بعد رحلة من التجربة والبحث، أتعجّب من بقاء الفكر العربي في الأطروحات ذاتها التي يكرّر مقاربتها وإعادة النظر فيها. قضايانا لم تُحسَم بعدُ، لم نتصالح مع تاريخنا ومع واقعنا ومع ذواتنا ومع العالم من حولنا، لم نتصالح مع الماضي ومع الحاضر ومع المستقبل.

نعيش في الغالب الأعمّ الإشكاليات ذاتها التي عشناها منذ قرنين من الزمن، إشكاليات لم يحسم العقل العربي الرأيَ فيها، وإنّما ظلّ يلوكها ويجترّها ويستعيدها، ما زلنا لم نخرج عمّا طرحه شبلي شميل وشكيب أرسلان ومحمد عبده وغيرهم من «المُصلِحين العرب»، وما زلنا نعيش نفس القيود والمحاذير التي تعوق توسيع النظر وتحرير العقل.

ولكن في رأيي أهمّ عقالين يعقلان الفكر العربي هما عقدتان رئيستان، عقدة الآخر الغربي وعقدة الماضي المثقل.

الآخر الغربي ليس فكرة، ولا موقفا ولا قضيّة نخوض فيها ونُبدي فيها رأيا، وليس أيْضا موضوعا للتفكير بيانا لأثره فينا ولدوره في حاضرنا وتاريخنا، وإنّما هو آلية تفكير ومنهج صقل للعقل، نحن نفكّر بالآخر، ننهج نهجه وإن أنكرناه ورفضنا مواقفه.

الآخر الغربي مسيطر على تشكيل عقولنا، نحن نرفضه أحيانا وننتقد سيطرته وهمجيته ومخالفته لنا، ولكنّا نُبدي أو نُبطن إعجابنا به ويقيننا في تصديق كلّ ما يأتي منه، نحن نضعه موضع المرجع والحجّة في ذاته، فنُعجب بالسيّارة التي أحدثها، وبالهاتف الذي أبدعه وبالبرمجيّات التي ابتكرها، وبالروايات التي ألّفها وبالفكر الذي كوّنَه وبالمنتج الغربي عامّة، ونحتجّ بأفكارهم، ونعتبرها قاطعة فاصلة مُبينة.

نضع العقل الغربي في ميزان النقد والتخوين موقفا فقط، ونعوّل عليه مرجعا. نحن بذلك في قمّة التناقض مع ذواتنا، نعيش انفصاما غريبا.

باختصار شديد، نحن لم نُوضّح بعد موقفنا من الآخر الغربيّ، نستند إليه في مناهجنا التعليمية وفي بحوثنا العلمية ونُعجب بالغربي في حياتنا اليوميّة، بقدرته وبفكره وبعلمه وعمله، حتّى أنّ بعض الجامعات العربيّة تُميز المدعوين الغربيين وتضعهم في خانة المُحتَفى بهم وإن كانوا من سقْط البشر، لا ننظر إلى فكرهم بل إلى عِرقهم، وإلى ألوانهم، إذن نحن باطنا أو ظاهرا نضع العرق الغربيّ في منزلة البشر المميَّزين، وهو أمرٌ لا نعترف به ولا نُقرِّه صراحة.

وهذا الأمر في ظنّي يُمثّل تقييدا لفكرنا الخالص، هو تقييد ناجم عن العجز عن اتّخاذ موقف بائن من الأثر الفكري والثقافي الغربيّ، والتجرّد من العاطفة التي تحملنا إلى الجمع بين النفور والإعجاب، والتخلّص من عقدة النقص والدونيّة أمام الآخر الغربي.

العقدة الثانية، هي عقدة التاريخ، عقدة الماضي، الذي لم نتخلّص منه، ولم نُعْمله، هو عكس تعاملنا مع الآخر الغربيّ، نحن نُمجّد تاريخنا ظاهرا، وننكره باطِنا وفعلا، ولذلك لم نتصالح مع هذا الماضي، الذي لم نُحدّده، ولم نتعامل معه نقديّا، ولم نفهمه في رأيي.

الماضي عقدة ظاهرة، كأنّا نتمسّك به حتّى لا نشعر بذنب ارتمائنا في أحضان الغربي، كأنّنا نلبس ملابسنا التقليدية لنجبّ بها استعمالنا لسيّارات الغرب، ولأدواته التي تهيمن على حياتنا.

نُهجّن الماضي، وندمجه في مناهجنا التعليمية دون رؤية، نُدرّس اللغة العربيّة التي لا نؤمن بجدواها في العالم الحديث، وندرّس التربية الإسلامية ضرورة في مدارس دولية لنحمي أطفالنا من عقيدة الغرب، ندرّس التاريخ لننفّرهم منه، ولكن هل تَخيّرنا رؤية ومنهجا لهذه الدروس، هل أدركنا طريقة لنجعل الطالب يُقبل سعيدا مبتهجا على دراسة تاريخه، ألا يدخل الطالب لهذه المواد مُكرَها، نافرا، قلقا؟ أليست عقدة طلبتنا في دراستهم هي هذه الموادّ؟ ماذا فعلنا للنهوض بها، ولتفعيل تاريخنا وتحبيب أبنائنا فيه؟

عقدة الماضي إذ يتحوّل إلى رداء شكليّ، لا عمل له في الواقع العملي تحملنا إلى قيْدٍ، نحبّه ولا نعرف كيف نُجريه، لم نعد يوما إلى هذا الماضي لاستخراج درره، واستخلاص عبره، لم نجد الرجال الذين يُركّزون الجاحظ مرجعا ثابتا ومحورا في تراثنا الفكري وعقيدتنا الأدبيّة، ولا الرجال الذين يُحوّلون مناهج دراسة التاريخ والأدب في المدارس والجامعات إلى مباهج يُقبل عليها الطلبة وتقع في أنفسهم موقع القبول والإعجاب والإقبال والهوى.

حتى لا نكون عدميين، محبِطين، مكثرين للسلْب، فإنّ الحلّ عسير وممكن جدا، يبدأ يوم نقتنع بالتصالح مع تاريخنا وماضينا، يوم نقرأ التاريخ قراءة واقعية لا طوباوية، يوم نحوّل الماضي إلى تاريخ حقّ، إلى قوّة تفخر بها الأجيال، ويوم نتعامل مع الغربي بنديّة نأخذ منه دون تقديس ودون إعجاب مبالغ فيه، «فهم رجال ونحن رجال».