يفتح المُغرَم بالجغرافيا أطلسَ خرائط العالم، فيتأمَّل في اندهاش تلك اليد التي رسمَت العالم على نحو يبدو عشوائيًّا على نحو ما، فتشكَّلَت نتيجةَ عملها مصائرُ الشعوب؛ توالَت الهِجرات، وقامَت الحروب، ودارت الصراعات. إن تلك اليد التي قرَّبَت بين مساحات المياه واليابسة، لدرجة التلامُس عند نقاط متفرقة، فخلقَت المضايق، وخنقَت حركة الملاحة في شتى بقاع الأرض، وزرعَت جزرًا صغيرة وسط مساحات شاسعة من المياه، هي نفسها اليد التي رسمَت خرائط الصراع في مُختَلَفِ الأزمنة، وأسست لما يُمكن أن نُطلِق عليه: اقتصاد الاختناق.

في الآونة الأخيرة، تواترت الأخبار عن تحركات قِطَعٍ حربية في اتجاه مضيقٍ لا يتجاوز عَرْضُه بضعة كيلومترات، أو قناةٍ شُقَّتْ وسط تضاريس منطقةٍ صحراوية، أو جزيرة تبدو معزولةً غير عابئة بما يجري في أنحاء العالم، أو حتى قَفْرٍ جبلي يمُر من خلاله خط أنابيب؛ قد تبدو مواقع كهذه مجردَ تفاصيل هامشية في جغرافيا العالم، إلا أنها ذات أهمية بالغة من وجهة نظر الاقتصاديين، وقد تتحول إلى أماكن مِفصلية خلال فترات النزاع، لما لها من تأثير على حركة البضائع والطاقة والقِطَع البحرية. ففي عالم يقوم فيه الاقتصاد على سرعة نقل الموارد، واستمرارية تدفق الطاقة، ودِقة خطط الإنتاج، يكتسب مَن يملك القدرة على خَنْقِ حركة النقل وزنًا هائلًا في أوقات الصراع.

يتحول هذا الوزن إلى نفوذ سياسي في ميزان القوة العالمي، ثم إلى قدرة على الضغط والتهديد عند اللزوم. فالنزاعات التي تبدو في ظاهرها سياسيةً أو عسكريةً فحسب، غالبًا ما تنطوي على هدف اقتصادي أو جغرافي، مثل السيطرة على معبر أو مورد استراتيجي، أو السعي إلى فَتْحِ طريق بديل يُحرر القرار السياسي ويُنعش الوضع الاقتصادي. في هذا السياق، يبرُز مصطلح «جيوسياسي» الذي صار يتردد بشكل واسع في التحليلات السياسية خلال الآونة الأخيرة، على الرغم من ظهوره في بدايات القرن العشرين. يشير هذا المصطلح –من بين أشياء أخرى– إلى توظيف الأدوات السياسية والعسكرية في السيطرة على مواقع جغرافية ذات أهمية خاصة أو موارد استراتيجية، في إطار سعي الخصوم السياسيين إلى السيطرة على مواقع لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنها. فالقدرة على «خَنْقِ» الخصوم في هذه المواقع بالذات قد تُسرِّع باستسلامهم أو تُضعِف من موقفهم عند الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

هذه الاستراتيجية ليست جديدة على الإطلاق، بل تعود جذورها إلى زمن قُطَّاعِ الطرُق البرية وقراصنة الطرُق البحرية. فمنذ بدأت التجارة بين المدن والإمبراطوريات، كانت السيطرة على الطرُق التي يسلُكها التجار تعني السيطرة على الثروة التي تمُر عبرها، وعليه صارت الأنهار والمضايق والموانئ والطرُق البرية والآبار والواحات لَبِناتٍ أساسية في بناء القوة السياسية.

كانت جغرافيا تلك الأزمنة أقرب إلى الثبات منها إلى التغيير. لكن مع اكتشاف الطاقة البخارية وظهور السكك الحديدية والسفن الضخمة، اتسعت حركة التجارة العالمية، وصارت القدرة على اختصار المسافات ميزةً اقتصادية مرتفعة القيمة، تضمن لمَن يمتلكها الحصول على الثروة والنفوذ معًا.

في نوفمبر 1869، افتُتحت قناة السويس، فتحوَّلَت العلاقة بين أوروبا وآسيا على نحو جذري. لم تعُد السفن المتجهة من حوض البحر المتوسط إلى المحيط الهندي مضطرةً إلى الدوران حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، بل صار بإمكانها اختصار الطريق عبر ممر مائي ضيق يمُر عبر الأراضي المصرية. الأمر في ظاهره مشروع هندسي طموح، إلا أنه ينطوي على مشروع جيوسياسي، فالقناة لم تختصر المسافة فقط، بل اختصرت الزمن، وهو مورد سياسي واقتصادي باهظ القيمة والتأثير، خاصةً في أوقات الأزمات.

مع اتساع الإمبراطورية البريطانية، صارت لقناة السويس أهمية استثنائية باعتبارها أسرع طريق يصل إنجلترا بالهند وباقي المستعمرات البريطانية في آسيا. تحوَّلت القناة من مجرد ممر مائي إلى أحد أهم مفاتيح السيطرة في زمن الصراع بين الإمبراطوريات، وصار منطقيًّا أن تصبح محور الصراع بين مصر والقوى الاستعمارية في يوليو 1956، في اللحظة التي أعلن فيها جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. وقد سبق هذه اللحظة تأميم العديد من المصالح الأجنبية في مصر، لكن الأمر اختلف تمامًا في حالة قناة السويس، فتأميمها يعني انتزاع مفتاح النفوذ والسيطرة على المنطقة من أيدي القوى الاستعمارية. وعليه، فقد جاء ردهم سريعًا، إذ شنَّت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدوانًا ثلاثيًّا على مصر، ثم تدخَّلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، فانسحبت القوات المعتدية، واستمرت القناة تحت السيادة المصرية.

وبظهور النفط، أُعيدَ ترسيم خريطة الصراع، فانتقل التركيز تدريجيًّا من السيطرة على طرُق التجارة إلى الرغبة في الاستحواذ على مورد الطاقة الذي يحرك الاقتصاد العالمي. سرعان ما برز الشرق الأوسط كأحد أهم المراكز الاقتصادية في العالم، إذ تتقاطع فوق أراضيه وعبر ممراته المائية جغرافيا النفط مع جغرافيا الملاحة العالمية؛ احتياطيات نفطية ضخمة في محيط الخليج العربي، بإمكانها أن تُغذي العالم باحتياجاته من الطاقة، لا يُمكن الانتفاع بها إلا بضمان تدفُّقها إلى الأسواق العالمية بانتظام.

هنا ظهر داخل الحلبة لاعب جديد اسمه: مضيق هرمز؛ نقطة الاختناق المائية التي تمُرُّ من خلالها عشرات الملايين من براميل النفط والغاز والمنتجات البترولية كل يوم، والتي بإمكان مَن يسيطر عليها أن يخنق العالم متى أراد، فيُهدد البلدان الباردة بقِلَّةِ التدفئة، والبلدان الصناعية بتعطُّل الإنتاج، وحركة النقل العالمية بقِلَّةِ الوقود. هكذا أصبح هرمز أحد أكثر المواقع الجغرافية خطورةً في الاقتصاد العالمي.

إبان الأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، فوجئ العالم بأن الجغرافيا لا تزال حاضرةً بقوة في الواقع العالمي، وأن حركة الملاحة العالمية أكبر تأثيرًا من شبكة الإنترنت. وربما يتصور البعض أن التكنولوجيا قلَّلَت من أهمية الجغرافيا، إلا أن العكس تمامًا هو ما حدث نتيجة ثورة الاتصالات، فقد أصبح العالم أكثر ترابطًا واعتمادًا على النقاط الجغرافية الحساسة. فالمصنع الموجود في الصين يحتاج إلى مواد خام من أفريقيا، ستُنقل داخل حاويات تحملها سفينة تُبحر عبر المحيط، يستقبلها ميناء مجهز الرصيف، وطريق بري ينقلها رأسًا إلى المصنع. ثم يُنقَل المنتج النهائي في اتجاهات عدة إلى المستهلكين في كافة بقاع الأرض.

كلما ازداد ترابط العالم وتعقيد السوق العالمية، تنامت أهمية العُقَدِ التي تتفرع منها خيوط الشبكة التي تربط العالم، ليست المضايق والقنوات فقط، بل الموانئ، وخطوط الأنابيب، ومصانع أشباه الموصلات، ومناجم المعادن الحيوية، وكابلات الكهرباء التي تمتد في قاع البحار والمحيطات. جميعها «مواقع جيوسياسية» تُشكل في تكامُلها سلاسل قيمة تُغذي الاقتصاد العالمي.

ونتيجة الضغوط التي تُمارسها الولايات المتحدة على الصين حليفة إيران، برز اسم تايوان كموقع جيوسياسي في قلب الأحداث، فالجزيرة النائية لا تتوقف أهميتها عند موقعها الاستراتيجي في غرب المحيط الهادئ، وإنما تمتد إلى موقعها في قلب صناعة أشباه الموصلات؛ إنها مورد استراتيجي لا يقل قيمةً عن النفط في ميزان الاقتصاد العالمي. ومثلما تستطيع إيران خنق العالم ببَسْطِ نفوذها على مضيق هرمز، بإمكان أمريكا الضغط على حليفتها الصين بورقة تايوان. وغدًا تظهر أوراق أخرى كلما طرأت الحاجة إلى الضغط على أحد أطراف المعادلة، فمعادن مثل الليثيوم والكوبالت تتضاعف أهميتها الاستراتيجية مع انتقال صناعة السيارات إلى عصر الكهرباء والبطاريات ذات السعة الهائلة، ما سيترتب عليه تغيير كبير في خريطة الطاقة العالمية، إذ تُستبدل بآبار النفط مناجم المعادن الحيوية وغيرها من المواقع الجيوسياسية الجديدة.

بانتقالنا إلى البحر الأحمر، نجد أنفسنا مضطرين إلى المرور عبر مضيق باب المندب؛ المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، والبوابة التي لا بد وأن تعبر منها كل سفينة تُبحِر بين آسيا وأوروبا، ما يجعل منه ممرًّا بالغ الأهمية في طرُق التجارة العالمية، ويجعل من خسارته عودةً حتميةً إلى زمن ما قبل قناة السويس، بتكاليفه الباهظة. وقد شهِدَتِ السنوات الأخيرة اضطرابات متكررة حول المضيق، ساهمَت في تعقيد أزمات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتأخر وصول البضائع إلى مبتغاها.

واليوم، يشهد العالم عملية إعادة ترسيم جغرافية واسعة النطاق، تهدف إلى تفادي نقاط الاختناق وإيجاد مسارات بديلة لتصدير النفط، عن طريق مَدِّ خطوط أنابيب عبر مفازات برية. وقد تشهد السنوات القادمة سباقًا على إنشاء الموانئ، ومَدِّ خطوط الأنابيب والسكك الحديدية، وتنافسًا جيوسياسيًّا على تأسيس مسارات تجارية بديلة وامتلاك أصول ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة. فالنزاعات الجيوسياسية لا تتركز على الهيمنة على الأرض وحدها، بل تمتد إلى الموانئ والمضايق وخطوط الأنابيب والكهرباء والإنترنت ومصادر أشباه الموصلات والمعادن النادرة.

قد يستغرب البعض الحديث عن الجغرافيا في زمن ما بعد العولمة والثورة الرقمية، إلا أن النزاعات الأخيرة كشفت بوضوح عن أن التكنولوجيا، مهما غيَّرت من شكل الاقتصاد وأدواته، فإنها لا تستطيع التقليل من أهمية المسارات المادية لحركة التجارة العالمية، التي تُشكِّل المضايق والموانئ والمناجم أهم نقاطها وأكثرها حساسية. بل ربما أضافت الثورة الرقمية مواقع أخرى ذات أهمية استراتيجية، مثل مصانع أشباه الموصلات، ومناجم المعادن الحيوية، وكابلات الإنترنت في قيعان البحار والمحيطات. وفي اقتصاد عالمي يقوم على التدفق المستمر، لا تقتصر الثروة على ما تُنتِجه الدول، بل تمتد إلى الطرُق التي تنتقل عبرها المنتجات. لذلك، فلن يكون الصراع في المستقبل مدفوعًا بالرغبة في الاستحواذ على الأرض، وإنما بالسعي إلى امتلاك القدرة على التحكم في الطريق. فالجغرافيا لا تزال ترسم خريطة الصراع فوق أطلس العالم، وتضع موازين القوة وفقًا لحساباتها التي لم تُغيِّرها تقلبات الزمن.

أحمد القرملاوي مهندس وروائي ومترجم مصري، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتمويل. شارك في تأسيس دار ديوان للنشر وإطلاق بودكاست عن الاقتصاد الإبداعي والصناعات الإبداعية.