ولأن لمثل هذه التكليفات غوايات بلا حدود، أخذ الحماس الشاعرين: سماء والمعمري، إلى منطقة أبعد، فتطوّرت الفكرة من ملف إلى كتاب ثقيل بلغ عدد صفحاته (511) صفحة من القطع المتوسّط، صدر عن الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء -دار مسندم، حمل عنوان (أكاسيا الصحراء - قصائد وقراءات نقدية عُمانية معاصرة)،
وكما يشير العنوان الثانوي، فإن الكتاب لا يقتصر على النصوص، بل يتعدى ذلك إلى تقديم قراءات في الشعر العُماني المعاصر كتبها: الدكتور يوسف المعمري، وجاسم الطارشي، ومبارك الجابري، تناول كتّابها عدة موضوعات حيوية حول الشعر باعتباره سؤالًا كونيًا، وتجليات الإيقاع في قصيدة النثر العُمانية، وتمظهرات الصورة البصرية، وتمثيلات الهوية في الشعر العُماني المعاصر، وضمّ كذلك شهادات شعرية قدّمها: فيصل العلوي، وهلال البادي، وأسماء القطبي، تناولت دور الملتقى الأدبي في الكشف عن التجارب الشعرية الشابّة ودفعها للأمام، بالتضافر مع جماعة الخليل للأدب في جامعة السلطان قابوس، ومختبر الشعر بمؤسسة بيت الزبير،
فإذا انتقلنا إلى الشعراء لوجدنا أن الكتاب ضمّ (73) شاعرًا وشاعرة، وأكثر من (150) نصًا، معظمهم شاركوا بقصيدة واحدة، أو قصيدتين، فيما ضمّ أكثر من ذلك لشعراء آخرين، من بينهم الشاعر خميس بن قلم الذي ساهم بإحدى عشرة قصيدة قصيرة، وبذلك قدّم الكتاب صورة (بانوراميّة) عن مشهد شعري متعدّد الأصوات، والاتجاهات، والمرجعيات الثقافية، فهو مشهد منفتح من ناحية الشكل «على تجارب شعرية متنوعة بين عمود الشعر، والتفعيلة، والنثر، والقصيدة الومضة، والنص المفتوح» كما يقول المؤلفان، أما من ناحية المحتوى الشعري «فقد نوّع الشاعر في طرق الكتابة مستفيدًا من المؤثرات الخارجية، والمرجعيات الداخلية، والرموز، والمتخيلات في إنتاج النص الشعري».
وتقاوم تصحّر الظروف التي تعيشها الإنسانية، والمعروف أن أزهار (الأكاسيا) تمثّل بيئة مثالية لإنتاج العسل، وفي هذا المعنى تبرز لنا استعارة رمزية لدور الشعر، وسائر الفنون، في إنتاج عسل الكلام، وتحلية الواقع كلما طغت عليه مرارة تفاصيل الحياة اليومية.
فإذا انتقلنا للمقدّمة سنعرف أن الكتاب يسعى إلى «تقديم صورة واسعة عن الشعر العُماني الحديث من خلال نماذج شعرية من داخل المشهد الشعري العُماني، هي نماذج متنوعة في تشكلها، معبرة عن الرؤية الكتابية التي عليها كل شاعر في تقديم نصوصه»، ويشير المؤلفان إلى مشكلة يواجهها الذين يتصدّون لوضع المختارات الشعرية، والأنطولوجيا، هذه المشكلة تتمثّل بصعوبة عملية الحصر، والإحاطة الكاملة بالمشهد، لذا تغيب أسماء، لكنّها ستكون حاضرة في القراءات النقدية التي تصدّرت الكتاب، مثل الشاعر الكبير سيف الرحبي، خصوصًا قراءة الدكتور يوسف المعمري الذي أورد مقاطع من شعره حين تحدّث عن تكرار الألفاظ الشعرية التي تشكّل «أشبه بسياج إيقاعي للنص»،
وكذا الحال مع الشاعر هلال الحجري، فيما لم أجد ذكرًا ولا إشارة إلى شعراء وشاعرات مثل: ناصر العلوي صاحب ديوان (أيام النرد)، وذياب العامري، وبدرية الوهيبي، وهاشمية الموسوي، وتركية البوسعيدي، وهذا أمر طبيعي يواجه من يتصدّى لمشهد شعري واسع، وغنيّ كالمشهد الشعري العُماني.