لأن عزيزًا من العائلة ربما يغادر عالمنا، ويتركنا عرضة للجلوس مع من لا يفهموننا، فنموت من الاغتراب، فرأس مالنا هو أن يفهمنا الآخرون ويفكروا بما نكتب ويستمعوا إليه، مندهشين أو متسائلين، قبل أسابيع جلست مع أفراد من عائلتي البيولوجية جلسة طويلة، (كانت طويلة بحكم مناسبة اجتماعية)، لم يسألني أحد عن كتبي أو جديدي، لم يهمهم مثلًا أني أجريت حوار بودكاست أحبه الكثيرون، وحصل على تفاعل كبير، كانت الحرارة مرتفعة والعرق ينزّ من وجهي، لكن صقيعًا داخليًا كسر قلبي، كانت الأسئلة تتدفق على وجهي فتزيده صقيعًا: ما بدك تتزوج؟ شكلك نصحان شوي؟ ما تنسى تدفع حصتك في تكاليف قبر قريبنا ابن عمنا الفلاني.

ألقى الكثيرون نكاتًا كثيرة وضحكوا، أعطيتهم بضع ضحكات من خارج قلبي، وما مزّع قلبي هو أنه حتى الجيل الشاب من العائلة الذي مفروض أنه يبحث عن أبعاد جديدة في الحياة عبر الفن والأدب لم يكترث لوجودي، وكان كل منهم غارقًا في موبايله يبحث عن أغنية صاخبة أو لعبة فيديو، حزنت كثيرًا، أجريت مكالمتين على جنب مع شاعر يمني مجنون وكاتب قصة إيطالي، أخذت من حديثي معهما إبرة تخدير لوقف الإحساس بالابتذال، شعرت أني أريد أن أضحك وأقفز، شعرت أن ثمة معنى حلوًا لوجودي حيًا على الأرض، لكن جرافة العائلة أعادتني إلى أحاديث بيوت العزاء وحفلات الأعراس القريبة، وعاد الصقيع يأكل لحمي وحواسي.

لماذا نخاف حين يمرض شاعر نحبه؟ لأن العالم سيبدو أقرب إلى العقاب منه إلى المكافأة، أشخاص يقدمون لك نعمة التنوير والاكتشاف دون مقابل، كيف يا الله أتحمل فكرة انطفائهم؟ سمعت مؤخرًا عن مرض شعراء أعزاء تربيت جماليًا داخل نصوصهم، أحدهم يعاني من خلع في كتفه، والآخر يعاني من مشاكل في القلب، والثالث من بدايات زهايمر، والرابع من ديسك صعب.

أُصاب بالصدمة حين أتصل بأحد هؤلاء فلا أعثر عليهم، بل أعثر على شخص آخر يشبهه يغالب دمعه أو يتحامل على ما تبقى من قوته الجسدية أو يخفي صوته المجروح الدامع بسعال، ولا يكون الحديث عن نص أو كتاب جديد أو معرض كتاب قادم، بل عن دواء محتمل وتذمر من ألم ممل، من أجل هذا نخاف، ونحزن، من أجل العظماء الذين ينشغلون الآن بالصدمة الكبرى، الصدمة التي لم يكونوا يفكرون بها، أن يخونك جسدك، ويخذلك، ويتركك نهبًا للخوف والشكوك والضعف.

أتذكر بوضوح الآن الشاعرة فدوى طوقان قبل انطفائها الأخير بشهرين، وهي تجيب عن سؤال المذيعة الفظيع: ممَّ تخافين يا فدوى؟ من أن أحتاج أحدًا، من أن يتخلى عني أحد، من أن أذهب إلى نهايتي عاجزة ووحيدة..

لماذا نخاف حين يمرض شاعر نحبه؟ لأن ذلك يقربنا من حقيقة هشاشة القصيدة والقصة والرواية، وعدم قدرتها على الدفاع عن صاحبها حين يحتاجها، وهشاشة فكرة أن الأدب يبقى بعد الانطفاء، أحب هذه الفكرة أن القصيدة تبقى، ولكني أحتاج بقوة صوت صاحبها، أحتاج جبروته وثقته وكبرياءه وكرامته، أحتاج أن أراه صدفة في مطار أو مطعم تركي، أمامي يضحك ويتحدث عن عمل قادم، أحتاج لعلعة صوته في الأمسية، وذهب صوته على الهاتف.

لماذا نخاف غياب ذلك؟ لأن النص دون صاحبه مجزرة ناعمة صامتة، لأن صاحب النص أهم عندي من نصه، يذهب النص الرائع إلى قلوب وذاكرة الآلاف، ويذهب صاحبه إلى جحيم الترك والعجز، أو الانطفاء الأخير. كل الصحة لأصحابي المرضى، كل الخوف عليهم وكل عجزي هنا أقدمه لهم على طبق من خجل. يا أصحابي لا تمرضوا أرجوكم..