أقامت وزارة الثقافة والرياضة والشباب ممثلة بالمنتدى الأدبي مساء أمس بمقر النادي الثقافي جلسة ثقافية ضمن برنامج "آفاق حضارية" حملت عنوان "الترجمة والذاكرة في الخطاب الثقافي العُماني: مقاربات في الهوية وإنتاج المعرفة"، وشارك فيها الدكتور خالد بن محمد البلوشي والأستاذ الدكتور عبدالغني بارة وأدارها الدكتور محمد الشحي وتناولت الجلسة الترجمة كفعل متصل بالسياقات الثقافية والتاريخية والمؤسساتية، والذاكرة كمكوّن في الخطاب الروائي العُماني وإعادة تشكيل الماضي، إلى جانب ما أثاره المحوران من نقاشات ومداخلات حول العلاقة بين الترجمة والمعنى والهوية ودور الرواية في استعادة الذاكرة والتاريخ وإنتاج المعرفة.
وبدأ الدكتور خالد البلوشي من فكرة أن الترجمة عمل ديناميكي يتفاعل مع البناء والمؤسسات الثقافية المختلفة، متجاوزا في ورقته الحيز العُماني إلى نموذج الترجمة الدينية المتقاطعة مع الثقافة والسياسة والمعرفة، حيث اكتسب النص الديني في مختلف الثقافات منزلة خاصة جعلت المسافة بين قداسة النص وإخضاعه للدراسة النقدية تتفاوت من زمن إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، فيما ارتبطت هذه القداسة بمجموعة من الطقوس والشعائر والتقاليد التي تتشابك بدورها مع منظومات الحياة المختلفة، الأمر الذي يجعل ترجمة النص الديني فعلا بشريا يدخل في شبكة واسعة من العلاقات الثقافية والتاريخية والمؤسساتية.
وتوقف "البلوشي" عند التصور الإسلامي لترجمة القرآن، موضحا أن علماء المسلمين قديما وحديثا كانوا على وعي بالفارق بين قداسة النص وفعل الترجمة البشري، لذلك شاع التعبير عن الترجمة بـ"نقل معاني القرآن" إلى لغة أخرى انطلاقا من القول باستحالة نقل القرآن بما يتضمنه من إعجاز في نظمه،
غير أن هذه الرؤية تثير سؤالا حول إمكانية فصل المعنى عن بنيته الشكلية وحول الجهة التي تمتلك سلطة تحديد المعنى، فالناقل يدخل إلى النص محملا بلغته وثقافته وموضعه التاريخي بما يؤثر في فهمه وفي الصياغة اللغوية التي يقدم بها ذلك الفهم، كما تتداخل في إنتاج المعنى تأويلات المفسرين والمؤسسات الدينية الرسمية والبنى الثقافية والسياسية والاقتصادية التي يتحرك ضمنها هؤلاء جميعا.
وقال الدكتور خالد البلوشي: أن الترجمة ليست نقلة لمعنى وُضع في حاوية النص ثم استُخرج منها على نحو مجرد، وإنما هي ممارسة مؤسساتية مشروطة بالسياق الثقافي والتاريخي المنتج للمعنى متخذا من ترجمات النص الديني المسيحي، مع التركيز على العهد الجديد مثالا لتتبع هذا التشابك، إذ كانت الكنيسة اللاتينية في روما المرجع الرئيس في أوروبا، ولا سيما في جانبها الغربي خلال القرون الوسطى،
وكانت تشرف على المدارس والمعاهد فيما كان لأساقفتها ورجال الدين ومؤسساتها حضور رئيس في الآداب والفنون والموسيقى ومختلف مجالات المعرفة، حتى إن أعرق الجامعات الأوروبية مثل بولونيا وباريس وأكسفورد وكامبريدج، نشأت في كنف هذه المؤسسة الدينية وكانت اللاهوتيات والعقيدة تحتل موقعا مهما في هذه المؤسسات بينما ظلت اللاتينية لغة التدريس والفكر والثقافة في أوروبا، وهو ما جعلها الوعاء الذي حمل رؤى المؤسسة الدينية وشكل جزءا من السلطة المعرفية التي حكمت إنتاج الأفكار وتداولها، في الوقت الذي كتب فيه العهد الجديد في فضاء روماني باللغة اليونانية، وهي مفارقة لافتة في تاريخ النصوص الدينية المقدسة ثم جاءت ترجمة جيروم اللاتينية لتكتسب مكانة النص الموثوق والمعيار الذي قورنت به المحاولات الترجمية اللاحقة، ومع حركة النهضة الأوروبية بدأت تتشكل مواجهة مع هذه المنظومة،
إذ حملت النهضة اهتماما متزايدا بالإنسان المنخرط في واقعه الاجتماعي وبالأدب والبلاغة والفلسفة والمنطق، ورفعت شعار العودة إلى المصادر الأصلية فنشأ في هذا السياق الاهتمام بفقه اللغة والمقارنة بين الترجمات والأعمال الفكرية والعلمية والفلسفية وشروحاتها وتفسيراتها والنصوص الأصلية، للكشف عما يمكن أن يكون قد دخل عليها من مواطن عدم الاتساق أو عدم الدقة، وجاءت العودة إلى المصادر الأصلية بالتوازي مع تصاعد الاهتمام باللغات المحلية، فنشطت ترجمة المؤلفات اليونانية واللاتينية إلى هذه اللغات،
وأسهم اختراع الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر في تسريع هذا التحول، ثم وجد هذا المسار امتداده في القرن السادس عشر مع الإصلاح الديني، حين استثمر المصلحون والمترجمون شعار العودة إلى المصادر الأصلية، أي إلى عبرية العهد القديم ويونانية العهد الجديد، وهو ما انطوى على تحد لمكانة اللغة اللاتينية، وبطريقة غير مباشرة لمكانة روما السياسية والدينية في أوروبا.
واستحضر "البلوشي" في هذا السياق تجربة جون ويكليف الذي ترجم الكتاب المقدس إلى الإنجليزية وواجه اعتراض المؤسسة الدينية في إنجلترا على إتاحة النص للناس بلغتهم المحلية، في وقت كانت فيه الترجمة غير المرخصة تعد خروجا عن المرجعية القائمة، كما أشار إلى أن ترجمة ويكليف ارتبطت بنص وسيط هو النسخة اللاتينية المعروفة بالفولغاتة، قبل أن ينتقل إلى إيراسموس الذي اتخذ مسارا إصلاحيا من داخل الكنيسة، ثم إلى مارتن لوثر الذي مثّل منعطفا أكثر حدة في العلاقة بين الترجمة والسلطة الدينية والسياسية، حيث تتضح "في تجربة لوثر" العلاقة بين الترجمة والتحولات السياسية والثقافية بصورة أكثر مباشرة، إذ جاءت أطروحاته في سياق اعتراضه على ممارسات الكنيسة في مسألة الخلاص وصكوك الغفران، وانتشرت كتاباته سريعا مع الطباعة ثم دخل في صراع مع ممثلي الإمبراطورية الرومانية المقدسة قبل أن توفر له حماية أحد الأمراء،
وهي الظروف التي أتاحـت له العمل على ترجمة العهد الجديد إلى الألمانية، انطلاقا من دعوته إلى تمكين عامة الناس من الوصول إلى الكتاب المقدس مباشرة من غير وسيط ثم تطوير ترجمته بالاستعانة بمتخصصين في اللغة والتراث العبريين.
وانتقل "البلوشي" إلى التجربة الإنجليزية من خلال وليم تندل الذي رأى أن ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات المحلية ينبغي أن تنطلق من لغتيه الأصليتين العبرية واليونانية، فترجم العهد الجديد عن اليونانية وبدأ ترجمة العهد القديم، قبل أن يُعدم في سياق الصراع الديني والسياسي المحيط بترجمته، مستحضرا في هذا الجانب مفارقة تاريخية تتصل بالملك هنري الثامن، الذي كان في بداياته مناصرا للبابا ومعارضا للإصلاح اللوثري، قبل أن يدخل في صراع مع روما بسبب مسألة زواجه وخلافته، وهو ما أفضى إلى انفصاله عن السلطة البابوية، مؤكدا على مدى تشابك النصوص الدينية والترجمة مع المصالح السياسية والتحولات المؤسسية.
محكي الذاكرة
وفي المحور الثاني انتقل الأستاذ الدكتور عبدالغني بارة إلى الخطاب الروائي العُماني من خلال مقاربة تأويلية تستند إلى المنظور الفينومينولوجي والهيرمينوطيقي حيث ركز على "محكي الذاكرة" وما تحمله الرواية من أحداث الماضي ووقائعه في تلافيف النص حيث تصبح الذاكرة حاضرة في الكتابة عبر صور تتكشف وتحتجب، فيما يظل النسيان جزءا مضمرا منها ليس باعتباره إلغاء للماضي، وإنما استبطانا له في صورة ذاكرة حية تستعيد حضورها كلما استدعاها فعل الحكي.
ورأى "بارة" أن الكتابة الروائية للذاكرة تتجاوز استعادة الأحداث وفق خطيتها التاريخية، إذ تتداخل داخل النص الروائي مسارات السرد والتاريخ والثقافة والسياسة والدين والبيئة، لتتحول الرواية إلى فضاء جامع تتجاور فيه هذه المستويات وتتفاعل، فيما يؤدي سرد الذاكرة تخييليا إلى تجاوز النموذج التاريخي الرسمي، فالمؤرخ يمضي غالبا وفق تسلسل كرونولوجي للأحداث بينما يعيد الروائي تشكيل الحدث من خلال التخييل، ويمنحه قراءة جديدة تستند إلى طبيعة الكتابة الروائية القائمة على إعادة التأويل،
وفي هذا السياق برزت "لعبة الزمن" التي تجعل الزمن التاريخي مختلفا عن الزمن الروائي إذ لا يعود الماضي في الرواية باعتباره واقعة مكتملة، وإنما يظهر في هيئة صور وآثار وأطياف تستدعيها الذاكرة داخل الحاضر، وهو ما قاده إلى مفهوم العودة الطيفية للماضي كما يرد في التفكير الفلسفي لدى جاك دريدا حيث يستعيد الغائب حضوره في المكان والنص من خلال فعل التذكر والحكي، فتغدو الرواية مساحة لإعادة تشكيل الماضي وفهمه وتأويله من موقع الحاضر.
وربط "بارة" هذا المسار بمفهوم "الهوية السردية" لدى بول ريكور حيث لا تستعيد الرواية هويات جاهزة أو مكتملة، وإنما تصوغ هويات تتشكل داخل اللغة والنص، وتتكاثر بتعدد الأصوات ووجهات النظر الأمر الذي يجعل الذاكرة داخل الرواية ذاكرة جمعية متعددة تتجاور فيها الذوات وتتقاطع فيها التجارب وتصبح اللغة الأداة التي تمنح الشخصيات وجودها داخل العالم الروائي.
وأستحضر عبدالغني بارة في الجلسة مفهوم "واجب الذاكرة" حيث تتحول قدرة الإنسان على التذكر إلى مسؤولية تجاه الماضي والذاكرة الجمعية والجراح التي خلفتها الأحداث، فالروائي حين يحفر في الذاكرة المكلومة يستعيد شروخ الماضي ومآزقه، ويمنح التجارب التي تعرضت للقهر أو الطمس أو التهميش فرصة للحضور داخل النص فيما تظل مسألة النسيان مرتبطة بمسؤولية أخرى تتصل بالحاضر، إذ إن الصفح والعفو يمكن أن يكونا طريقا لتجاوز آلام الماضي من دون محو الذاكرة، بما يحفظ التوازن بين واجب التذكر والحاجة إلى تحرير الحاضر من أثقال الماضي.
وقال بارة إن رواية "البيرق" لشريفة التوبية تشتغل على مستويات متعددة من الذاكرة من بينها ذاكرة المقاومة والذاكرة التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية، إلى جانب ذاكرة البؤساء والمسحوقين، فيما تحضر في رواية "بحة الناي" لفاطمة الشيدي ذاكرة الأرض والتاريخ والإنسان العُماني من خلال الناي الذي يتحول إلى رمز لصدى الذاكرة وما تحمله الذات من تجارب التهميش والألم، بينما تهيمن في "تغريبة القافر" لزهران القاسمي ذاكرة الماء المرتبطة بنظام الأفلاج، حيث ترتبط حياة الشخصيات بالماء الذي يحضر في الرواية باعتباره جزءا من الذاكرة العُمانية، كما تفتح روايات "جوع العسل" و"القناص" و"الروع" على الذاكرة البيئية والطبيعية،
وتحضر في "سيدات القمر" لجوخة الحارثي ذاكرة الطعام والحلوى والقهوة العُمانية باعتبارها جوانب من الإرث الثقافي، فيما تؤسس رواية "ديلشاد" بجزئيها "سيرة الجوع والشبع" و"سيرة الدم والذهب" لذاكرة المهمشين في مسقط القديمة مستحضرة التعدد الثقافي وتعدد الأصوات داخل فضاء المدينة.
مداخلات الحضور
وأثارت المداخلات أسئلة متصلة بأصول النصوص الدينية وتداخل اللغات في نقلها، وبقدرة الترجمة على الحفاظ على شعرية النص وخصوصيته، كما اتجه النقاش إلى الفارق بين ترجمة التاريخ وترجمة الذاكرة وموقع مخيال المترجم حين يعيد نقل رواية تقوم على تخييل الماضي، وإلى قدرة الرواية على الإسهام في حفظ الذاكرة التاريخية عبر السرد،
فيما خلصت الردود إلى أن الترجمة تتجاوز النقل بين اللغات إلى العبور بين الثقافات، وأنها تظل مفتوحة على الفهم والتفسير والتأويل وإعادة إنتاج المعنى، بحيث لا تكون مطابقة للأصل بقدر ما تكون كتابة أخرى تتشكل داخل لغة وثقافة وتجربة المترجم، وهو ما يجعل ترجمة الأدب فعلا إبداعيا يضيف إلى النص بقدر ما ينقله.