ألقى الكثيرون نكاتًا كثيرة وضحكوا، أعطيتهم بضع ضحكات من خارج قلبي، وما مزّع قلبي هو أنه حتى الجيل الشاب من العائلة الذي مفروض أنه يبحث عن أبعاد جديدة في الحياة عبر الفن والأدب لم يكترث لوجودي، وكان كل منهم غارقًا في موبايله يبحث عن أغنية صاخبة أو لعبة فيديو، حزنت كثيرًا، أجريت مكالمتين على جنب مع شاعر يمني مجنون وكاتب قصة إيطالي، أخذت من حديثي معهما إبرة تخدير لوقف الإحساس بالابتذال، شعرت أني أريد أن أضحك وأقفز، شعرت أن ثمة معنى حلوًا لوجودي حيًا على الأرض، لكن جرافة العائلة أعادتني إلى أحاديث بيوت العزاء وحفلات الأعراس القريبة، وعاد الصقيع يأكل لحمي وحواسي.
أُصاب بالصدمة حين أتصل بأحد هؤلاء فلا أعثر عليهم، بل أعثر على شخص آخر يشبهه يغالب دمعه أو يتحامل على ما تبقى من قوته الجسدية أو يخفي صوته المجروح الدامع بسعال، ولا يكون الحديث عن نص أو كتاب جديد أو معرض كتاب قادم، بل عن دواء محتمل وتذمر من ألم ممل، من أجل هذا نخاف، ونحزن، من أجل العظماء الذين ينشغلون الآن بالصدمة الكبرى، الصدمة التي لم يكونوا يفكرون بها، أن يخونك جسدك، ويخذلك، ويتركك نهبًا للخوف والشكوك والضعف.
أتذكر بوضوح الآن الشاعرة فدوى طوقان قبل انطفائها الأخير بشهرين، وهي تجيب عن سؤال المذيعة الفظيع: ممَّ تخافين يا فدوى؟ من أن أحتاج أحدًا، من أن يتخلى عني أحد، من أن أذهب إلى نهايتي عاجزة ووحيدة..
لماذا نخاف غياب ذلك؟ لأن النص دون صاحبه مجزرة ناعمة صامتة، لأن صاحب النص أهم عندي من نصه، يذهب النص الرائع إلى قلوب وذاكرة الآلاف، ويذهب صاحبه إلى جحيم الترك والعجز، أو الانطفاء الأخير. كل الصحة لأصحابي المرضى، كل الخوف عليهم وكل عجزي هنا أقدمه لهم على طبق من خجل. يا أصحابي لا تمرضوا أرجوكم..