تفتح نتائج الزيارة الرسمية التي قام بها فخامة الرئيس بول كاجامي رئيس جمهورية رواندا، إلى سلطنة عُمان، مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، تتحدد ملامحها في الاتفاق على تعزيز الحضور الدبلوماسي، وإقامة مؤسسات مشتركة تتولى تطوير التعاون ومتابعته.

وقد منحت المباحثات بين حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- وفخامة الرئيس الرواندي هذا المسار دفعة مهمة، عبّر عنها البيان المشترك بقرارات واتفاقيات تتصل مباشرة بمستقبل الشراكة ومصالح البلدين.

ويحمل الاتفاق على فتح سفارتين مقيمتين أهمية خاصة في هذه المرحلة؛ فالحضور الدبلوماسي الدائم يتيح معرفة أعمق بفرص التعاون، ويقرّب التواصل مع الجهات المعنية، ويوفر للعلاقة متابعة تتناسب مع اتساع مجالاتها.

ومع إنشاء لجنة مشتركة ومجلس أعمال مشترك، يصبح أمام الحكومتين والقطاع الخاص إطار للعمل على ترجمة التفاهمات إلى برامج ومشروعات، ومعالجة ما قد يعترضها من صعوبات. وهذه خطوة أساسية في بناء علاقات اقتصادية تحتاج إلى استمرارية التنسيق ووضوح قنواته.

وتكتسب هذه الترتيبات معناها من طبيعة الاتفاقات التي شهدتها الزيارة، فاتفاقية إزالة الازدواج الضريبي تتناول جانبا مؤثرا في حسابات المستثمرين، فيما تتيح مذكرات التفاهم في ترويج الاستثمار والخدمات اللوجستية وتطوير الموانئ البرية والجافة مجالات للعمل على تيسير حركة التجارة.

ويشير اجتماع هذه الملفات إلى اهتمام بتهيئة الظروف التي يحتاج إليها التعاون الاقتصادي كي يتوسع، وهي مهمة تشترك فيها السياسات الحكومية ومبادرات الشركات وقدرتها على تحديد الفرص المجدية.

ومن هنا تأتي أهمية مجلس الأعمال المشترك الذي سيكون القناة التي تتيح للقطاع الخاص المشاركة في تطوير العلاقة منذ مراحلها الأولى. والتوجه الذي أكد عليه البيان لتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص يحتاج إلى تواصل مباشر بين المؤسسات وأصحاب الأعمال، وإلى تبادل المعلومات حول الأسواق والاحتياجات والمشروعات المتاحة.

كما يفسح برنامج التعاون الفني المتفق على تنفيذه مجالا لتبادل الخبرات وبناء معرفة مشتركة تساعد الجهات المعنية على المضي في مجالات التعاون المحددة.

وتمنح الإشادة بالنمو الذي يشهده التعاون في النقل والاتصالات وتقنية المعلومات أساسا يمكن البناء عليه، فوجود تجربة تعاون قائمة يساعد على استكشاف فرص إضافية في القطاعات التي تناولتها المباحثات، ومنها الطاقة والتعدين والزراعة.

وتتيح هذه المجالات تنوعا في المصالح المشتركة مع بقاء اختيار المشروعات وتحديد أولوياتها مرتبطين بما تكشفه الدراسات والمشاورات بين الجهات المختصة في البلدين.

وفي السياق الأوسع، تعكس هذه الخطوات توجها عُمانيا إلى توسيع الشراكات الدولية وربطها بأولويات التنمية. ويكتسب تطوير العلاقات مع رواندا أهميته ضمن الانفتاح على الدول الأفريقية، وما يمنحه التعاون معها من فرص لتبادل المنافع والخبرات.

وقد حددت الزيارة مسارات عملية لهذا الانفتاح، وأضفت إلى التعاون الثنائي أدوات تساعد على نموه وفق مصالح واضحة والتزامات متبادلة، بما يعزز حضور كل بلد لدى الآخر.

ويتسق هذا التوجه مع الموقف السياسي الذي أكده القائدان تجاه دعم الأمن والاستقرار وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية وفق مبادئ القانون الدولي، فبناء شراكات تنموية ممتدة يحتاج إلى الثقة وإلى بيئة تسمح للدول بتوجيه جهودها نحو التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

ويعبّر التقدير الذي حظي به دور سلطنة عُمان في دعم الحوار والسلام عن مكانة هذا النهج في علاقاتها الدولية، وعن الصلة الوثيقة بين دبلوماسيتها ومصالح التنمية. لقد أرست الزيارة أساسا مؤسسيا لمرحلة أوسع من التعاون العُماني الرواندي.

ومع متابعة ما اتُّفق عليه، يستطيع البلدان البناء على هذه الحصيلة لتطوير التبادل التجاري والاستثمار والتعاون الفني، وإعطاء الشراكة أثرا ملموسا في مسيرتهما التنموية، استنادا إلى الإرادة المشتركة التي عبّرت عنها مباحثات القيادتين ونتائجها.