حوار ـ حسن عبد الموجود

بعد صدور ديوانها «ورق حائط»



القضية الفلسطينية كانت امتدادا طبيعيا لسردية الثورة ضد الاستعمار الفرنسي

عدت إلى أرشيف العائلة والأحداث السياسية والفنية الكبرى لأكتب ديواني «ورق حائط»

أردت الانتقال من ألوان الستينيات والسبعينيات الزاهية إلى ألوان الثمانينيات الترابية

تراب أرض الواقع بأزماته جعل الثمانينيات تبدو وكأنَّها رمز لشيخوخة القرن العشرين

لا أريد لقصيدتي أن تكون مجرَّد كيان ذهني.. أريدها أن تنبع من القلب وتصل للقلب

ترسم الشاعرة الجزائرية لميس سعيدي في ديوانها الجديد «ورق حائط» حقبة الثمانينيات بحلوها ومُرِّها، بسلامها وحروبها، بانكساراتها وخيباتها ولحظات سعادتها على قلَّتها. يكاد الديوان أن يشكل ألبوما عائليا غير مرتَّب زمنيا، فلميس تبدو كأنها تجمع نثار ذكرياتها. تزيل الغبار عنها، وتكتبها بلغة شديدة الحساسية، تنبض بالرائحة واللون والمعنى، فترينا صورا شخصية لها بالقرب من أحبَّتها، بدءا من الأب والأم، وانتهاء بشعراء مرُّوا بحياتها.

«ورق حائط» يثبت أن بإمكان الشعر أيضا أن ينوب عن السرد في كتابة السيرة وإن كانت القصيدة تعادل فصولا.

ولدت لميس سعيدي في 1981 وهي مهندسة كمبيوتر، ومترجمة تجيد الفرنسية والإنجليزية والإسبانية ولها عدة دواوين: «نسيت حقيبتي ككل مرة»، و«إلى السينما»، و«كمدينة تغزوها حرب أهلية»، و«كقزم يتقدَّم ببطء داخل الأسطورة»، ولها في السرد كتاب وحيد هو «الغرفة 102»، هنا حوار معها حول الديوان وحقبة الثمانينيات والأدب.

كيف خطَّطت لكتابة ديوان كامل عن الثمانينيات؟

منذ ديواني الشِّعري الثاني «إلى السينما» (2011)، انتقلتُ من كتابة القصائد بشكل عشوائي، أي من انتظار ما يُسمّى بالإلهام، إلى كتابة كتب شِعرية تدور حول ثيمة واحدة، أحدّدها قبل الشروع في الكتابة، ثم أطوّر تدريجيّا مشروعي الشِّعري من خلال مجموعة من القصائد المتّصلة بما يشبه العمود، عمود الكهرباء، الذي يحيل الشِّعر إلى شبكة من الروابط والتيارات تنتقل عبرها الطاقة الكامنة للمعنى، كما أنّني أختار الأدوات والتقنيات الفنية المناسبة وفق «خُطط مسبقة»، إيمانا مني بأنّ واحدا من تحديات الحداثة في الشِّعر العربي هو الانتقال من قول الشِّعر إلى كتابته، بكل ما يحمله فعل الكتابة من بناء فكري وفني، ومع الحفاظ على نبض القلب داخل القصيدة، والذي يبقى نبع الشِّعر الأوّل.

بعد ديوان «كقزم يتقدّم ببطء داخل الأسطورة» (2019)، والذي يتناول تفكيك الأثر الاستعماري على صعيد اللغة والعمران في الجزائر، بدأتُ في التفكير في مشروع شِعري جديد. وفي رمضان 2020، صادفتُ بعض المشاهد من مسلسل مصري تدور أحداثه في ثمانينيات القرن الماضي.

لم أتابع المسلسل لكنّه لفت انتباهي إلى تميّز ديكورات البيوت في حقبة الثمانينيات، كما أنّ الإضاءة التي أبرزت تدرّج الألوان الدافئة التي تميل إلى الأصفر والبني والبيج، ذكّرتني مباشرة بألبوم الصور العائلي. وفي تلك اللحظة قرّرت كتابة ديوان شِعر كامل عن تلك الحقبة ولم تكن لديَّ أدنى فكرة عمّا سيحتويه هذا الديوان، ولا كيف سيكون شكل القصائد.

كل ما حدث أنّني انتبهت إلى أنّ زمن الثمانينيات هو زمن شِعري يستحق الكتابة عن تفاصيله، أوّلا لأنّه زمن منسي؛ نذكر عادة الستينيات والسبعينيات وحتّى التسعينيات بحنين وبهجة كبيرين، ونستبعد الثمانينيات كأنّها زمن انتكاسة نرغب في تجاهلها، ولأنّه زمن التحوّلات الكبرى، على الصعيدين الشخصي والعام.

ثم جاءت كتابة هذا الديوان عبر مراحل عديدة، كانت أهمّها العودة إلى أرشيفي الخاص، وأرشيف العائلة، وأرشيف الأحداث السياسية والفنية الكبرى، وتدوين ملاحظات كثيرة؛ فمعظم القصائد بدأت كمجرّد عنوان أو سطر مدوّن في صفحة بيضاء. كما استعنتُ أيضا بوسائط التواصل الاجتماعي التي يشارك فيها الناس تفاصيل حكاياتهم وذكرياتهم بشكل عفوي؛ حيث تكفي صورة واحدة من زمن مضى لتُفتح بوابات النوستالجيا على مصراعيها، وينطلق منها سرد الحكايات.

لكنّني اكتشفتُ بعد الانتهاء من كتابة «ورق حائط» أنّ الدافع الذاتي والخاص لإنجاز هذا المشروع هو العودة إلى زمن الطفولة، طفولتي؛ لأنني من مواليد 1981، وطفولة ما يُسمّى اليوم بالعالم الجديد، الذي أُومن بأنّ ملامحه الأولى تشكّلت مع سقوط جدار برلين وسقوط الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا، وانتهاء الحرب الباردة، واندلاع انتفاضة الحجارة التي تمثّل ذروة اليأس من الحلول التقليدية للقضية الفلسطينية، وذروة إرادة المقاومة التي واجهت الدبابات بالحجارة.

رحلة العودة إلى الطفولة بدأتها مع ديوان «كقزم يتقدّم ببطء داخل الأسطورة»، الذي كتبته في شقّتنا القديمة التي وُلدتُ فيها، ثم استكملتُ هذه الرحلة مع «ورق حائط»، مدفوعة برغبة عميقة في اللاوعي في استعادة تفاصيل الطفولة مرّة أخرى من خلال الشِّعر، أي من خلال الروابط الخفية بين المحيط الخارجي والعالم الداخلي، ومن خلال تحويل مشاهد الذاكرة وسرديّتها الثابتة إلى خلفية تفسِّر اللحظة الراهنة، اللحظة الذاتية أو العامة.

اخترتِ «ورق حائط» للعنوان، وهو اختيار ذكي، فقد كان ذلك طلاء بيوت الطبقة الوسطى في تلك الحقبة.. ما تعليقك؟

منذ قرابة عشر سنوات، كتبتُ منشورا عن موضة ورق الجدران التي راجت في الثمانينيات، وعن حلمي في أن تكون جدران بيتنا مكسوّة بذلك الورق الملوَّن والمزخرف الذي كنّا نراه في الأفلام وفي بيوت الأصدقاء.

هذا الحلم الذي لم يتحقّق، لأنّ طابع الشقّة بأسقفها العالية وبلاط الموزاييك العتيق بزخارف هندسية وألوان ترابية تتدرّج من اللبني إلى الأخضر الزيتوني، كان يشترط أن تكون الجدران عارية، لا يكسوها سوى طلاء بلون هادئ، أبيض أو بيج في الأغلب، كما أنّ مكتبة والدي الكبيرة كانت تغطي بشكل كليّ حيطان الصالون في بيتنا.

وحين فكّرتُ في عنوان للديوان، وبعد أن تقدّمتُ في كتابة عدد من قصائده، تسلّل ورق الحائط من حلمي الطفولي إلى حيطان القصيدة، فتراكمت مشاهد وصور وموسيقى وروائح زمن الثمانينيات فيما يشبه الخلفية، كما يظهر ذلك في أوّل قصيدة في الديوان، والتي تحمل العنوان ذاته.

هذه الخلفية التي افتتحتُ بها الكتاب ليست مجرّد خلفية للزينة، وإنّما هي إعادة صياغة لسياق جمالي كان بطريقة أو بأخرى سياق كل الأحداث سواء كانت هامشية أو كبرى.

القصائد تشبه صورا فوتوغرافية والديوان يشبه ألبوما.. ماذا ينقصه؟ ما الصور التي عجزتِ عن كتابتها؟

حين بدأتُ في كتابة «ورق حائط»، وكنتُ أرغب في نقل أحداث شخصية وأخرى تاريخية بتفاصيلها كما حدثت في الثمانينيات، لكن في عربة القصيدة، طرحتُ على نفسي سؤالا جوهريّا: ما الذي ينقل حدثا ما، من مصاف الحكاية إلى مصاف الشِّعر؟ وبعبارة أخرى طرحتُ على نفسي السؤال ذاته الذي تطرحه القصيدة الحداثية مع كل تجربة شِعرية؛ لأنها لا تستند إلى أي قوالب جاهزة أو تصوّرات مسبقة: ما الذي يصنع الشِّعر؟

في «ورق حائط»، تقوم اللعبة الشِّعرية على التقاط الأحداث المهمة التي -بطريقة أو بأخرى- كانت لها صلة بالطفلة التي كنتُها في زمن الثمانينيات، وبالتالي صارت لها صلة بوعي الذات الشاعرة، ثم رسم خطوط بين هذه الأحداث وبين الطفلة والشاعرة، ثم أرى إن كانت الصورة النهائية تحمل شكلا قد يخلق المعنى عند القارئ، أم أنّها مجرّد خربشة عشوائية.

وفي الحقيقة، هذه اللعبة هي لعبة طفولية جدّا، تشبه لعبة الربط بين النقاط في كراريس التلوين لتتشكّل الصورة، ثم نقوم بتلوينها.

بلا شك، فكّرتُ في الكتابة عن أحداث وتفاصيل كثيرة، لكن لم يكن يربطني بتلك الأحداث أي شيء، وكانت أي محاولة للربط بينها وبين الطفلة والشاعرة محاولة عبثية لا تفضي إلى أي لون أو صورة.

فمثلا، تحدّثتُ عن جدار برلين لأنني زرتُ برلين بعد عشرين سنة من سقوطه لقراءة الشِّعر، وفعلتُ الشيء ذاته مع مشهد إعدام الرئيس الروماني لأنني زرتُ بوخارست لقراءة الشِّعر أيضا، وقد حدث ذلك أثناء كتابة هذه التجربة.

لذلك، لا أعتبر «ورق حائط» أرشيفا كاملا للثمانينيات، بل هو ألبوم للصور التي استطاعت أن تجد طريقها إلى الذاكرة، ثم من الذاكرة إلى اللحظة الراهنة، ومن اللحظة الراهنة إلى القلب، ومن القلب إلى القصيدة.

الثمانينيات شهدت فنا وأدبا جيدين، لكن ليسا عظيمين. كانت حقبة آسنة تقريبا في كل شيء.. لماذا رأيتِ كل شيء جميلا في تلك الحقبة؟

لهذا السبب تحديدا أردتُ الكتابة عن الثمانينيات؛ لأنّها تبدو آسنة، وربما أُفضِّل كلمةَ شاحبة، في حين أنّها كانت حيّة وملوّنة بطريقة مثيرة. لكنّ الانتقال من ألوان الستينيات والسبعينيات الزاهية والصارخة، ألوان الأحلام الكبيرة، إلى ألوان الثمانينيات الترابية، تراب أرض الواقع بشوارعه المكتظّة وبأزماته الاقتصادية والسياسية والدولية، جعل الثمانينيات تبدو وكأنّها رمز لشيخوخة القرن العشرين.

لكن بالنسبة إليّ، فإنّ تضاؤل مساحة الخيال والأحلام، وتحديدا الأحلام الجماعية، لصالح الواقع، خلق طرقا جديدة في التعبير الفني والسياسي قد تبدو، قياسا بأزمنة مضت، فَجّة، لكنّها تشبه الناس، وربما أكثر ما يعجبني في زمن الثمانينيات أنّه كان زمن الغضب الكامن، وتحديدا عند الشباب، الغضب من فشل الخيارات السابقة.

وبالعودة إلى الفن، لو أخذنا، على سبيل المثال لا الحصر، السينما المصرية، فالثمانينيات كانت العصر الذهبي للممثل أحمد زكي وللسينما الواقعية مع عاطف الطيب وخيري بشارة ومحمد خان.

وفي الجزائر، انتقل فن الراي من الهامش إلى متن الطبوع الموسيقية والفنية، وصار صوت الشباب وإيقاعهم. وفي أمريكا، أصبح مايكل جاكسون، ظاهرة فنية عالمية، متجاوزا الحدود العرقية والجغرافية.

ربما أحبّ الثمانينيات لأنّها زمن الجَمال الذي لا يتوقّعه ولا ينتظره أحد، زمن الجمال العادي والعادل.

العائلة حاضرة بصور للأب والأم والجد وغيرهم.. لكنك تخطيت حدود العائلة إلى الشارع.. كيف وازنتِ بينهما؟

في «ورق حائط» كنتُ أجرّب خطوات ومغامرات الطفولة الأولى، تلك الخطوات التي تنقلنا بحذر من فضاء البيت إلى درج البناية، ثم إلى الشارع والحيّ والمدينة، مع الاحتفاظ دائما بمعالم الطريق، طريق العودة، وكطفلة تحاول اكتشاف فضاءات جديدة، لا لتبتعد عن محيطها القريب، وإنّما لتدرك بشكل أوضح ملامحه وأبعاده، انطلقتُ تدريجيّا من الأب والأم والجدة والإخوة، ومن تفاصيل البيت والمكتبة ورواق الشقّة، إلى ما كان يحدث حولي، ولم أكن أدركه تماما، سواء في مدينتي أو بلدي الجزائر أو العالم، مع هاجس واحد هو الاستعانة بحصى الشِّعر للعودة إلى البيت في آخر المطاف؛ بيت الذاكرة والطفولة، البيت الذي يتّسع للطفلة وللشاعرة في آن واحد.

كيف ينبع الشعر من تفاصيل الواقع البسيطة؟

هل الأشياء التي تبدو بسيطة هي كذلك فعلا؟ أي هل هي مجرّد تفاصيل هامشية يمكننا تجاهلها أو اختزالها؟ وأنا أكتب ديوان «ورق حائط»، اكتشفتُ أنّ الأشياء التي نعتقد أنّها بسيطة، كقطعة ديكور، أو مطلع أغنية شهيرة، أو حتّى اسم ماركة حليب بودرة، هي أشياء مشتركة بين أبناء جيل واحد، أو حتّى بين أبناء أجيال كثيرة، وتدخل بلا حواجز في تشكيل مزاجهم وإيقاعهم الداخلي، أو بعبارة أخرى، تزيّن جدران ذاكرتهم وعوالمهم الداخلية.

فتنتقل من كونها أشياء بسيطة إلى مواد أولية تدخل في التكوين الوجداني، وبالتالي تصبح كائنات شِعرية بامتياز، بل تكاد تكون الكائنات الشِّعرية الوحيدة، وفقا لمقولة: «الشعر ليس رغيف الخبز الذي نستهلكه مباشرة، لكنّه حبّة القمح التي تصنع رغيف الخبز».

العودة إلى الماضي نوع من الحنين أم محاولة لفهم مشهد بعيد زمنيا بعد النضج؟

العودة إلى زمن الطفولة هي، بلا شك، محاولة للفهم؛ أوّلا لأنّ الفهم هو نبع السعادة والاطمئنان، على الأقل بالنسبة إليَّ، ولأنّني أدرك، كما يدرك الجميع، أنّ تفاصيل الماضي وندوبه وضحكاته التي لوّنت الهواء تتحكّم بشكل ما في الحاضر. لكنّ الحنين رفيق أساسي في هذه الرحلة؛ لأنّ الحنين، في كثير من الأحيان، يخفّف من وطأة بعض الصدمات، كما أنّ كذبه الخفيف يجعل رحلة العودة أقلّ قسوة. لكنّ الأهم من كلّ ذلك أنّ الحنين يتبع دائما نبض القلب. وأنا لا أريد لقصيدتي أن تكون مجرّد كيان ذهني ولغوي بارد؛ أريدها أن تنبع من القلب وتصل إلى القلب، قلبي وقلب من يبحث عن شاهد أبدي على ما حدث.

لماذا اخترتِ مشهد سعاد حسني وعادل إمام في فيلم «المشبوه» لتبدأي به قصيدة «أخبار سنة 1981»؟ وما الحدث الذي تمنيت أن تشهديه وأنتِ واعية لا طفلة؟

لأنّ هذا المشهد يحتوي على واحدة من أجمل جُمل الحب التي قيلت في تاريخ السينما المصرية والعالمية. حين سأل عادل إمام سعاد حسني: «كيف عثرتِ عليَّ في حين عجزت الحكومة بكل أجهزتها عن ذلك؟»، أجابت البطلة: «لو كانت الحكومة ليها قلب زي قلبي، كانت بعد الشر، عِتْرت فيك».

هذه الإجابة بليغة بشكل استثنائي؛ لأنها صادقة وتشبه تماما الشخصية التي قالتها، وتشبه ما قد يقوله إنسان «بسيط» حين يحوّله الحب إلى شاعر.

هذه البلاغة الصافية، بالنسبة إليَّ، تلخِّص بلاغة زمن الثمانينيات في الحب أو الفن. ثم إنني أردت أن أبدأ أخبار سنة ميلادي بمشهد حب؛ لأنني أحب أن أفكّر، كما يفعل الشعراء، بأن روح الشاعرة نزلت من رحم المحبة.

أما عن الحدث الذي تمنيت أن أشهده بوعي النضج، لا بوعي الطفولة، فهو بلا شكّ زيارة شعراء مثل أحمد فؤاد نجم والبياتي وسعدي يوسف إلى بيتنا في الجزائر.

«وُلدتِ في سنة 1981 وأخاف أن أشبه الشعراء».. ماذا تخفي هذه الجملة الشعرية؟

طبعا، لا أريد أن أفرض تأويلا واحدا لهذه الجملة الشِّعرية -لكنّني قبلها- كنتُ قد ذكرتُ في المقطع الشِّعري ذاته الشاعر الجزائري يوسف سبتي، وهو واحد من أهم شعراء الحداثة في الجزائر، وكان يكتب باللغة الفرنسية، واغتيل في سنة 1993 أثناء ما سُمّي بالعشرية السوداء.

وبما أنّ جزءا من مشروعي الشِّعري هو ترجمة شعراء الحداثة الجزائريين الذين كتبوا باللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، فقد وقفتُ على مأساوية مصائرهم في أغلب الأحيان؛ فهناك من مات قتلا، وهناك من مات منسيّا، وهناك من مات مشتّتا بين أرضين لغويتين، أو على أرض الجنون. فصار أحد هواجسي: كيف يتجنّب الشاعر المصير المأساوي؟

«أحب أن أفكر بأن للبيوت ركبتين، تخوران حين لا تصير الأرض صلبة تحت الأقدام».. ماذا تمنح الاستعارة للقصيدة؟

لن أكتفي بالحديث عن الاستعارة أو التشبيه أو المجاز، لكنَّ السؤال الذي أطرحه دائما: ما هي وظيفة الصورة الشِّعرية؟ تحديدا في القصيدة الحداثية، وهل تصنع الصورة وحدها القصيدة؟

بالنسبة إليَّ، في قصائد ديوان «ورق حائط»، تقوم الصورة الشِّعرية بوظيفتين: أوّلا، تضبط إيقاع القصيدة وتقطع حبل السرد في اللحظة التي تصارع فيها الحكاية لتأخذ حيّزا أكبر داخل النص.

أما الوظيفة الثانية، فهي الربط بين الأشياء؛ أي بين ما هو داخلي من مشاعر ورؤى وهواجس ضبابية وغير ملموسة، وبين العالم المادي، لتمنح العوالم الداخلية المشوَّشة صورة واضحة في ذهن صاحبها وذهن القارئ، ولتصل الإنسان بعالمه الخارجي وتكسر عزلته الوجدانية.

هل اخترت الشاعر خليل حاوي؛ لأنه فقط انتحر في 1982 حين دخلت قوات الاحتلال إلى بيروت؟

أوّلا، خليل حاوي من أبرز المجدِّدين في الشعر العربي الحديث، وقصة انتحاره أثناء اجتياح بيروت قصة مؤلمة، وتبدو عبثية؛ لأنّه كثيرا ما تستوقفني فكرةُ الانتحار في مواجهة يقين الموت.

لكن السبب المباشر لكتابة هذه القصيدة هو حديث وزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان عن قصيدة «الجسر» لخليل حاوي، وتحديدا بيت: «ما لَهُ يَنْشَقُّ فينا البَيْتُ بَيْتَينِ»، ليندِّد بهمجية العدوان الصهيوني الأخير على جنوب لبنان.

وكأنّ الشعر، مرة أخرى، يقف بهشاشته العالية في مواجهة الطائرات والصواريخ والدبابات ويهزمها. لكن، ما ساعدني على الكتابة هو شبكة الروابط المذهلة بين خليل حاوي في لبنان، ورثاء محمود درويش في فلسطين، وقصيدة الشاعرة الجزائرية آنا غريكي في الستينيات التي تتحدث فيها عن الانتحار ببندقية الصياد. وطبعا كنتُ أنا وسط هذه الدائرة، لأنني أعرف هؤلاء الشعراء وأحب قصائدهم.

لماذا تحضر القضية في خلفية الديوان؟

في طفولتي، أي في زمن الثمانينيات، كانت القضية خلفية كل الأحاديث ونشرات الأخبار والوصلات الغنائية، تحديدا في الجزائر التي تقوم بدور رئيسي داعم للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وقد أُعلن عن قيام الدولة الفلسطينية من أرض الجزائر في نهاية سنة 1988.

سردية القضية الفلسطينية بالنسبة إلى جيلنا كانت امتدادا طبيعيا لسردية الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي، وكانت صور أطفال الحجارة في مخيّلتنا بمثابة صور ملوّنة لأطفال الجزائريين في خمسينيات القرن الماضي.

في قصائد «ورق حائط» التي تتحدث عن القضية الفلسطينية، لم أحتج حتى إلى مدِّ أسلاك المعنى بين الماضي والحاضر، اللذين صارا لحظة مأساوية واحدة تتكرر بشكل كابوسي مخيف.

ماذا حكوا لكِ عن زيارة أحمد فؤاد نجم والبياتي ودرويش أو سعدي يوسف إليكم؟

في عائلتي تُذكر تفاصيل كثيرة عن هذه الزيارات، لكن المثير للانتباه أنَّ إخوتي أو أمي أو حتى والدي يستعيدون حكايا هذه الزيارات وكأنّها كانت شيئا عاديا وروتينيا في بيتنا في الثمانينيات، أي أنّها لا تُذكر أبدا بصفتها أحداثا استثنائية، وكأنّ إيقاع ذلك الزمن كان إيقاع حركة الشعراء والقصائد بين البلدان والبيوت وذاكرة الأطفال.

ما الصفة الجامعة بين شخصيات الثمانينيات، ابتداء منك وصولا إلى مايكل جاكسون؟

أعتقد أنّ الصفة الجامعة أنّها كانت شخصيات تشبه الناس، وأنا أخاف أن أشبه الشعراء، لكن أحب أن أشبه الناس.

ما جيلك عربيا؟

جيلي عربيّا هم جميع شعراء اللغة العربية الذين كتبوا ويكتبون القصيدة الحداثية من دون حاجة إلى خوض معاركها العنيفة التي خاضتها الأجيال السابقة، الشعراء الذين لم يشتركوا في تحرير أي مانيفستو شِعري، ومدرستهم الشِّعرية الوحيدة هي التجربة، التجربة الإنسانية والتجربة الشعرية التي تستحيل فيها كل قصيدة جديدة طريقا جديدة لاكتشاف ما هو الشِّعر.

كيف يتجاور السارد والمترجم والشاعر داخلك وأيهما الأقرب إليك؟

السرد والترجمة بالنسبة إليَّ تقنيات كتابة ألجأ إليهما لأدعم مشروعي الشِّعري بروافد جديدة للتجربة الإنسانية والمعرفية وللغة الشِّعرية. حين أكتب السرد الذاتي أو لأناقش إشكالية لغوية وثقافية، أنا شاعرة، وحين أترجم أظل شاعرة، وحين أكتب القصيدة فأكتبها لأنّ الشاعرة بداخلي اختارت الكلمة كغرفة فاخرة للشِّعر.

مَن الشعراء العرب المفضلون وبماذا تتميز أشعارهم؟

أحبُّ شعراء التحولات الكبرى الذين يصير شعرهم شاهدا جماليا على هذه التحولات. أحبُّ شعر عنترة بن شدّاد وطرفة بن العبد، اللذين عاشا قبيل الإسلام، وأحبُّ شعر المتنبي وأبي العلاء المعري، اللذين عاشا زمن ضعف الخلافة العباسية، وأحبُّ شعراء الحداثة الذين كتبوا بعد الحرب العالمية الثانية وبعد النكبة.

أحبُّ في شعر عنترة غضبه ورقّته في آن واحد، وفي شعر طرفة فلسفته تجاه الحياة والموت، وفي شعر المتنبي إحكامه، وكأنّه يراوغ بكرة قدم في رقعة بلاط محدودة. وأحبّ شفافية فلسفة المعرّي، أو على الأقل أحبُّ أن أراها شفافة.

أحبُّ لغة نزار قباني التي بفضلها كتبنا جميعا شعرا حداثيا، وخلّصت الكلمات من العنصرية الشعرية تجاهها. أحبُّ شعر محمود درويش، قديمه وجديده، أحبُّه مقلّدا ومجدّدا ومنفلتا من قبضة الجمهور. أحبُّ العذوبة النادرة في شِعر أمل دنقل، والنبرة الخافتة في شعر سعدي يوسف، وإيقاع قصيدة بول شاوول وتعدّد أشكالها وأوجهها.

أخيرا.. ما مشروعك القادم؟

كتابٌ فكريّ يجمع بين السيرة الذاتية والتأملات الشِّعرية والفكرية حول الإشكالية اللغوية في الأدب الجزائري. كما أحلم بأن يكون الحبَّ هو ثيمة ديواني الشِّعري القادم.