(1)

ما من عُرْفٍ حميد، أو عادة طيِّبة، أو تقليدٍ نبيل، إلا وكانت الجذور والأسباب غير ذلك تماماً.

(2)

بمقدار ما يتخلص العالم من الوعثاء والصدأ، يصير الحب أكثر أنواع الزَّجاج المصقول سرعة وقدرة على القتل المقصود وغير العمد.

(3)

الوفاء شناعة مؤجلة (تكون أو لا تكون، وغالبا ما تكون).

(4)

تفتَّتوا في الخبز العاهر، ونظام المكوس، وأصول المقايضات، وتوزيع الغنائم والمسروقات.

(5)

أتلفَّتُ، وأنقضُّ، وأنتفض، وأنظر إلى الأمام. وأشك كثيراً في أني واقف ولست واقفاً في مكاني.

(6)

الأضواء تحت المدينة زرقاء أكثر وأنا أتمدد في غيِّك تابوتاً أخيراً.

(7)

لا يتقمَّص أي شيء، بل يتناسل. ولا يعود إلى المحراب، ولا إلى أمِّه، ولا أبيه، ولا صاحبته التي لا تغنيه، ولا المزرعة، والحوقلة، والبسملة، بل ليتأكد من الرعب الذي أشاعه في خفقات الأرض.

(8)

قطعاً، الشَّماتة ليست واجباً، لكن التفريط فيها تنازلٌ مثل التنازل عن باقي الحقوق؛ كحقّك في ذاكرتك، ومثل حقِّك في أمِّك وأبيك، وألا يكون لك والد أو والدة.

«وحيد

ليس لي أم ولا ولد

صلّوا معي

لكنهم

في ركعة النيران

لا أحد»

(قاسم حدَّاد).

(9)

بيني وبينك غشاءٌ باكر، وفجرٌ بِكر، وصدع حاسر.

(10)

أذهبُ إليكِ بعد عطل الرَّجاء: لا ليل، ولا نهار، ولا غيوم، ولا سحابة تهتم بذلك البحر.

(11)

أعمق وأوجع الحنين هو ذلك الذي لا تتعرف إليه الإشارات.

يا الله! يحدث ذلك في زمن الإشارات والعلامات بامتياز (مات رولان بارت، وهو مُنَظِّر الإشارات العتيد، مدهوسا بشاحنة صغيرة لأنه لم يميِّز أن إشارة عبور المشاة كانت حمراء).

(12)

أحدهم فقد الشيء لأنه أعطاه. وأحدهم فقد الشيء لأنه لم يرد أن يعطيه. وأحدهم ينتظر الأجر نيابة عن أحدهم.

وهذا ليس كل شيء.

(13)

ما أصعب ألا تمثِّل أحداً، أو جماعة، أو فكرة، وأن تكون وحدك (فقط) وتمثِّل نفسك (فقط، لا غير).

(14)

الصُّورة الفوتوغرافيَّة القديمة بالأبيض والأسود تحنُّ إلى نفسها وليس لديها أي حنان لك، أو فقدٌ للذين فيها، أو لمن التقطها.

من الآن فصاعدا، لا تدع صور الأبيض والأسود تلتقط شيئا.

(15)

الناجي الوحيد من رُكَّاب سفينة غارقة غراب.

(16)

هل هناك أحد غيري موقِنٌ بأن الجريمة الكاملة ممكنة بالكامل، ولأكثر من مرَّة، شريطة أن تكون مقترَفة ضد المرء نفسه؟

(17)

في الحب، الانتظار صفة بلا اسم.

(18)

أعلى الهاوية مُطِلٌّ على غبار الغروب.

(19)

الوطن حالة لغويَّة. والقلوب، والمنافي، والمقابر الجماعيَّة، من طرائد المعاجم والقواميس.

(20)

الفقدُ قِمَّةُ فيزياء جديدة في كل مرَّة (لمن يَكِدُّ بعيداً عن العزاء والكيمياء).

(21)

لن يتمكنوا من الموت بعد اليوم (على الرغم من أنه واضح جداً أنهم فعلوا ذلك كثيراً جداً بالأمس).

(22)

بلادٌ كاسدةٌ في صُحُفٍ لم يقلها أحد لأحد.

(23)

القلب، الطّحال، المريء، الهمسات غير العادلة التي لا تسكت.

(24)

خسارتنا له يمكن تعويضها. وهي، في أية حال، ليست جليلة، ولا مهيبة، ولا فقديَّة، ولن تكون غائرة في الروح، والتاريخ، والأخلاق. لكن خسارته لنفسه واسمه فادحة. وفي هذا، قد تكون مأساته الصغيرة محاولته الغيض والفيض من أمجاد الكؤوس المليئة بالنَّبيذ الفاخر والدم الفاسد، ومعاقرة الهِبات، والعطايا، والصَّديد النَّتن وأهله.

هكذا صارت موهبته الشِّعرية الفائقة ممارسة واطئة في الأكاذيب والمآدب الفاخرة والفاجرة في الليل الذي يُنسي البعض كل شيء، لكنه لا يجعل آخرين ينسون شيئاً أو يغفرون للمتردِّية والنَّطيحة.

مأساته، إذاً، مطابقة لمأساة فاوست (في نسخة غوته التي أكدت أكثر من النُّسخ الخمس الأخرى في تاريخ النَّص على الصَّفقة المُبرَمة مع الشَّيطان) بالضبط. وكان يمكن لمأساته أن تكون «غوتيَّة» معاصرة فحسب، لولا أنه استمرأ الكذب على حساب الجثث.

لقد عقد صفقته، منذ بداياته المبكِّرة والواعدة كثيراً (للمفارقة)، مع الشيَّطان، وذلك في مقامرة تدرجيَّة مؤسفة ورهان على الذين في الواجهة. وراح، للأسف، هزيلاً وبائساً بعد أن أدمنته الأكاذيب، وبعد أن أطلق مفرقعات بائسة، وقام ببهلوانيَّات شائنة. لكنه، في الحقيقة، كان يزهق روحه بيديه وصنيع الليالي المشبوهة، وكان يعرف ذلك جيداً، ويدرك مغبَّات التَّواطؤ، فقد اختار ما اختار بكامل وعيٍ ما حذَّر منه أبو تمام:

«إذا لم تخش عاقبة الليالي

ولم تستحِي فافعل ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء».

لو كان قد استشارني قبل أن يرقص في مجالسهم لكنتُ قد اقترحت عليه القبض على الجمر، والعضّ بالنَّواجذ دفاعاً عن الاسم والروح؛ لأن لا شاعر بلا اسم ولا روح. ولأن الشُّعراء كثيرون لكن لا يبقى منهم سوى قِلَّة فحسب، ولأن للمرء - شاعراً كان، أو ناثراً، أو كذَّاباً أصيلاً، أو دجَّالاً هاوياً، أو غير ذلك - روح واحدة فقط، ولأن فاوست كان ولا يزال الخاسر الأكبر في الصَّفقة، فقد حدث كل ذلك الشَّأن المؤسف كثيراً.

وكانوا قد أطلقوا العنان لمقولة إن طبيعة المواقف والممارسات الأخلاقيَّة، والإنسانيَّة، والسياسيَّة للشَّاعر لا تهم على الإطلاق، بل إن ما ينبغي أن يعني هو النَّص، ولا شيء غير النَّص، والنَّص وحده لا شريك له.

حسن جداً، لقد جاءهم -فيما جاءهم- الذكاء الاصطناعي، وإعلانات الذين نصبوا المدائح عن الفضائح. أما الموت فإنه يأخذ الجميع بمن فيهم، بل وعلى رأسهم الشُّعراء الذين لا يحترمون الشِّعر، ولا الموت، ولا الذَّكاء الاصطناعي، ولا الطَّبيعي، والأسوأ من كل ذلك انهم لا يحترمون ذاكرة الأنقاض والمقابر الجماعيَّة.

(25)

دوماً، الخسارة تجنُّبٌ لما هو أسوأ منها بكثير.

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني