خلال السنوات الفائتة باتت الدول أكثر قدرة على التنبؤ ودمج معطيات التقنية لتسريع آليات العمل العام، وتسخير القدرات الآلية في سياق تحسين مستويات الإنتاجية والإنجاز، وعلمتها التجارب التاريخية التي مرت بها دروسًا في تعاملها مع مختلف متغيرات الواقع، والاستعداد الجيد لاحتمالات المستقبل، فكونت منظومات متفاوتة القدرة في استدراك المستقبل وتوقعه والتخطيط له. وصاحب ذلك حديث موسع يمتد إلى الحاضر الاجتماعي؛ فغدت مسألة الحديث عن وظائف المستقبل ومهارات المستقبل جزءا لا يتجزأ من معايير المجتمع في تخطيط حياته وخياراته ومساراته.
إذن هناك ثقافة للمستقبل تمتد في الأسر عند مساعدة الأبناء في اختيار مساراتهم الدراسية، ولدى الأفراد في اختيار مساراتهم الوظيفية، ولدى رواد الأعمال في تخير نماذجهم التجارية ومنتجاتهم، بل تمتد حتى لدى البعض في التخطيط الأسري؛ هي ثقافة ضمنية، لم توجه بالضرورة، لكنها نشأت من امتداد التجربة، والمعاينة، ومن الخطاب العام الذي سال في المجتمعات.
لا يمر بنا وقت إلا ويسأل أحدهم وهو يخطط خيارات ابنه التعليمية: «هل هذا التخصص له مستقبل؟»، ولا يستشيرك شخص بوده تأسيس مشروعه التجاري إلا يطرح سؤالا: «إلى متى ستظل هذه الخدمة أو المنتج مطلوبا للمستقبل؟». هذا النسق من التفكير المستقبلي ضروري ومهم للمجتمعات، كأهميته الكبيرة للدول؛ فهو يُعين للتخطيط السليم، واستدراك وتحييد الأثر الأكبر من المخاطر، وتقليل مدى الغموض في الخيارات المستقبلية التي يتبناها الفرد في حياته، كما يعين على فهم الفرص الحقيقية، ليس فقط على مستوى القرارات الكبرى (الدراسة، والعمل، والتجارة، وتأسيس العلاقات..)، وإنما في مختلف جوانب الحياة ويمتد نحو القرارات الصغيرة التي نشعر لوهلة أنها غير فارقة في لحظتها ولا أثر مستقبلي لها.
لكن على الجانب المقابل، يجب ألا يكون التفكير في المستقبل في ذاته حاجبًا عن الحاضر؛ فالمستقبل الذي ننظر إليه بعيدًا ما هو إلا محصلة تراكمية من أفعال، وقرارات، وتصرفات الحاضر، وبقدر تدبير الحاضر، وفهم الفرص والفجوات فيه؛ يستطيع الفرد والمجتمع والدولة بناء خطوات سليمة الاتجاه، واثقة النهج نحو ذلك المستقبل المنشود.
تفشل منظومات استشراف المستقبل حين يهيمن النظر إلى الإشارات البعيدة ومد البصر إليها دون تتبع الوقائع القريبة. فهناك تحولات منظورة في سوق العمل والإنتاجية والاستثمار والمجتمع تحدث الآن وقد لا تكون وجدت طريقها للفهم والتحليل والاستقراء بعد. وتفشل منظومات استشراف المستقبل حين تصبح الأبعاد الزمنية هي المعيار للقياس والتقصي والفهم؛ فنبحث عن المدى الزمني الأبعد، ونحاول استيعابه وتصوره وتأطيره والسير نحوه، دون محاولة لفهم وتحليل الخطوات التي تمتد من الحاضر لتوصلنا إليه.
وتفشل منظومات الاستشراف كذلك حين تهمل الفجوات التي تنشأ في الحاضر، وتسعى لبناء قدرات المستقبل، وتلبية احتياجاته، دون تأسيس العتبة الأولى في السلم من الأسفل للمستقبل الذي ننشده.
عكفت خلال الأيام الفائتة في قراءة مجموعة من التقارير المرتبطة بموضوع مستقبل المهارات والوظائف، وقادني البحث إلى محاولة فهم الفجوات في القطاعات القائمة حاليًا، على سبيل المثال تتوقع شركة بوينج حاجة الطيران التجاري العالمي إلى 674 ألف طيار جديد عالميًا خلال 2026-2045، أي متوسط يقارب 34 ألف طيار سنويًا. وهو ما يعني فجوات قائمة ومتوقعة في قطاع يعتبر في الذهنية الاستراتيجية (قطاعا تقليديا)، فيما تشير تقديرات اليونسكو إلى نشوء حاجة إلى نحو 44 مليون معلم إضافي عالميًا للتعليم الابتدائي والثانوي بحلول 2030، وفي جانب آخر تشير تقارير أخرى أصدرها الاتحاد الدولي للنقل الطرقي إلى حاجة العالم اليوم إلى 3.6 مليون وظيفة سائق شاحنة شاغرة في 36 دولة تمثل 70% من الناتج العالمي. وهذه التوقعات نفسها بخصوص الفجوات تتواتر بين الحين والآخر تقارير عنها في قطاعات الرعاية الصحية وخاصة (التمريض)، وفي قطاعات الطاقة التقليدية، واللوجستيات وغيرها من بعض المهن والقطاعات التي تصنف كونها (تقليدية) وليست بالضرورة قطاعات للمستقبل.
على جانب المهارات والقدرات تشير الدراسات إلى أنه بين عامي 2018 و2022 انخفض متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنحو 15 نقطة في الرياضيات و10 نقاط في القراءة؛ وهو ما يعادل بحسب تحليل المنظمة ثلاثة أرباع سنة دراسية في الرياضيات ونصف سنة في القراءة. وظهرت تقارير في السنوات الأخيرة تحذر من هذه الفجوات وخطورتها حتى مع وجود الذكاء الاصطناعي وقدرات البرمجة عبر الآلة، وإمكانية الاستعاضة عن مثل هذه المهارات والقدرات بالوكيل الآلي، إلا أن تأثير غيابها يمتد إلى القدرة على التفكير، والمنطق، وتدبير المسائل التحليلية التي تحتاج قدرًا من وضوح المنطق.
ما أخشاه أن سيادة التفكير والتقدير والتدبير المستقبلي يسحب المجتمع الاستراتيجي والمجتمع العام إلى عدم النظر للفجوات والفرص الحاضرة، وإلى الحاجيات التي تتطلب البناء اليوم للرهان عليها مستقبلًا، وإلى القدرات التي أصبحت تتلاشى ويمتحي أثرها ووجودها نظرًا لاستبعادها من خريطة التفكير المستقبلي.
ستظل المجتمعات في الأفق المتوسط تحتاج إلى المعلم وإلى المهندس وإلى الطيار وإلى الطبيب والممرض وحتى ربما المحاسب وغيرها من الوظائف التي أصبحت توصف في خانة التقليدية، كما سيظل الأفراد يحتاجون للمهارات الحسابية وإلى التفكير النقدي وإلى المعرفة بالفلسفة وأسس العلوم الحديثة، ومنطق برمجة الآلة حتى لو اعتقدنا بأن الوكلاء الآليين سيقومون بالضرورة بهذه الأعمال وسيغنون عن البشر وقدراتهم تمامًا في المدى المتوسط إلى المدى البعيد.
ومن هنا، فإن خيارات المستقبل - وخاصة على مستوى المجتمع - يستوجب أن تنظر كذلك في الفجوات والفرص، وترى البناء والتدرج، وتؤمن بقيمة العمل البشري مثلما تؤمن بقدرة الآلة على الأتمتة وصناعة التقدم.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان