شهدتُ مع أكثر من مائتي صحفي وإعلامي جمعهم الملتقى الصحفي الخامس في صلالة، الأحد الماضي، إطلاق تقرير الحريات الصحفية في سلطنة عُمان لعام 2025، الصادر عن لجنة الحريات بجمعية الصحفيين العُمانية.
وبقدر ما كان إطلاق التقرير مناسبا لعرض ما شهدته البيئة الإعلامية العُمانية من تطورات خلال العام الماضي، فقد أثار لدي سؤالًا أراه أكثر أهمية من الأرقام التي تضمنها، وهو: كيف نقيس حرية الصحافة في عُمان؟
لا نحتاج في الإجابة عن هذا السؤال إلى إعادة اختراع العجلة؛ فقد أصبح قياس حرية الصحافة مجالًا له قواعد ومناهج وأدوات وممارسات دولية مستقرة إلى حد كبير.
فمؤشر منظمة «مراسلون بلا حدود» يتجاوز النظر إلى القوانين، فيجمع بين الرصد الكمي لانتهاكات حرية الصحافة والتحليل النوعي المستند إلى استبيان يجيب عنه متخصصون في حرية الصحافة، من بينهم صحفيون وباحثون وأكاديميون ومدافعون عن حقوق الإنسان، ويقيس خمسة أبعاد رئيسية هي السياق السياسي، والإطار القانوني، والبيئة الاقتصادية، والسياق الاجتماعي والثقافي، وسلامة الصحفيين.
وطورت منظمة «بيت الحرية» أو «فريدوم هاوس» بدورها وعلى مدى سنوات، منهجية لقياس حرية الصحافة تناولت الأوضاع القانونية والسياسية والاقتصادية للممارسة الإعلامية، وأولت اهتمامًا كبيرًا لما يحدث في التطبيق الفعلي، وليس لما تنص عليه القوانين فقط.
ومع اختلاف هذه المؤشرات وانتقاد بعض جوانبها، فإن أهم ما تقدمه لنا ليس ترتيب الدول في حد ذاته، بل الخبرة التراكمية في تحديد ما ينبغي قياسه، مثل قدرة الصحفي على الوصول إلى المعلومات والمصادر، ومستوى الاستقلال التحريري، والضغوط القانونية والسياسية والاقتصادية، وسلامة الصحفيين، والتنوع في البيئة الإعلامية.
ومن هنا يمكن أن يبدأ التفكير في بناء منظومة وطنية لقياس الحريات الصحفية في عُمان يستفيد من هذه الخبرات بما يتلاءم مع خصوصية البيئة الإعلامية العُمانية.
اللافت أن التقرير العُماني نفسه يفتح الباب لهذا التوجه؛ إذ أوصى بوضع مؤشر وطني للحريات الصحفية قائم على مؤشرات كمية ونوعية، وإجراء استطلاع دوري بين الصحفيين والإعلاميين بحيث تصبح نتائجه مؤشرًا سنويًا يمكن مقارنته من عام إلى آخر، إلى جانب إنشاء مرصد إلكتروني لمتابعة مؤشرات حرية الصحافة والتطورات التشريعية والمهنية.
وهذا يعني أن الانتقال من رصد الوقائع وجمع الأرقام إلى بناء منظومة قياس أكثر انتظامًا وعمقًا ليس اقتراحًا من خارج التقرير، وإنما أحد المسارات التي يقترحها لتطوير العمل.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم هو: إلى أي مدى توفر منهجية التقرير الحالي الأساس الذي يمكن البناء عليه للوصول إلى هذه المنظومة الوطنية الأكثر دقة في القياس؟
الواقع أن التقرير الحالي يضع أساسًا يمكن البناء عليه؛ فقد اعتمد منهجية تجمع بين الرصد الكمي والتحليل الكيفي، واستند إلى متابعة ما ينشر في وسائل الإعلام، والتشريعات واللوائح المنظمة للعمل الإعلامي، والمؤشرات الدولية، وإحصاءات المؤسسات الإعلامية المرخصة، وسجلات جمعية الصحفيين ولجنة الحريات، إلى جانب الحالات التي جرى توثيقها خلال العام، وهي مصادر مهمة لرسم صورة عامة للبيئة التي تعمل فيها الصحافة العُمانية ومتابعة تغيرها من عام إلى آخر.
ومع ذلك فإن قياس مستوى حرية الصحافة يحتاج إلى خطوة أخرى لا تقل أهمية، وهي الوصول بصورة منهجية إلى الصحفيين أنفسهم وقياس خبرتهم الفعلية في ممارسة المهنة؛ فهناك جوانب يصعب أن تكشفها أعداد التراخيص أو نصوص القوانين أو البيانات الرسمية وحدها، مثل سهولة الحصول على المعلومات، والاستقلال في اتخاذ القرار التحريري، والرقابة الذاتية، والضغوط التي قد يتعرض لها الصحفي، ومدى قدرته على تناول القضايا التي يراها جديرة بالنشر.
ولعل الحق في الحصول على المعلومات يقدم مثالًا واضحًا على أهمية الانتقال من النص إلى الممارسة؛ فقد كفل قانون الإعلام الصادر عام 2024 الحق في الحصول على المعلومة وتداولها بطريقة مشروعة، إلى جانب حرية الرأي والتعبير وحظر الرقابة المسبقة على ممارسة الأنشطة الإعلامية.
وهذه ضمانات مهمة في أي بيئة صحفية، لكن وجودها في النص القانوني يمثل جانبًا واحدًا من الصورة؛ فالقياس الأدق يحتاج أيضًا إلى معرفة ما يحدث عندما يبحث الصحفي عن المعلومة بالفعل: الوقت الذي يستغرقه الحصول عليها، ومدى استجابة المؤسسات لطلباته، والفرص المتاحة لطرح الأسئلة والحصول على إجابات واضحة، وما إذا كانت سهولة الوصول إلى المعلومات تختلف باختلاف المؤسسة أو طبيعة القضية التي يعمل عليها. ومن هنا تصبح تجربة الصحفي الفعلية في الوصول إلى المعلومات مؤشرًا مهمًا يمكن أن يضيف الكثير إلى التقارير المقبلة.
هنا تبرز أهمية توصية أخرى تضمنها التقرير بإجراء استطلاع دوري بين الصحفيين والإعلاميين، بحيث تصبح نتائجه مؤشرًا ثابتًا يمكن مقارنته من عام إلى آخر.
فجزء مهم من حرية الصحافة لا يظهر في القوانين أو الإحصاءات، وإنما في التجربة اليومية لمن يمارسون المهنة. ويمكن لمثل هذا الاستطلاع أن يقيس، بأسئلة شبه ثابتة تتكرر سنويًا، سهولة الوصول إلى المعلومات، وحرية اختيار الموضوعات ومعالجتها، والاستقلال في اتخاذ القرارات التحريرية، والضغوط المهنية والاقتصادية، ومستوى الرقابة الذاتية، والشعور بالأمان المهني.
ومع تراكم النتائج سنصبح قادرين على معرفة اتجاه التغير، وتحديد المجالات التي تحقق تقدمًا وتلك التي ما زالت تحتاج إلى تطوير، بدل الاكتفاء بانطباعات يصعب قياسها أو مقارنتها بمرور الوقت.
ومن هنا يمكن أن يكون إدخال صوت الصحفي العُماني بصورة منهجية ومنتظمة أحد أهم عناصر تطوير التقرير في نسخه المقبلة.
ومن المهم التوقف عند توصية التقرير بوضع مؤشر وطني للحريات الصحفية، وأعتقد أنها أهم توصياته وأكثرها طموحًا، شريطة ألا يكون الهدف إنتاج ترتيب محلي ينافس المؤشرات الدولية، وإنما بناء أداة قياس قادرة على التقاط تفاصيل البيئة الإعلامية العُمانية ومتابعة تغيرها بمرور الوقت.
ويمكن أن يجمع هذا المؤشر بين أبعاد مثل البيئة القانونية، والاستقلال المهني والتحريري، والوصول إلى المعلومات، والضغوط الاقتصادية، والسلامة المهنية، مع أبعاد أخرى تعكس خصوصية البيئة الإعلامية في عُمان. والأهم أن تكون له منهجية معلنة، ومعايير ثابتة قدر الإمكان، ومصادر بيانات متنوعة، بما يسمح بالمقارنة من عام إلى آخر ومعرفة مواضع التقدم أو التراجع، بدل الاكتفاء برقم إجمالي واحد.
ويطرح وضع مثل هذا المؤشر سؤالًا شديد الأهمية، وهو: من يضعه؟ وهل تتولى جمعية الصحفيين ولجنة الحريات وحدهما وضعه وتحديد مؤشراته وأوزانه، أم يكون نتاج حوار أوسع تشارك فيه المؤسسات الإعلامية العامة والخاصة، وأقسام وكليات الإعلام في الجامعات، والصحفيون والإعلاميون، والباحثون والمتخصصون في القانون وحقوق الإنسان إلى جانب الجهات الرسمية ذات الصلة؟ وأميل إلى الخيار الثاني؛ لأن قوة المؤشر لا تأتي فقط من دقة أدواته، وإنما أيضًا من الثقة في الطريقة التي بُني بها وتنوع الأطراف التي أسهمت في صياغته. ويمكن لجمعية الصحفيين أن تكون صاحبة المبادرة والمظلة التي تجمع هذه الأطراف.
في تقديري، يمثل تقرير جمعية الصحفيين خطوة مهمة في ترسيخ تقليد سنوي لرصد الحريات الصحفية في عُمان وتوثيق تطوراتها، ويفتح في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة أكثر تقدمًا في القياس. فالأرقام المتعلقة بالتشريعات والتراخيص والمؤسسات والأنشطة ترسم جانبًا مهمًا من البيئة الإعلامية، لكنها لا تكفي وحدها لمعرفة ما يواجهه الصحفي في ممارسته اليومية.
وقد يكون الإنجاز الأهم في السنوات المقبلة هو الانتقال من رصد الحريات إلى قياسها بأدوات وطنية علمية وشفافة وتشاركية، تستمع إلى الصحفي نفسه، وتتيح لنا أن نعرف، عامًا بعد عام، ما الذي تحقق من تقدم، وما المجالات التي ما زالت تحتاج إلى مزيد من العمل.