«عمان»: أعادت الحرب والتوترات العسكرية المرتبطة بإيران طرح سؤال مختلف حول الميزة الجغرافية التي وُهِبت لدول الخليج، فمضيق هرمز الذي منح المنطقة وزنًا استراتيجيًا استثنائيًا لكونه ممرًا رئيسًا للطاقة العالمية، تحوّل مع تعطل الملاحة فيه إلى نقطة اختناق أثرت في صادرات النفط والغاز، وفي حركة السفن والتأمين والنقل، وأجبرت الدول المنتجة على البحث عن مسارات بديلة لم تكن مصممة في الأصل لاستيعاب أحجام التجارة التي تمر عبره.ويظهر حجم المخاطر الناجمة عن هذه التوترات في المنطقة بوضوح في بيانات صندوق النقد الدولي، الذي قدّر أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز حجب عن الأسواق نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات المكررة، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي، وهو رقم يكشف لماذا لا يمكن النظر إلى المضيق باعتباره مجرد ممر إقليمي، فالاضطراب الذي يحدث فيه ينتقل خلال فترة قصيرة إلى أسواق الطاقة العالمية، وإلى تكاليف الشحن والتأمين والتضخم وحسابات النمو في الاقتصادات المستوردة والمصدرة على السواء.
وقد حاول المنتجون في الخليج بالفعل إعادة توجيه أكبر كمية ممكنة من الإمدادات، فأرسلت السعودية النفط عبر خط أنابيبها الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما دفعت الإمارات بمنشآت وميناء الفجيرة الواقع خارج المضيق إلى حدود طاقته الاستيعابية القصوى تقريبًا، ومع ذلك يشير صندوق النقد الدولي إلى أن هذه المسارات البديلة لم تستطع تعويض سوى جزء من الكميات التي غابت عن السوق، وهو ما أظهر بوضوح الفارق بين امتلاك احتياطيات ضخمة من الطاقة وبين امتلاك شبكة مرنة وقادرة على نقل هذه الطاقة إلى الأسواق في مختلف الظروف.
وكل ما سبق يعد مهمًا في قراءة مستقبل الاستثمار الخليجي، فخلال العقود الماضية كان الحديث عن أمن الطاقة يركز في الغالب على الاحتياطيات والإنتاج والطاقة الفائضة ومستويات الطلب، لكن الأزمة الحالية أعادت البنية التحتية نفسها إلى قلب المعادلة، حيث لم يعد السؤال: كم يمكن للدولة أن تنتج فقط، وإنما إلى أين تستطيع أن تنقل إنتاجها إذا تعطل الممر الاعتيادي، وكم عدد الطرق والموانئ وخطوط الأنابيب التي يمكن تشغيلها في الوقت ذاته.
تأثيرات متوازنة
ورغم ضخامة الصدمة التي تعرضت لها السوق، لم تقفز أسعار النفط إلى المستويات التي كان يخشاها كثير من المتابعين، فقد ارتفعت الأسعار مع اندلاع الحرب، لكنها استقرت لاحقًا في نطاق تراوح بين 90 و100 دولار للبرميل، وهو مستوى مرتفع، لكنه أقل من السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا التي كان يمكن تصورها في ظل خروج هذا الحجم من الإمدادات.
ويقدم صندوق النقد الدولي تفسيرًا مهمًا لهذه المفارقة، فقد كان المعروض قبل الحرب يتجاوز الطلب بنحو مليوني برميل يوميًا، وهو ما وفر خط الدفاع الأول أمام الصدمة، ثم ساعدت مجموعة من العوامل خلال الفترة من مارس إلى مايو على منع اتساع الفجوة إلى مستويات أكبر،
وعلى رأس هذه العوامل جاء تراجع الطلب خاصة في آسيا، مع ارتفاع الأسعار واتجاه بعض الاقتصادات إلى بدائل أخرى للطاقة مثل الفحم والطاقة المتجددة، إلى جانب تجاوز الإنتاج خارج الخليج التوقعات وارتفاعه بنحو مليوني برميل يوميا مقارنة بمستويات عام 2025، مع زيادات من الولايات المتحدة وفنزويلا وغيانا وروسيا.
أما خط الدفاع الثالث فكان المخزونات، فقد قدر صندوق النقد الدولي العجز في السوق خلال الفترة من مارس إلى مايو بنحو أربعة ملايين برميل يوميا، وجرى تغطيته بالكامل تقريبا من خلال السحب من المخزونات العالمية، بما في ذلك المخزونات التجارية والاحتياطيات الاستراتيجية.
ومن هنا لا ينبغي تفسير استقرار الأسعار باعتباره دليلا على أن إغلاق هرمز كان قليل التأثير، بل على أن النظام العالمي اضطر إلى استخدام جزء مهم من أدواته الاحتياطية لمواجهة الصدمة، وهذه ربما إحدى أهم الرسائل التي يحملها بيان صندوق النقد الدولي الذي يؤكد أن الطاقة الفائضة أخذت في التراجع وأن المخزونات تعرضت للاستنزاف وأن انخفاض الطلب لعب دورا في تخفيف الضغط فإذا استمرت التوترات أو تعرضت المنطقة لاضطراب جديد قبل إعادة بناء هذه الهوامش، فإن الأسواق قد تبدأ الأزمة المقبلة من نقطة أكثر هشاشة. كما أن تأثير الإغلاق لم يقتصر على النفط الخام، إذ شهد إنتاج المنتجات المكررة في الخليج تراجعا ملموسا، وكان التأثير أشد على الديزل ووقود الطائرات، وهما منتجان تستحوذ المنطقة على نحو 10% من إمداداتهما العالمية.
مسارات بديلة
إن التطورات في المنطقة أعادت بلا شك رسم أولويات الاستثمار في دول الخليج بصورة واضحة، فبعد أن كان جزء كبير من الإنفاق الرأسمالي يرتبط بالتوسع في الإنتاج أو التحول الاقتصادي أو المشروعات الحضرية الكبرى، أصبحت الموانئ وخطوط الأنابيب والمنشآت اللوجستية تحظى بمكانة أكبر في حسابات الأمن الاقتصادي.
وهنا تبرز أهمية الموقع العُماني في قراءة هذه التحولات، فسلطنة عُمان تطل مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي وتملك موانئ رئيسية خارج الممر الضيق لمضيق هرمز، وهو ما يمنحها خصوصية جغرافية في أي تصور إقليمي لتنويع طرق التجارة والطاقة، ولا تعني هذه الميزة أن سلطنة عُمان معزولة عن آثار اضطراب هرمز، فالاقتصادات الخليجية مترابطة وأسواق الطاقة والنقل والتأمين تتأثر مجتمعة بأي توتر كبير في المنطقة.
ويمكن النظر إلى موانئ عُمان المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي باعتبارها جزءا من الإمكانات التي تسمح للمنطقة ببناء منظومة تجارية أقل اعتمادا على نقطة واحدة. فالفكرة ليست استبدال هرمز، وهو أمر غير واقعي بالنظر إلى حجمه وموقعه ودوره في تجارة الطاقة، وإنما خلق درجة أعلى من المرونة، فكلما تعددت الموانئ والمسارات البرية والبحرية وخطوط الأنابيب، انخفضت احتمالات أن يؤدي تعطل نقطة واحدة إلى شلل واسع في التجارة، وهذا النوع من التنويع يتسق أيضا مع التوجه الذي يربط الأمن الاقتصادي بالاستقرار الإقليمي وبالحفاظ على حرية الملاحة، وهي قضايا تكتسب أهمية خاصة في السياسة العُمانية التي طالما أولت الحوار وخفض التصعيد والحفاظ على أمن الممرات البحرية وزنا كبيرا.
وقد أظهرت الحرب أن تكاليف الاضطراب تمتد إلى ما هو أبعد من قطاع الطاقة، فقد أثرت الضربات على منشآت الإنتاج في مصافي النفط ومصانع الألمنيوم ومراكز البيانات وغيرها، وظلت حركة النقل الجوي دون مستويات ما قبل الحرب، وهو ما ألقى بظلاله على السياحة والسفر ونشاط الأعمال، وتكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة لدول الخليج في مرحلة تسعى فيها إلى تنويع اقتصاداتها بعيدا عن الاعتماد التقليدي على النفط، لأن القطاعات الجديدة مثل السياحة والخدمات اللوجستية والطيران والتكنولوجيا ومراكز البيانات تعتمد بدورها على الاستقرار وعلى سهولة انتقال الأشخاص والسلع ورأس المال.
وتشير البيانات إلى أن تداعيات الحرب انعكست بالفعل على توقعات النمو الاقتصادي، فوفقا لاستطلاع أجرته «رويترز»، يتوقع انكماش اقتصادي في قطر والكويت بأكثر قليلا من 8% هذا العام، بينما يتوقع أن يسجل الاقتصاد السعودي نموا بنحو 1.4% بعد نمو بلغ 4.5% في عام 2025، وتبدو قطر نموذجا واضحا لحساسية الجغرافيا في تجارة الطاقة، إذ تعتمد صادراتها من الغاز الطبيعي المسال على المرور عبر مضيق هرمز، في الوقت الذي تأثر فيه الإنتاج بالأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة. وهذه الأرقام تبرز أن مخاطر نقاط الاختناق لا تظهر في سوق النفط وحدها، وإنما تنتقل إلى الناتج والنشاط الصناعي والمالية العامة والاستثمار.