لم يعد ظهور الإصدارات المميزة في مهرجان المسرح التجريبي نافلة، وليس التركيز على الترجمة كفعل حضاري شكلا من المغامرة غير المنطقية. ففي الدورة (33) لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي للفترة من 1-8 سبتمبر 2026م صدرت مجموعة من الإصدارات المهمة للباحثين المسرحيين خاصة، وللثقافة المسرحية بوجه عام.

وهذه الحركة النشيطة في ترجمة الكتب النقدية والإبداعية هي استمرار لقوة مهرجان المسرح التجريبي وتطوره، لما يعكسه من تعبير متصاعد عن التطور الحضاري وتلبية لحاجة الثقافة المسرحية في الوطن العربي للتخصصية.

وتولت إدارة المهرجان ترجمة عناوين دالة حول قضايا عديدة في المسرح، منها مثلا ما يجري تناوله بشأن تحليل المسرح بوصفه ممارسة اجتماعية، وتحرير الفنون من الاستعمار، والمسرح في عصر ألعاب الفيديو، والبصرية في المسرح، ومواجهة الأنانية الإنسانية، والمسرح والرقمنة، وفلسفة المسرح، وفينومينولوجيا فن التمثيل، إلى جانب القضايا السابقة، كان للنصوص المسرحية المترجمة حصة لا بأس بها، كترجمة نصوص من المسرح الفرنسي والمسرح الأمريكي، والبريطاني والألماني.

تولى القيام بالترجمة أسماء لامعة في مجالات الإخراج والتمثيل والدراماتورج أمثال الدكاترة: عمر فرحات ومنتجب صقر (فرنسا)، محمد سيف (العراق-فرنسا)، وسعيد كريمي ويوسف امزيرع (المغرب)، ومحمد رفعت يونس، والأساتذة الشيماء علي الدين، وأحمد عبدالفتاح، وسعيد قابيل (مصر).

إن النقد فضاء واسع لا يكتفي بقراءة النص المسرحي وتحليله، أو قراءة العرض المسرحي وعلاماته. فالنقد امتداد واسع للانفتاح على الحضارات والحوار معها. ما زلت أتذكر ترجمات كلاسيكية كالموسوعات المختصة بالمصطلحات النقدية والفلسفية والفنية، أعود إليها حسب مقتضى الأحوال.

فما تقوم به الترجمة من فعل حضاري أنها تعرفنا على الاتجاهات الفكرية والمدارس القديمة والحديثة، وتفتح باب حوار التفاعل والأسئلة والتأثر.

ولعل من أكثر المصطلحات التي تشهد جدلا وحوارا لا ينتهيان هما مصطلحا الحداثة والتجريب، فهل هذا دليل على التفاعل الحضاري والانفتاح على الآخر؟ أم أنه محاولة حادة للخروج من الشرنقة؟ هل أن الجدل الحاصل ينتج عن ضرورة بالثقافة والوعي، أم محاولات لغلق باب الحوار، والعقل، وتبادل الإقصاء والتهميش لتكريس ثقافة التحامل والتعصب؟

في الماضي (عهد الدولة العباسية عصر الخليفة المأمون)، وفي سياق الثقافة السائدة المبنية على مقولة إن الشعر ديوان العرب جرى ترجمة الكوميديا إلى مدح، والتراجيديا إلى هجاء، يفهم قاصر لصوت المترجم الأشهر (يونس بن متى).

ففي ذلك السياق التاريخي تحركت الترجمة بفعل من قوة الشعر والسيادة الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل بها وضع الشعر والشاعر في التراث.

لكن الحال المعاصر، مع اتساع المعارف والفنون وسهولة الوصول إلى المعلومة، وتعدد التجارب، يدعونا إلى التساؤل: لماذا لا نتجه، عوض الانشغال بتقديس الماضي وتمجيد الذات، إلى بناء جذور علمية أو فلسفية في النقد والفن والأداء؟

في هذا السياق وفي لقاء مع المترجم والأديب العراقي المعروف عبد الواحد لؤلؤة عن النقد والترجمة وقصيدة الحرب (مجلة الأقلام، العدد 6، يونيو 1987) يقول الآتي: «... ولكن من أين تأتينا الحداثة؟ الالتزام في الخمسينيات؟ اللامعقول في الستينيات؟ البنيوية في السبعينيات؟ جميعها دخيلة وجميعها لم تستطع أن تضرب جذورها في الذوق العربي الحديث.

جميعها لم تنبع من تراثنا. لذلك لم تعمر طويلا، ولذلك كان الذين نادوا بها يعرفون قبل غيرهم أنهم يلبسون البرنيطة بالمقلوب...».

إن الحداثة حداثات، والتجريب ليس حكرا على ثقافة دون أخرى. من هذا المنطلق تكون الترجمة فعلا مركزيا وجوهريا يتصل بتأمل شرط وجودنا الحضاري وتبادل المعرفة وجسر الفجوة، من دون إلغاء الخصوصية المحلية.

ومن هنا، تؤدي الترجمة دورها الاستثنائي في تقريب المفاهيم وتفكيك المصطلحات، باعتبارها صوتا للعقل والاستنارة. تستمر المهرجانات المسرحية من قيمة الإصدارات النقدية التي تشكل رافدا مهما للتنمية الفكرية وتطور البحث الأكاديمي خاصة بين الباحثين الجدد الساعين إلى التحصيل النقدي الرصين.

إن سعادة الباحث عن المعرفة لا تضاهيها سعادة، والصعود في سلم البحث العلمي، من بداياته إلى الأستاذية، لا يتأسس إلا بالقراءة الجادة والمنهجية. فكل مسرح تجريبي ونحن بخير.