قديما -أعني مع بدء ظهور الحضارات- كان الموقع هو ما يحدد ازدهار المدن، فبقدر قربها من معابر القوافل التجارية والموانئ كانت تزدهر، ولطالما تنافست الإمبراطوريات على المضائق والأنهار والطرق لأنه ببساطة كانت السيطرة على الطريق تعني السيطرة على الثروة التي تمر عبره، ثم جاءت قناة السويس عام 1869 لتقدم واحدا من أوضح الأمثلة على القيمة الاقتصادية للموقع، فممر مائي ضيق اختصر الطريق بين أوروبا وآسيا، واختصر معه الزمن والكلفة، وتحول سريعا من مشروع هندسي إلى أحد مفاتيح النفوذ في الاقتصاد والسياسة.

ومع ظهور النفط ازدادت الجغرافيا ثقلا وأهمية وأصبح الخليج مركزا للطاقة العالمية، وأضحى مضيق هرمز واحدا من أهم شرايينها، حتى بات ما يحدث في مساحة مائية صغيرة قادرا على تحريك أسعار وأسواق تبعد آلاف الكيلومترات عنها كما يحدث اليوم، ورغم أن العالم بات في السنوات الأخيرة يتحدث بلغة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتجارة العابرة للحدود، إلا أن الأزمات الجيوسياسية أعادت تذكيرنا بحقيقة قديمة مفادها أن الاقتصاد لا يزال يحتاج إلى طريق وأنه كلما ازداد العالم ترابطا ازدادت حساسيته تجاه هذه النقاط التي تمر عبرها تدفقاته.

وفي هذا العدد من الملحق الاقتصادي، نحاول فهم من العلاقة المعقدة بين الجغرافيا والاقتصاد والقوة والإجابة على سؤال كيف تحولت المضائق والموانئ وطرق التجارة إلى أوراق في الصراع الجيوسياسي، ونناقش الدور الذي يمكن أن تؤديه الموانئ العمانية في تحويل الموقع إلى قوة اقتصادية مستدامة، كما نفتح نافذة مختلفة على القوة الاقتصادية مع جون بيركنز صاحب «اعترافات قاتل اقتصادي» ونذهب إلى أصل من نوع آخر في «اقتصاد الاستدعاء الثقافي» الذي يبحث كيف يمكن تحويل الذاكرة والوثائق والمحفوظات العمانية إلى قيمة اقتصادية تخدم الصناعات الإبداعية، وغيرها من الموضوعات الاقتصادية الشيقة. قراءة ماتعة.

رحمة الكلبانية محررة الملحق