لا ترفعوا أبصاركم، فالعالم في فوضى، وقد تخر عليكم السماء في أي لحظة؛ فحروب لا تنتهي، وأزمات إنسانية تنتشر، وصعود للاستبدادية، وديمقراطية مختلة، وتطرف ديني وعرقي متفش، وغياب للقانون يلقي ظلالا داكنة مع بداية سنة سياسية جديدة في الغرب.

زد على ذلك تفاوتا اقتصاديا عالميا هائلا، وجشعا من الشركات والأفراد، واستدانة حكومية عديمة المسئولية، ومقامرات ذكاء اصطناعي خطيرة، وانهيارا في المناخ، وانتشارا للأسلحة النووية، وملامح لنهاية العالم ماضية في التكون.

يكفي ذلك لأن يغمض كل امرئ عينيه، ويضع أصابعه في أذنيه، ويطلق ما يشبه صرخة إدوارد مونش في لوحته الشهيرة. ويزداد الوضع سوءا.

ليس بوسع القادة الديمقراطيين الذين يعدون بمستقبل أفضل وآمن وأشد تفاؤلا ـ وهو ما يطلق عليه رئيس وزراء بريطانيا المنتخب حديثا آندي بيرنهام «عصر الممكن الجديد» ـ أن يهربوا من هذا السياق الدولي الأعم؛ فقد أدت اضطرابات أسواق السندات العالمية الأسبوع الماضي ـ بأثر من عوامل خارجية ـ إلى معاناة حكومة بيرنهام المفتقرة إلى النقد من ازدياد حاد في تكاليف الاقتراض قبل أن تشرع أصلا في أداء مهمتها.

وقد جاء اختيار بيرنهام لأوكرانيا كي تكون أولى رحلاته الخارجية ـ برغم أهميته الرمزية ـ ليبرز واقعا قاتما آخر. فبريطانيا، بوصفها خصما أساسيا لغزو فلاديمير بوتين، تجد نفسها الآن فعليا في حالة حرب مع روسيا، وتواجه الهجوم. والأرجنتين أيضا تضع عينها على نقاط الضعف الدفاعية لدى المملكة المتحدة. وليست هذه بالممكنات التي تصورها بيرنهام.

لا عجب أن بعض المحللين يعتقدون أن حربا عالمية ثالثة قد بدأت بالفعل. وعلى من يقولون إن في هذا مغالاة كبيرة أن ينظروا إلى اللقطات التالية لحالة العالم في عام 2025. من كييف إلى خرمشهر وكردفان وكاشين، تندلع الصراعات وتخبو لكن لا يبدو مطلقا أنها تنتهي.

والعدوان الروسي الشامل على أوكرانيا، الذي يوشك الآن أن يكون محاولات يوميه لقتل المدنيين وإرهابهم، في عامه الخامس. وترامب خسر رهانه في إيران لكنه لا يزال يقتل ويقصف بلا نهاية تلوح في الأفق. وفي جنوب السودان تجري أعمال وحشية رهيبة بلا حساب. وفي ميانمار تستعر حرب شعبية ضد مجلس عسكري.

ورد إسرائيل على حادثة 2023 أثار حربا إقليمية مستمرة تشمل فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران ودول الخليج. وفي شتى أرجاء العالم أرقام قياسية للمشردين من البشر بسبب الصراعات.

تهدد هذه الحروب ـ متزايدة الترابط ـ بالاندماج في حرب واحدة بحجم الكوكب لا سبيل للسيطرة عليها. ونظام التحالفات ـ وهو ركيزة أساسية لنظام ما بعد عام 1945 ـ يأتي على نفسه. ويهدد دونالد ترامب أوروبا والناتو بالرسوم الجمركية، وسحب القوات، والتوبيخ والسباب في وقت ضعف بالغ.

كندا والولايات المتحدة في حالة عداوة كبيرة إذ يتنمر البيت الأبيض ويهدد بفنزويلا أو بضم على غرار جرينلاند. والصين تساعد كوريا الشمالية التي تساعد روسيا التي تساعد إيران التي تساعد حزب الله والحوثيين.

وفي اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وأستراليا، تمثل الصين تهديدا مرعبا في ظل تدهور الشراكات مع واشنطن. وفي تايوان، تتنامى مخاوف الغزو، وتتفاقم بسبب مداهنة ترامب المهينة لشي جينبنج.

أينما نظرتم تجدون أزمات إنسانية بسبب الحرب أو أزمة المناخ أو الكوارث الطبيعية تؤدي إلى هجرات جماعية فوضوية، وسوء تغذية، وأمراض. وعلى نحو متزايد تطغى المعاناة على برنامج المساعدات التابع للأمم المتحدة المكبل بتخفيض تمويلات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وفي الضفة الغربية الخصبة، ثمة تسعمئة ألف فلسطيني يحاصر المستوطنون المتطرفون بيوتهم ومزارعهم فيعانون الآن من انعدام الأمن الغذائي حسبما يقول برنامج الغذاء العالمي.

وفي الصومال، يتعرض الملايين للجوع وسط جفاف غير مسبوق وتنبؤات بفيضان متصل بظاهرة النينيو. وتواجه كولومبيا وأفغانستان أخطارا مماثلة. وتتخذ انتهاكات حقوق الإنسان والانتهاكات الإنسانية شكلا فرديا أيضا.

ففي هونج كونج على سبيل المثال، يقبع جيمي لاي المناصر الشجاع لحرية التعبير في حبس انفرادي على مدار الساعات الأربع والعشرين، ضحية للتعذيب من جراء كراهية الشيوعية الصينية للديمقراطية وحقوق الإنسان.

قد تكون أسواق السندات المتقلبة أهون مشكلات العالم الاقتصادية والمالية. فهل نحن في الطريق إلى انهيار شبيه بـ2008 بل أسوأ؟ المؤشرات تنذر بسوء؛ فقد بلغت الولايات المتحدة للتو رقما قياسيا في الدين الوطني يبلغ أربعين تريليون دولار.

وفرنسا والمملكة المتحدة واليابان وغيرها تقع في أعماق المنطقة الخطرة. والعجوزات غير القابلة للإدارة، وارتفاع التضخم، والتحول الهائل والمرهق للاستثمارات إلى شركات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المتضخمة، تشير جميعا إلى ما يطلق عليه محللو السوق بتعبير ساخر «التصحيح الفوضوي».

وتشير بعض التقديرات إلى أن «قيمة» شركة نفيديا لتصنيع الرقائق مع أمازون وجوجول وميتا وميكروسوفت تقارب 23% من إجمالي سوق الأسهم في الولايات المتحدة.

في الوقت نفسه، تلوح في الأفق أسعار باهظة للطاقة والغذاء في نصف الكرة الشمالي هذا الشتاء، وقد تفاقمت بسبب حماقات ترامب في الشرق الأوسط. وفي أسوأ الأحوال، قد ينعكس هذا كله في ركود عالمي ومزيد من الاضطراب السياسي. فهي فقاعة عملاقة على وشك الانفجار.

ليست المخاطر الوجودية الناجمة عن أزمة المناخ وارتفاع درجة حرارة الكوكب بحاجة إلى إيضاح بعد كارثة فيضان التبت ونيبال المروعة.

ومما يهدد الحياة على الأرض بالمثل، وعلى نحو لا سبيل إلى اجتنابه وهو أيضا من صنع البشر، ذلك التسارع في انتشار الأسلحة النووية ومنها ما يعرف بالأسلحة «الميدانية» أو التكتيكية الأرجح استعمالا في مناطق الحرب من قبيل أوكرانيا أو إيران. فجميع الدول النووية التسع تعمل على توسيع أو تحديث ترساناتها، وفي مقدمتها الصين.

وبلاد من قبيل كوريا الجنوبية والمملكة العربية السعودية تدرس خياراتها النووية. بل إن سباق الأسلحة الذرية هذا يتوسع إلى الفضاء؛ فيبدو حقا أنه لا حدود لاندفاع الإنسانية الطائش القدري إلى تدمير الذات.

في كل مكان يحدق الحصار بالقيم الأساسية للمجتمعات الليبرالية في ما بعد التنوير. فسيادة القانون منتهكة روتينيا. وفي حين يتجاهل بوتين وبنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل أوامر الاعتقال الصادرة بحقهما في جرائم حرب، يعمل ترامب وتابعه ماركو روبيو بدأب على تدمير المحكمة الجنائية الدولية.

وفي أنحاء أوروبا، يحقق العنصريون اليمينيون والمتطرفون والمتعصبون تقدما سياسيا، شهدناه مرة أخرى في نهاية الأسبوع في ولاية سكسونيا أنهالت الألمانية.

وفي العام القادم تتقدم فرنسا إلى امتحانها الوطني المصيري. وفي الولايات المتحدة يعمل ترامب ـ بعون من أغلبية خاضعة في الكونجرس وقضاة في المحكمة العليا ـ على إقامة «دكتاتورية دستورية» لتقويض الانتخابات القادمة، ورمز ذلك «قوس ترامب» الضخم الذي يبلغ ارتفاعه مئتين وخمسين قدما.

فلتُقرع إذن أجراس الخطر: ديمقراطية الولايات المتحدة وتراث الديمقراطية الغربي كله في خطر جسيم.

فما العمل؟ وهل لنا من عزاء؟ أولا، لا تزال ركائز نظام ما بعد 1945 ـ برغم تضررها البالغ ـ قائمة وسليمة إلى حد كبير. وإلى الآن لا تزال الأمم المتحدة وأغلب وكالاتها ومحكمة العدل الدولية والتحالفات التعاونية الغربية متعددة الجنسيات من قبيل الاتحاد الأوروبي والناتو ومجموعة السبعة باقية برغم الاضطرابات الحالية.

وثانيا، عصر الطغاة يشارف على النهاية؛ فهؤلاء المسنون المتذمرون في طريقهم في الغالب إلى دور العجزة أو السجون أو المقابر، فعسى أن يموت بموتهم إرث الخوف والكراهية.

وأخيرا، أجيال الشباب في كثير من البلاد «ذات القوى المتوسطة» والنامية ـ وتمثلهم حركة شباب الصراصير الاحتجاجية في الهند ـ يظهرون نفورهم الواضح ورفضهم لما عليه العالم الآن. ويؤمنون شأن بيرنهام إيمانا قويا بقوة الممكن والتغيير.

فليس المستقبل في أيدي البلطجية والقتلة من السياسيين، والطغاة ومجانين السلطة، ولكن في أيدي العاديين من الناس في كل مكان. والمستقبل يعتمد على الملايين والملايين من أفعال الطيبة والإيثار والإيمان والشجاعة اليومية الفردية. فلا تفقدوا حماسكم. ولا تغمضوا أعينكم، ولا تضعوا أصابعكم في آذانكم، وارفعوا أبصاركم.