التدفق، في قاعدته الفيزيائية المبسطة، يبدأ من الأعلى ويتجه إلى الأسفل، ولا يخرج تدفق الأخبار والمعلومات كثيرا عن هذه القاعدة. فمنذ أن ابتكر الشمال الغني وسائل الاتصال والإعلام الحديثة، أخذت هذه الوسائل تتدحرج نحو الجنوب الفقير، حاملة معها الأخبار والمعلومات والأفكار والقيم وأنماط التفكير الشمالية.

وظلت المعادلة ذاتها تحكم كل موجة جديدة من وسائل الإعلام والاتصال، من الصحافة والإذاعة والتلفزيون إلى شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.

وحين وصل العالم إلى ثورة الذكاء الاصطناعي، لم يكن هنالك ما يشير إلى أن مؤشر البوصلة سيتغير ناحية الجنوب، بل ظل ثابتا في الشمال، وبقيت المعادلة كما هي: شمال ينتج ويملك ويقرر، وجنوب يستهلك ويتلقى.

ربما كانت أوضاع الجنوب هشة في فترات مختلفة من التاريخ، وأسهمت هذه الهشاشة في تسريع تدفق ما ينتجه الشمال إليه، بما في ذلك ثورات الاتصال والتواصل المتعاقبة.

غير أن بعض أركان المعادلة في زمن الذكاء الاصطناعي بدأت تتحرك قليلا في ظل عدد من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، فالجنوب لم يعد كله أميا أو جاهلا، ولا فقيرا معدما أو عاجزا عن المشاركة في إنتاج المعرفة، بل إن بعض دوله باتت تمتلك تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتستثمر فيها، وتعمل على تطويرها، وتحاول الانتقال من موقع المستهلك والمتلقي إلى موقع المنتج والمؤثر.

وتشير الأرقام الموثقة إلى أن بعضا من دول الجنوب لم تعد مجرد مستهلك لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت شريكا ومستثمرا في صناعتها.

ففي الإمارات، تمتلك «بريسايت» 51 في المائة من شركة AIQ، مقابل 49 في المائة لـ«أدنوك»، فيما أطلقت السعودية شركة «هيوماين» تحت مظلة صندوق الاستثمارات العامة لبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي.

ودخلنا في سلطنة عمان هذا المجال باستحواذ جهاز الاستثمار العماني على حصة في شركة xAI الأمريكية المطورة لنموذج Grok، كما استثمرت صناديق إماراتية وقطرية في شركات عالمية مثل OpenAI وDatabricks. وفي أفريقيا، استحوذت مصر وكينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا على أكثر من 83 في المائة من تمويل الشركات الناشئة في هذا القطاع.

ولم تقتصر هذه الاستثمارات على الشركات الغربية، بل امتدت إلى شركات أخرى منتجة ومطورة للتقنيات المتقدمة في الجانب الشرقي من العالم، ولا سيما في الصين والهند، إلى جانب القوى الآسيوية المتقدمة مثل اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة.

وقد تعني هذه المؤشرات الإيجابية أن خريطة الذكاء الاصطناعي لم تعد غربية خالصة، وأن مراكز إنتاج التقنية ورأس المال والمعرفة بدأت تتوزع بين قوى متعددة، وإن بقيت متفاوتة في حجمها وتأثيرها وقدرتها على التحكم في مسار هذه الثورة.

وبالعودة إلى مفهوم الهيمنة واتجاه التدفق، فقد توحي الاستثمارات المتزايدة بأن المعادلة القديمة قد بدأت في التغير، وأن العلاقة بين الشمال والجنوب تتجه نحو قدر أكبر من التوازن. غير أن امتلاك حصة في شركة للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة امتلاك تأثير مماثل في توجهاتها أو في المحتوى الذي تنتجه نماذجها؛ فكثير من هذه المساهمات تحكمها اعتبارات الاستثمار والعائد المالي، ولا تمنح أصحابها سلطة حقيقية على الخوارزميات أو مصادر البيانات أو القيم التي تتضمنها النماذج. ومن ثم، قد يصبح الجنوب شريكا في الأرباح من دون أن يكون شريكا في صناعة المعنى.

ولعل توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي في دول الجنوب يمثل الطريق الأكثر فاعلية لبناء معادلة جديدة تحد من الهيمنة الشمالية وتعيد توجيه مسارات التدفق. فالحاضر ينبئنا بأن مستقبل أوطاننا وأمنها واستقرارها، ومستقبل أبنائنا من بعدنا، سيرتبط بقدرتنا على امتلاك هذه التقنيات العالية وتوطينها، لا بالاكتفاء بشراء حصص فيها بحثا عن العوائد والأرباح.

فالاستثمار المالي، مهما بلغت قيمته، لا يوفر وحده السيادة التقنية، ولا يمنحنا القدرة على حماية مجتمعاتنا من المخاطر التي قد تنتج عن احتكار الآخرين للخوارزميات والمعلومات. وفي عالم أصبحت فيه البيانات أحد أهم أسلحة القوة والصراع، لا تفتقر بلداننا إلى هذه الثروة، بل تمتلك مخزونا هائلا من البيانات والمعرفة والتجارب التي يمكن تنظيمها وحمايتها والاستفادة منها في بناء منظومات متكاملة للذكاء الاصطناعي تعبر عن لغاتنا وقيمنا واحتياجاتنا.

وعدم توطين هذه التقنيات يعني أن نظل مصدرا للبيانات وسوقا للمنتجات، بينما تبقى المعرفة والقدرة على التأثير وصناعة القرار في مكان آخر. وحينها لن يتغير اتجاه التدفق، بل ستصبح الهيمنة أكثر عمقا وأشد خطرا؛ لأن سيادة الدول في المستقبل لن تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها ومواردها، وإنما بقدرتها على امتلاك بياناتها والتحكم في تقنياتها وصناعة قرارها في زمن سيادة الخوارزميات.