هناك نشاط تجاري متسارع في محافظة مسقط يتمثل في زيادة أعداد البنايات السكنية ذات الطوابق المتعددة والمنازل ذات الاستخدام السكني لتلبية الزيادة غير المتناسبة للسكان غير العمانيين، والتي بلغت نسبتها (61.1 %) من إجمالي سكان المحافظة.

تلك الزيادة قد تكون نتيجة الإفراط والتوسع في السماح بممارسة غير العمانيين للأنشطة التجارية بشكل عام.

ولعل القرارات التي اتخذها المجلس البلدي بمحافظة مسقط في السنوات الماضية السماح بممارسة الأنشطة التجارية في المباني السكنية المقصد منها الإيفاء بمتطلبات التنمية التجارية، وتسهيل وجود أنشطة تجارية قريبة من الأحياء السكنية تدعم النشاط التجاري، وقد تُسهم في تنويع الأنشطة، وعدم تمركزها في مناطق محددة بذاتها مما يوفر بدائل من السلع والخدمات تكون قريبة من الساكنين بالمناطق السكنية، إلا أنه في الجانب الآخر مثل تلك القرارات لها تداعيات سلبية، وتؤثر على جودة الحياة بالأحياء السكنية.

من حيث الاعتبارات البيئية فإن السماح بممارسة الأنشطة التجارية في المباني السكنية يؤدي إلى فقدان السكينة للأحياء السكنية التي بتصميمها المعماري هدفها توفير الراحة والهدوء؛ لكي يمارس القاطنون بها حياتهم اليومية بعيدا عن الصخب اليومي الذي تسببه زيادة المرتادين للمحالّ التجارية.

هذا الارتياد عادة يتبعه زيادة في حركة السيارات المتنقلة مما يؤثر سلبا على جودة الهواء، ويزيد من نسبة الغازات المنبعثة من عوادم السيارات ومنها، على سبيل المثال، غاز ثاني أكسيد الكربون.

كما أن هناك آثارا في ارتفاع مستوى الضوضاء الناتج على زيادة أعداد السيارات في نطاق ضيق نتيجة لعمليات التفريغ والتنزيل للمواد التي تتطلبها ممارسة الأنشطة التجارية، وقد يتم ذلك في أوقات راحة السكان.

كما يلاحظ بأن تصميم المباني السكنية ذات الطوابق المتعددة قريبة من بعضها البعض مما يقلل من المواقف المخصصة للسكان، وللمرتادين للمحلات التجارية.

أيضا من الآثار البيئية في محيط البنايات السكنية التي بها أنشطة تجارية تدني مستويات النظافة، كما تحتاج إلى جهود مضاعفة من البلدية للمحافظة على مستوياتها الصحية. كما أن مخلفات المحلات التجارية تكون في الجهات الخلفية مما يصعب من متابعتها بشكل دوري. كذلك من الآثار البيئية زيادة في مخلفات التغليف والشحن الناتجة من ممارسة الأنشطة التجارية التي تختلف في نوعيتها وحجمها عن مخلفات الأحياء السكنية.

في الجانب الآخر تجد في بعض الأحيان تقارب محلات المطاعم أو المقاهي من محلات الحلاقة ومحلات تنظيف وتلميع السيارات الأمر الذي يؤدي إلى تطاير الجسيمات الصغيرة التي قد تخلف أضرارا صحية.

كما أن السماح بمزاولة الأنشطة التجارية في المباني المصممة خصيصا للاستخدام السكني له آثار سلبية من حيث الإجهاد على الطاقة الكهربائية؛ لأن الأنشطة التجارية استهلاكها للكهرباء يكون عاليا حسب نوعية النشاط التجاري.

هذا الإجهاد يؤدي في أحيان كثيرة إلى انقطاعات في الشبكة الكهربائية، وهذا ملاحظ خلال الفترات الأخيرة.

من الجوانب المهمة، فإنه في حال حُولت بعض المباني السكنية للاستخدام التجاري، فغالبا ما يصاحبه تعديلات على هيكلة المباني؛ نظرا لحاجة الأنشطة التجارية إلى مساحات مفتوحة، وبالتالي يؤدي ذلك إلى إحداث تغيير في شكل التصميم الداخلي لتلك المباني أو الشقق السكنية.

على سبيل المثال؛ في فترة قريبة أثناء التسوق في الحيل الجنوبية لوحظ أن المحل التجاري في الطابق الأول، وعند التجول في المحل يتضح أنه تم تعديل شكل المبنى؛ ليتوافق مع حاجة النشاط؛ حيث كان هناك بروز لبعض التوصيلات، كما أن الصعود للمبنى يفتقر لمعايير الأمن والسلامة.

أيضا يتأثر الشكل الجمالي للأحياء السكنية عند اختلاطها بالأنشطة التجارية مما ينتج عنه خلل في التنظيم المروري للسيارات، والوقوف في أماكن غير مخصصة للمحالّ التجارية، وأمام المنازل السكنية مما يعمل على مضايقة السكان.

بعض السكان الذين لديهم سيولة مالية قاموا ببيع منازلهم والانتقال إلى مناطق سكنية أخرى، أو تأجيرها؛ نظرا لعدم انسجام البيئة السكنية مع البيئة التجارية.

وقد لا يكون متوقعا بأن السماح بممارسة الأنشطة التجارية بالمباني والفلل السكنية جاء نتيجة دراسة اقتصادية لحالة السوق، وأن مثل هذه القرارات لها إيجابيات على التنمية الاقتصادية، وزيادة استخدام المحتوى المحلي.

ولكن قد تكون نتيجة طبيعية لأفراد لديهم أراضٍ سكنية أو سكنية تجارية، ولهم القدرة المالية على تشييد بنايات متعددة الطوابق. ثم بعد ذلك يأتي المستثمر سواء كان عمانيا أو وافدا باستئجار محالّ لممارسة الأنشطة التجارية. أيضا التوسع في الأنشطة التجارية في المباني السكنية -ليست لمؤسسات صغيرة أو متوسطة يملكها عمانيون، بل هي لغير عمانيين- قد ينتج ممارسة التجارة المستترة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني منذ مدة طويلة، وهي مستمرة في الارتفاع.

للمقارنة؛ فإنه على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، وفي إمارة دبي يُفصل بين المخططات السكنية والتجارية مع عدم السماح بممارسة الأنشطة التجارية في الفلل السكنية بشكل عام. أيضا استحدثت المجمعات التي تخدم أفراد المجتمع، بحيث تكون في مكان منعزل على الأحياء السكنية لتقدم خدماتها المتمثلة في الأنشطة التجارية التي تخدم المجتمع دون أن يؤثر ذلك على السكان القاطنين بالأحياء السكنية.

في المملكة العربية السعودية قامت الجهات الحكومية بتطوير (كود) لتنظيم ممارسة الأنشطة التجارية في الأحياء السكنية يعتمد على تحديد دقيق للأنشطة التي يُسمح بممارستها حسب تصنيف الطرق والشوارع وأحجامها.

كما أن الكود في بعض الأحيان يشترط موافقة المالكين أو المجاورين الذين يقطنون في المباني السكنية قبل منح التراخيص لممارسة تلك الأنشطة التجارية مع حصر الأنشطة في الأدوار الأرضية والأولى للمباني متعددة الاستخدامات.

على المستوى العالمي بعض الدول لها ممارسات جديرة بالاهتمام، ومنها سنغافورة؛ حيث تشرف هيئة إعادة التطوير على تخطيط استخدامات الأراضي مع الأخذ في الاعتبار الأبعاد التنموية والحضرية، وجعل سنغافورة مكانا للعيش المستدام.

كما تعمل الهيئة على المحافظة على المباني التراثية، وإدارة أراضي الدولة وبيع ما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

على نفس السياق هناك أمثلة لعواصم ومدن أوروبية، ومنها: لندن وبرشلونة وباريس تعمل على المحافظة على الأحياء السكنية مع شروط غير عادية لتحويل استخدامات الوحدات السكنية إلى تجارية.

في باريس التحويل يتطلب موافقة خاصة لتعديل الاستخدامات مع مطالبة المالك بتحويل مساحة تجارية مماثلة في نفس المنطقة إلى استخدام سكني للمحافظة على أعداد الوحدات للاستخدام السكني، مما يقيد من وتيرة ارتفاع الأسعار، والعمل على بقاء السكان الأصليين في مناطق سكنهم. هناك أنظمة في بعض المدن الكبيرة تقوم على تصنيف الأنشطة إلى مستويات تعتمد على تأثيراتها على مستويات الضوضاء واستهلاك الكهرباء والحركة المرورية.

على سبيل المثال، أنشطة البرمجة والتصميم ليس لها تأثير مباشر في حال مزاولتها في المناطق السكنية، ولكن في المقابل الأنشطة ذات التأثير العالي، وتؤدي إلى ارتفاع الحركة المرورية، فإنه لا يسمح لها بممارسة أنشطتها التجارية في المناطق السكنية.

على المستوى الوطني يتوقع العام المقبل التدشين التجريبي لكود البناء العماني الذي يبدأ بتدريب الكوادر العاملة على تنفيذه، والحصول على الملاحظات، والذي من فوائده تحديد اشتراطات البناء للمباني السكنية والتجارية. كما أن تطبيق كود البناء العماني قد يراعي التصاميم الهندسية والإنشائية التي تتطلبها المباني السكنية والتجارية.

هناك جهود مستمرة من المجلس البلدي بمحافظة مسقط بمراجعة التشريعات المتعلقة بممارسة الأنشطة التجارية في المناطق السكنية.

وقد يكون ما تطرق إليه المجلس البلدي في الأشهر الماضية من الحاجة إلى حوكمة فاعلة لصلاحيات البلدية حول عقود الإيجار والتراخيص الممنوحة لمزاولة الأنشطة التجارية في المباني السكنية يعتبر غاية في الأهمية، وقد يُسهم في إعادة النظر في التنظيم العمراني، ويعمل على المحافظة على النمط الجمالي للأحياء السكنية مما يحفظ حقوق أصحاب المباني السكنية - التي تأثرت بقربها من الأنشطة التجارية - بأن ينعموا بالسكن الهادئ بعيدا عن الصخب الليلي والازدحام المروري والآثار التي يخلفها ممارسة الأنشطة التجارية في المباني السكنية.