يخبرني المصورون كيف تختلف تجربة العمل على كاميرا الفيلم عن الكاميرا الرقمية. يقضون يومهم يصورون موضوعاً ما رقمياً، ثم يُمسكون بكاميرا الفيلم فتبدأ تجربة أخرى.
محدودية الصور التي يُمكن التقاطها تفرض نوعاً من التأني والتأمل والانضباط. يُصبح قرار الالتقاط مفصلياً، وتُصبح لحظة الضغط على زر التصوير أكثر حرجاً؛ فبدل التفكير بالتقاط عدد غير نهائي - أو حتى ينفد الوقت والصبر - تفكر أن لديك 36 لقطة، لكل منها قيمة، فلا يُصبح الهدر أو التجريب الأعمى متاحاً بعد.
وهكذا، فبجانب المهارات الخاصة للعمل بكاميرا الفيلم، ثمة قيمة تولدها الندرة. يصنع هذا علاقة مختلفة مع الإنتاج والوقت لدى المبدعين. الرؤية والنتيجة المتخيلة شيء حاسم.
ثمة أيضاً الجانب الحسي: لا تُكشف النتيجة إلا بعد التحميض، وتتخذ كل لقطة وجوداً مادياً. ثمة الجانب الطقساني: أن تصور، أن تجمع الأفلام، أن تأخذها للتحميض، أن تعالجها، أن تتكشف النتيجة أمامك بهدوء. بهذا المعنى، فهذه الردة لكاميرا الفيلم لا تتعلق بالحنين إلى الماضي فحسب، بل بجوهر الحرفة.
يُقال: إن الوسيط هو الرسالة؛ يعني هذا في سياق الإعلام والاتصال أن الوسيط أو الأداة التي تختار تُحدد المضمون أيضا. فمادة التلفاز، ومادة الراديو تختلفان بطبيعة الحال عن تلك المطبوعة، والنص الذي يُكتب لصحيفة يختلف عن ذلك الذي يُكتب لشبكات التواصل الاجتماعي، بل نص الإنستغرام يختلف عن تويتر، عن فيسبوك، عن الواتساب.
شيء آخر يتحكم بالمضمون على نحو نغفله معظم الوقت: أسلوب العمل.
تولد الأفكار في النزهات ونحن نتمشى، من الملاحظات، على طاولات النقاش، وتولد في الأحلام أو تلك اللحظات النادرة بين الصحو والنوم. لكنها أيضاً تولد على المكاتب، في المكتبات، أو بالدردشة مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
مع تأمل الفكرة الوليدة وفحصها بعناية، قد نجد أنها في الواقع قليلة المعنى والأهمية، قد نصطدم بواقع أنها مطروقة بلا نهاية، وأنها ليست بالإبداع الذي صورته لنا لذة الوقوع عليها.
مع هذا، تمنحنا تلك اللحظة شيئاً. تمنحنا نوعاً من الدافع والفضول نحو مزيد من الاستكشاف، وتُغرينا بأن نتتبع ونتقفى ونواصل.
الاعتماد على التقنية في تطوير العمل الإبداعي يعني بالضرورة الوصول لنوع مختلف من النتائج. عندما نسأل الآلة نستغني عن سؤال الصديق العارف أو المجرب أو الطبيب؛ المجرب بشكل خاص.
الإجابة التي تمنحها الأداة الذكية (ملكة التعميمات) هي - بحكم تصميمها - ميالة إلى ما هو متفق عليه، ما ينتصر له النموذج الإحصائي. يعني هذا أن قيمة «الحقيقة» لديها مرتبط بالتكرار، ويعني التهميش المنهجي للرؤى الخاصة.
إننا نبني المعرفة البشرية عبر الاتفاق المعلن أو الضمني على الأُسس؛ مجموعة المناهج والنظريات والكلاسيكيات التي تحكم كل مجال وتنظم المساهمة.
أقول: إننا نبني المعرفة البشرية عبر الإجماع، لكننا - على النقيض من ذلك - نضبط جودة المعرفة عبر ما يُهدد التراكم المعرفي تحديداً: الاستثناء، القرينة التي تدحض، والشك.
نعم يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُضاعف الإنتاج، لكنه - بحكم التعريف والطبيعة - يُهدد الجودة، المعرفة، الحقيقة. إنه - بحكم التعريف والطبيعة - ضد الإبداع.
يُدرك مطورو الأدوات الذكية المأزق الذي يصنعه إغفال الطرفي (إذا ما استعرنا لغة الإحصاء) مقابل الانتصار للوسيط. معرفة تؤكدها اللغة التي نستخدمها حين نعني بالـ «متوسط» شيئا أقرب لـ «رديء» منه لشيء «جيد مع بعض التحفظ» ، بل إننا نستخدم متوسط ورديء كمترادفات في معظم الأحيان.
مشكلة «قمامة الذكاء الاصطناعي» (الترجمة الأكثر إقناعاً لـ AI slop رغم أنها تفشل في إضافة معنى الانحدار والاندلاق) هو التحدي الأهم الذي يواجه مطوريه الآن، وهو نتيجة تغذي هذه الأدوات على ما تنتجه، في عملية تمييع؛ تكرر المكرر، وتعمم العام. تجابهها شركات التقنية عبر السعي لتغذية آلاتها بالكتب النادرة في عملية تُتلف تلك الكتب (كنت قد كتبتُ عن الموضوع بشيء من التفصيل في الملحق العلمي تحت عنوان - المشروع الطموح لتدمير كُتب العالم-).
يتغافل هذا المسعى عن الخلل البنيوي في منهج عمل الأدوات الذكية؛ أنها أدوات محكوم عليها بإنتاج الرديء، أو على الأقل هي أدوات لا تُدرك قيمة الاستثناء.
بعبارة أخرى، هي لا تستوعب الجنون والشطح والشعر، ولن تفعل. وأتمنى - أقصى ما أتمنى - ألا أكون مخطئة في حدسي.
هجران الأدوات الذكية، والعودة لأسلوب عمل لا يعتمد عليها في جل المراحل الإبداعية (سواء العصف الذهني، أو التطوير، أو المراجعة) يُنتج لنا نوعاً من الإبداع لا نصل إليه إذا ما اعتمدنا عليها.
قد يُهيّأ لنا أن الاعتماد عليها يُيسر، أو يُسرع الوصول إلى النتيجة، لكن الواقع أن الاعتماد عليها يتحكم بالنتيجة أسلوباً ومضموناً. وما أحوجنا إلى ردّة رديكالية تُعيد لنا ما خسرناه عبر التسامح مع تبنيها غير المسؤول!
نوف السعيدي كاتبة عمانية مهتمة بفلسفة العلوم