علاقة المعلم بالطالب علاقة "بناء " وعطاء لا تعرف حدود المكان والزمان، فالمعلم لا يبخل على طلابه بعلمه، والطالب لا يتكاسل في التعلم من أستاذه، إذن كلاهما مكمل للآخر في صنع المستقبل منذ اليوم الأول للدراسة.