أخذت العديد من الدول، كالصين وغيرها، تلجأ إلى حلول التخطيط المستدام المبنية على الطبيعة Nature-based Solutions لتقليل درجات الحرارة، فبدأت بزراعة الأحزمة النباتية المحيطة.

فقد أظهرت دراسات حديثة شملت 30 مدينة صينية أن تطويق المدن بأحزمة ريفية نباتية كثيفة يساعد بشكل مباشر في تبريد الحرارة القادمة للمناطق الحضرية.

إلى جانب أنها بدأت بمشاريع «مدن الحدائق» Cool Cities، فقد أطلقت مدن مثل نانجينغ، ووهان، وهايكو ممرات خضراء حضرية وزراعة مكثفة للأشجار لإيجاد مساحات تظليل حراري طبيعية تخفض من امتصاص الإسفلت والمباني للحرارة.

زمن اللاهوب والساهوب يطول عندنا، وخاصة في العاصمة مسقط، وتبدأ المعاناة مع أواسط شهر أبريل، لتشتد وتشتد مع الأيام، ولا يبدو أنها تنخفض كثيرا مع شهري سبتمبر وأكتوبر. حوالي ستة أشهر نعاني حرارة شديدة من لاهوب وساهوب، و«ساونا» حار جاف مرة ورطب مرات، وهكذا دواليك.

أظن أننا صرنا بحاجة إلى زراعة الأحزمة النباتية ومدن الحدائق كي نخفف وطأة الحرارة الشديدة. وتكثر الدراسات التي تذكر الانخفاض الملموس في درجات الحرارة مع كثافة التشجير في المدن. ويرجع هذا الانخفاض بشكل أساسي إلى ظاهرتين، وهما التظليل المباشر، وعملية النتح والتبخير التي تطلق فيها الأشجار الرطوبة في الهواء لامتصاص الحرارة. وعندما تُزرع حول المدن كأحزمة كثيفة فإنها تصد الريح الساخنة عن دخول المدينة أو المنطقة.

ولأننا بحاجة إلى قراءة بيئتنا قبل أن نبدأ هذا النوع من التشجير؛ فإن شجرة الغاف كشجرة؛ تعد بنت البيئة العمانية بامتياز وتنال قصب السبق. فلا هي بحاجة إلى سقي مستمر، ولا هي بحاجة إلى عناية كبيرة، ولا هي بحاجة إلى عمليات كثيرة لجعلها تكبر وتفرش ظلها الظليل. فهي شجرة التكيف البيئي والفيزيولوجي في بيئتنا العمانية. إنها سفيرة الجفاف؛ لأنها تمتلك جذورا وتدية جبارة تخترق أعماق الأرض لتصل إلى المياه الجوفية على عمق يتجاوز 30 مترا، مما يجعلها تستغني عن المياه لفترات طويلة جدا.

وتتحمّل الملوحة والحرارة، فتظل خضراء نضرة حتى في قلب الصيف اللاهب وتحت هبوب الرياح الحارة (الساهوب)، وتتحمل درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية. وتعمل على مكافحة التصحر، فتعمل أوراقها الصغيرة والمتساقطة على تخصيب التربة النيتروجينية، وتُثبّت الكثبان الرملية من الزحف إلى المدن. ويمكن تسويق قرونها تجاريا كغذاء صحي للثروة الحيوانية.

أتمنى من هيئة البيئة العمل على نشر زراعة هذه الشجرة عبر نشاطها في المجال البيئي، ومن خلال المعسكرات الطلابية المدرسية والجامعية، والحملات التطوعية من الشباب والشابات، والجمعيات المختلفة النسائية والتخصصية المعنية، والفرق التطوعية والأندية الرياضية، للعمل معا ضمن حملة تطلقها هيئة البيئة لمدة عام أو أكثر للتشجير بالغاف بكثافة، وتبدأ تجربتها الأولى في العاصمة مسقط.