قلّما يحضر الاقتصاد في حديثنا العُماني عن الثقافة. ويغلب على هذا الحديث أسئلة الهوية والذاكرة والتاريخ، وكان ذلك مفهوما في بلد شديد الصلة بتاريخه رافق انتقاله السريع إلى التحديث قلق من أن يفقد شيئا من ذاكرته في الطريق. لكن بعد أكثر من نصف قرن على بناء المؤسسات الحديثة صار من الضروري أن نسأل كيف تتحول الثقافة إلى نشاط ينتج الدخل ويفتح أعمالًا جديدة تستطيع الاستمرار خارج مواسم الفعاليات.
خلال سنوات عملي في الصحافة الثقافية وقفت على كتب عُمانية تحمل أفكارا جديرة بنقاش واسع، لكن حضورها لم يتجاوز في أحيان كثيرة أيام معرض الكتاب. ورأيت أعمالا مسرحية ينتهي الاحتفاء بها بانتهاء المهرجان الذي عُرضت فيه، فلا تنتقل بعد ذلك إلى الولايات والمحافظات والجامعات كما يحدث في تجارب مسرحية كثيرة حول العالم. وفي سوق الحرف، ظل الصانع الماهر الطرف الأضعف أمام التاجر الذي يملك منفذ البيع والوصول إلى المستهلك. ويظهر جانب آخر من المسألة في اللبان والورد العُماني؛ إذ ترتفع قيمتهما كلما تقدما في سلسلة التصنيع والتعبئة والتسويق. ومن هذه الوقائع يأتي سؤال المقال: ما القيمة التي تستطيع الثقافة العُمانية إضافتها إلى الاقتصاد، وكم يبقى من عائدها داخل عُمان؟
تملك عُمان رصيدا ثقافيا واسعا يبدأ من القلاع والحصون والأفلاج والحارات القديمة، ويمتد إلى المخطوطات والتاريخ البحري الذي وصل البلاد بسواحل آسيا وأفريقيا. وفيها عمارة تشكلت وفق المناخ ومواد البيئة المحلية، وفنون موسيقية تطورت عبر تفاعل المجتمع العُماني مع طرق التجارة والهجرة، إلى جانب لغات ولهجات وحكايات تحفظ طبقات مختلفة من التجربة الإنسانية. وقد أنفقت الدولة خلال العقود الماضية على ترميم المواقع التاريخية وبناء المتاحف وجمع المخطوطات وتسجيل عناصر التراث وإقامة المهرجانات. حفظ هذا الجهد أجزاء مهمة من الذاكرة العُمانية، وهيأ البنية التي يمكن أن يقوم حولها اقتصاد ثقافي. غير أن حفظ الأصل الثقافي لا يكفي وحده لتوليد العائد؛ فالاقتصاد يحتاج إلى إنتاج وتسويق وتوزيع وحركة مستمرة حول ذلك الأصل.
دخلت هذه المسألة خلال الأعوام الأخيرة إلى صلب السياسة العامة، فقد جعلت الاستراتيجية الثقافية 2021–2040 الصناعات الثقافية والإبداعية واحدًا من محاورها، وربطت بين الإنتاج الثقافي والاستثمار والاستدامة. ثم جاءت «خارطة الصناعات الثقافية والإبداعية» التي أُطلقت نتائجها في 2024 بعد عامين من البحث، محاولة أولى لتعريف المجال ورصد العاملين فيه. وحللت الخارطة نحو 483 نشاطا تجاريا و1020 مهنة إبداعية و411 سلعة وخدمة، وهي أرقام تصف نطاق البحث والتصنيف أكثر مما تقدم، حتى الآن، حجم مساهمة نهائية في الناتج المحلي.
وهذا تمييز ضروري؛ فالحديث عن الاقتصاد الإبداعي يغري بتجميع قطاعات متباعدة، من الإعلان والعمارة إلى البرمجيات والسياحة، ثم الخروج برقم كبير يوحي بوجود صناعة ناضجة. وما تحتاج إليه عُمان اليوم هو معرفة عدد الشركات الثقافية التي تعمل فعلا وتملك قدرة على الاستمرار، وعدد الوظائف التي توفرها، ومتوسط دخول العاملين فيها، وحجم ما ينفقه العُمانيون على الكتاب والمسرح والموسيقى والمتاحف. ومن شأن هذه المعرفة أن تقدم تصورًا أدق عن الدخل الذي يولده القطاع والنسبة التي تبقى منه داخل الاقتصاد المحلي.
وطبيعة هذا القطاع تجعل قياسه وتمويله أصعب من قطاعات أخرى؛ فالطلب على كتاب أو فيلم أو عمل موسيقي لا يمكن توقعه بدقة، والأصل الذي تقوم عليه الشركة قد يكون فكرة أو لحنا، وهي أصول لا يقبلها البنك عادة ضمانا للقرض. وفي الفنون الحية، لا تؤدي التقنية دائما إلى خفض التكلفة، فالمسرحية لا تزال تحتاج إلى ممثلين ووقت للتدريب وقاعة، كما كانت تحتاج قبل عقود. لهذا تتداخل في الاقتصاد الثقافي المنحة العامة والاستثمار التجاري والعمل الأهلي، ويؤدي إخضاعها جميعا لمعيار الربح السريع إلى إفقارها.
وعلى المستوى الدولي، يغلب على مؤسسات هذا الاقتصاد الحجم الصغير والعمل المستقل. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تشكل 99 في المائة من منشآت القطاعات الثقافية والإبداعية في نطاق بياناتها. لذلك يصعب بناء الاقتصاد الثقافي العُماني بأدوات صممت للمصانع والمشروعات العقارية الكبيرة، فالقرض المصرفي التقليدي قد يتحول إلى عبء كبير على الناشر أو شركة الإنتاج الناشئة، وقد تنقذ المنحة عملا ذا قيمة عامة لكن أثرها ينتهي بانتهاء المشروع إذا لم تقترن بمسار يساعد المؤسسة على الاستمرار.
غير أن التمويل وحده لن يصنع السوق. المشكلة التي نلمسها في الثقافة العُمانية تتصل أيضا بالطلب. تمتلئ بعض الفعاليات حين تكون مجانية ثم يصعب على المسرح أو الفرقة أو دار النشر أن تعرف حجم الجمهور المستعد للدفع. ويمكن للدولة أن تؤثر في هذا الجانب من موقعها كمشتر كبير للمكتبات المدرسية وللجامعات والمتاحف والمباني العامة، والشركات الحكومية. حين تشتري هذه المؤسسات الكتاب والتصميم والموسيقى والأعمال الفنية بعقود معلنة ومعايير مهنية، فإنها تمنح المنتج الثقافي سوقا أولى وتترك للمبدع فرصة الوصول إلى سوق أوسع، أما حين ينحصر الإنفاق في تنظيم المناسبة، ينتهي أثره بانطفاء أضوائها.
ويستطيع قطاع السياحة والضيافة أن يكون سوقا أخرى، بشرط ألا نحسب كل ريال ينفقه السائح ضمن عوائد الثقافة. الأهم هو الجزء الذي يصل إلى المنتج الثقافي نفسه. الفندق الذي يكلف مصمما عُمانيا بصوغ هويته البصرية، ويشتري أعمالًا فنية أصلية، ويعرض منتجات حرفية موثقة المصدر، يصنع طلبا دائما يتجاوز بيع التذكار العابر. كما أن إدارة المواقع التاريخية تستطيع ربط الزيارة بخدمات يقدمها أهل المكان، بحيث يتوزع العائد بين الدليل والمقهى والورشة والمنتج، عوض أن يظل الموقع محطة جميلة لا تترك أثرا اقتصاديا واضحا في محيطها.
وتظهر هنا مشكلة الوسطاء الثقافيين. فخبرة بيع حقوق الترجمة، وتحويل الروايات إلى أعمال سينمائية أو تلفزيونية، وتسويق العروض المسرحية والموسيقية، لا تزال محدودة. وهذه وظائف مستقلة تحتاج إلى ناشرين ووكلاء ومنتجين ومديري أعمال، حتى يتفرغ المبدع لعمله ولا يجد نفسه مطالبا بأن يكون محاسبا ومسوقا ومحاميا ومدير منصة في وقت واحد.
الملكية الفكرية هي مركز هذا الاقتصاد لأنها تحول العمل الثقافي إلى أصل يمكن أن يولد دخلا متكررا، فالقصة واللحن والشخصية والتصميم تستطيع الانتقال بين كتاب وفيلم ومعرض ومنتج سياحي، وتوليد دخل جديد في كل انتقال. لكن ذلك يتطلب عقودا واضحة وتسجيلًا سهلًا للحقوق، وقدرة على الترخيص والتحصيل، ووعيا لدى المبدع بقيمة ما يملك. وإذا تنازل الفنان عن عمله لقاء أجر محدود ثم جرى استخدامه سنوات في الإعلان والضيافة والمنصات تكون الثقافة قد أنتجت اقتصادا بالفعل، لكن عائده ذهب إلى الطرف الأقوى في العقد.
لن يناسب عُمان سباق الحجم الذي نراه في بعض الأسواق. السوق المحلية محدودة وكلفة المشروعات الثقافية الكبرى مرتفعة والمنافسة على جذب الأسماء العالمية مفتوحة لمن يملك ميزانيات أضخم. الفرصة العُمانية تتحقق بالتركيز على إنتاج محدود الكمية مرتفع القيمة شديد الصلة بالمكان وقادر على مخاطبة أسواق خارجية. ويتطلب ذلك أن تصبح المحافظات وحدات إنتاج ثقافي لا ساحات تستقبل فعاليات قادمة من مسقط. تملك نزوى وبهلا وصور وصلالة ومسندم مواد ثقافية مختلفة ويمكن لكل مكان أن يبني حولها ورشا وشركات ومسارات تعليمية ومتاجر ومنصات عرض. والقيمة الحقيقية تظهر حين يستطيع شاب أو شابة أن يعيشا من عمل ثقافي في محافظتهما وحين يبقى جانب معتبر من إنفاق الزائر لدى المجتمع الذي حفظ المكان والحرفة والحكاية.
وتبقى لهذه العملية حدود ينبغي الانتباه إليها، فالثقافة تحمل معاني دينية واجتماعية وذاكرة مشتركة لا تخضع كلها للبيع. وقد يؤدي البحث المتعجل عن العائد إلى تشويهها أو إفراغ بعضها من معناه. وهذا يحيلنا إلى أهمية وضع قواعد لما يقبل الاستثمار ولما يبقى ملكا عاما، ولحقوق المجتمعات التي تحمل التراث وتحرسه.
قطعت عُمان الخطوة الأولى حين وضعت الصناعات الثقافية ضمن استراتيجيتها ورسمت خارطتها. أما الخطوة التالية فتبدأ حين نعرف أين تتولد القيمة وأين تتوقف ومن يحصل عليها، وحين يصبح دخل الحرفي وعائد حقوق الكاتب مؤشرات تقاس إلى جانب أعداد الزوار والفعاليات، سنعرف أن الثقافة دخلت الاقتصاد من أبوابه الحقيقية، وأن عُمان بدأت تحتفظ بجزء أكبر من القيمة التي تصنعها حكايتها.
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان