كانت سبعة أشهر قد انقضت على غيبوبة بدر عندما وقعت عيني لأول مرة على تلك العبارة الفاتنة في حوار لجريدة عُمان أجراه حسن عبد الموجود مع الشاعر محمد الشحي. طفقت أتأمل بلاغة العبارة: «الحياة المستعارة كالعدم». ذكرها الشحي في سياق أن لدينا في تراثنا العربي والإسلامي أشكالًا تعبيرية لا تقلّ أهمية عن قصيدة النثر ذات المنشأ الغربي، إن لم تكن تتفوق عليها، وأن ثمة شذرات تنطوي على كثافة أسلوبية وحمولة معرفية وجمالية لا يمكن أن يمر بها القارئ دون أن يتوقف ليتأملها ويتذوقها. بعد عدة أيام سألتُه عن هذه العبارة وجهًا لوجه فأوضح أنها قاعدة فقهية لدى المالكية، لها تمثلات الآن في بعض الأحكام الطبية، مثلا أنه يجوز نزع الأجهزة عمّن هو متوفى سريريًّا لأن حياته صارت حياة مستعارة، وينبغي الاستفادة من الطاقم الطبي والأجهزة لإنقاذ حياة أخرى حقيقية.

وبينما هو يواصل إجابته سرحتُ في بدر الذي طلب المستشفى الحكومي من أهله إخراجه بعد أشهر من بقائه فيه، بحجة أنه لم يعد لدى الطب ما يمكن أن يقدمه له، فكان أن نقلوه إلى مستشفى خاص. حين زرتُه آخر مرة بصحبة أخي محمود، كانت عيناه مفتوحتين، لكن بدا لي أنه غير مدرك لما حوله، وبين الفينة والأخرى كان يشهق شهقة قوية فاغرًا فاه.

بعد حواري مع الشحي رحتُ أبحث عن أصل العبارة. وجدتُ أن أول من كتبها بهذه الصيغة هو الفقيه المالكي أبو عبد الله محمد بن محمد المقّري، المتوفى سنة 758هـ، في كتابه «القواعد»، ونصها: «الحياة المستعارة كالعدم على الأصح»، في حين اكتفى الفقيه المالكي الآخر أحمد الونشريسي، المتوفى سنة 914هـ، بإيرادها في كتابه «إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك» في صورة سؤال: «الحياة المستعارة هل هي كالعدم أم لا؟».

ولستُ هنا في وارد الإجابة عن سؤال الونشريسي، أو الخوض في نقاش فقهي، وإنما يعنيني أن عبارة جميلة كهذه، ورغم أنها نشأت في حقل معرفي بعيد تمامًا عن الأدب والفلسفة، إلا أنها إذا ما انتُزعت من ذلك الحقل تحولت إلى جملة وجودية مدهشة: «الحياة المستعارة كالعدم»، أي: الحياة التي لا تكون حياتك أنت، ولا تنبع من ذاتك، هي حياة فاقدة المعنى، وكأنها لا شيء. كأنها عدم.

في قراءاتي الأدبية المتواضعة لم ترتطم عيناي يومًا بـ«حياة مستعارة» و«عدم» في عبارة واحدة. ذلك أنه إذا ظهرت إحداهما كان ذلك إيذانًا تلقائيًّا باختفاء الأخرى، وكأنهما توم وجيري.

وأعزو ذلك إلى أنهما ضِدّان. ولأن «الضدّ يظهر حسنه الضدّ» فإن الأدباء يستنجدون أحيانًا من هجمات العدم بالحياة المستعارة. مثلًا تفتتح غادة السمّان نص «رسالة من حياة مستعارة» في كتابها «رسائل الحنين إلى الياسمين» بأمر عجيب يحدث لها كلَّ ليلة من ليالي غربتها: «أغادر جسدي، أنضوه عني كثوب عتيق. أتركه مكوّمًا في فراشي كدمية لتزوير حضوري. أمضي بعيدًا في طيران ليلي مبهم، من شاطئ نهر السين إلى شواطئ بحر لبنان» إلى أن تصل إلى سؤالها المُمِضّ: «من ينكر أن الغربة حياة مستعارة؟». وبما أن الغربة بما تتضمنه من تنقلات نقيضُها الاستقرار في المكان، فقد يوحي هذا الاستقرار بأنه هو الحياة الحقيقية. غير أن المفارقة أن غادة السمان تكاد تَعُدُّه أيضًا حياة مستعارة! تقول في كتابها الآخر «أشهد عكس الريح»: «أهرول داخل حياة مستعارة، وأعياد مستعارة، وأتساءل: هل الاستقرار حياة غير مستعارة أيضًا؟ ذلك الحضور المؤقت الهش.. أليس حياة مزورة مستعارة؟ لقد تشردت حتى الثمالة. وما زلت أتساءل: ألا يقص الاستقرار أجنحة الخيال؟».

وإذا كانت غادة السمان ترى في الغربة، بل وحتى في الاستقرار نفسه، احتمالًا لحياة مستعارة، فإن أدونيس ينقل الفكرة من تجربة الفرد إلى تجربة الثقافة كلها.

ففي كتابه «الشعرية العربية» يرى أن عصر النهضة العربية الذي يتحفظ على تسميته بهذا الاسم أسس لما وصفه بـ«تبعية مزدوجة»: «للماضي، حيث يعوّض العربي بالاستعادة والتذكر عن الممارسة الخلّاقة، وللغرب الأوروبي-الأمريكي، حيث يعوّض بالاقتباس فكريًّا وتقنيًّا عن غياب إبداعيته». ويضيف أن «الثقافة العربية السائدة تجيء في معظم جوانبها النظرية من الماضي، «..»، وتجيء في معظم جوانبها التقنية من الغرب الأوروبي-الأمريكي. في الحالين امّحاء للشخصية. في الحالين، عقلٌ مستعار وحياةٌ مستعارة».

لكن استعادة الماضي وتذكره لا يعنيان بالضرورة الغياب عن الحاضر والمستقبل. هكذا أفهم مهمة المشتغل بالتاريخ في صورتها المثلى. كان بدر حتى يوم غيبوبته في الخامس من ديسمبر 2025 مدرّس تاريخ، عمله يبدأ من استعادة الماضي وتذكره، ويساعد تلاميذه على فهم الأحداث وصولًا للاستفادة من دروسها في راهنهم ومستقبلهم. بعبارة أخرى كانت ذاكرتُه تحفظ ذاكرتَهم.

الذاكرة هنا حياة حقيقية، على النقيض من ذاكرة ليلى بطلة رواية إيمان حميدان «أغنيات للعتمة»: «طالما شعرت ليلى أن الذاكرة عبارة عن حياة مستعارة لم تعشها». ولعل المشكلة لم تكن في الذاكرة نفسها، وإنما في نوع الحياة التي نحملها فيها. ثمة ذاكرة نستعيد عبرها حياة الآخرين حتى تكاد تصير جزءًا من حياتنا، وهناك ذاكرة مثقلة بأشياء لم نعشها أصلًا، لكنها تفرض علينا حضورها كأنها تخصنا. لهذا بدت لي عبارة المقّري، بعد كل هذه القرون، أوسع من معناها الفقهي بكثير. فليست كل حياة نَصِفُها نحن بالمستعارة عدمًا بالضرورة.

قد نستعير من الماضي حياةً تساعدنا على فهم حاضرنا، وقد يبقى لنا من الذين رحلوا شيء من أصواتهم وملامحهم وحكاياتهم، فيظلون حاضرين في تفاصيل حياتنا. أما العدم الحقيقي فيبدأ حين نعيش حياة رسمها لنا غيرُنا، أو حين نفكر بعقل ليس عقلنا، أو حين نعجز عن أن نضيف إلى ما ورثناه من آبائنا وأجدادنا شيئًا من عندنا.

بعد ثمانية أشهر وثمانية عشر يوما من «الحياة المستعارة»، أعني الغيبوبة، ودّع بدر هذه الفانية قبل أسبوعين عن عمر واحد وخمسين عاما. وفي أيام عزائه راودتني فكرة غير مريحة: إذا كانت «الحياة المستعارة كالعدم»، فهل ينبغي أن نطرح من عُمْر بدر تلك الفترة التي قضاها بين الغيبوبة والرحيل؟ هل نقول، مثلًا، إنه عاش واحدًا وخمسين عامًا إلا ثمانية أشهر وثمانية عشر يومًا؟ لا أعرف. كل ما أعرفه أن موته أعادني إلى العبارة التي بدأ منها هذا المقال: «الحياة المستعارة كالعدم». لكنني واثق في النهاية أن الموت لا ينجح في أن يسلب منا الميت كاملًا. لا بد أن يبقى منه شيء هنا وآخر هناك: مثلا حكاية نرويها عنه، أو عبارة نسمعها بصوته، أو موقف يظل عالقًا في الذاكرة. وكأنه من خلالنا يواصل الحياة!

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني