واشنطن"د. ب. أ": على مدار عقود، ظل سعي كوريا الجنوبية إلى امتلاك دورة وقود نووي مدنية متكاملة-خاصة في مجالي تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك- طُموحا طال انتظاره، لكنه بقي مقيدا بشدة بسياسات واشنطن الخاصة بمنع الانتشار النووي.
وبدا أن انفراجة كبيرة تحققت أخيرا، في أواخر عام 2025، خلال قمة ثنائية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج.
ويقول الخبير الكوري، الدكتور سانجمين شيم، وهو زميل أبحاث أول في معهد آسان للدراسات السياسية، في تحليل نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية، إن تحويل الالتزامات السياسية التاريخية الواردة في البيان المشترك لأمريكا وكوريا الجنوبية الصادر في نوفمبر 2025 إلى أُطُر عملية وملزمة قانونيا "أثبت أنه مهمة بالغة الصعوبة".
ويرى سانجمين، الذي يحمل درجتي الدكتوراه والماجستير في العلوم القانونية من جامعة ستانفورد، ودرجتي البكالوريوس والماجستير في القانون من جامعة سول الوطنية، أنه من أجل فهم كيفية تمكن كوريا الجنوبية من إحياء هذه المفاوضات المهمة، " لا بد من دراسة أسباب تعثرها، والأدوات الاستراتيجية التي يمكن لسول استخدامها لضمان استقلالها النووي على المدى الطويل.
-منع الانتشار العالمي للمواد الانشطارية-
هل كانت انفراجة 2025 بين أمريكا وكوريا الجنوبية نصر عابر؟ تاريخيا، طبقت أمريكا رقابة صارمة على التقنيات ذات الاستخدام المزدوج المرتبطة بدورة الوقود النووي، بهدف منع الانتشار العالمي للمواد الانشطارية.
وكان الاتفاق المعدل للتعاون النووي بين أمريكا وكوريا الجنوبية، المعروف باسم اتفاق "المادة 123"، لعام 2015، يحظر صراحة على سول تخصيب اليورانيوم ذي المنشأ الأمريكي بنسبة تتجاوز 20%، ولم يمنحها موافقة مسبقة لإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك.
وفي محاولة للتوصل إلى حل وسط، شرع البلدان في دراسة مشتركة لدورة الوقود استمرت عقدا، وركزت على تقنية "المعالجة الحرارية الكهربائية" (لبيروبروسيسينج)، وهي تقنية كهروكيميائية متقدمة تهدف إلى إعادة تدوير الوقود النووي المستهلك، بما يقلص بصورة كبيرة حجم النفايات النووية، من دون استخلاص البلوتونيوم النقي المستخدم في صنع الأسلحة النووية.
ورغم أن حكومتي البلدين أقرتا رسميا تقرير الدراسة المشتركة عام 2021، بما يؤكد جدوى هذه التكنولوجيا في المساعدة على إدارة المخزون الضخم لكوريا الجنوبية الذي يتجاوز 17,500 طن من الوقود النووي المستهلك، ظلت واشنطن مترددة في منح موافقة شاملة على تسويق هذه التقنية واستخدامها على نطاق تجاري.
ولكن هذا الوضع المقيد شهد تحولا واسعا في 14 نوفمبر 2025، حيث شكل صدور البيان المشترك بين البلدين أول تأييد أمريكي صريح لبرنامج كوريا الجنوبية للغواصات الهجومية التي تعمل بالطاقة النووية.
كما نصت الوثيقة صراحة على أن أمريكا "تدعم العملية التي سوف تؤدي إلى تخصيب كوريا الجنوبية لليورانيوم للأغراض المدنية وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك للاستخدامات السلمية"، رهنا بالمتطلبات القانونية الأمريكية.
ولكن بدلا من أن يمهد الإعلان الطرق أمام تعديل "اتفاق المادة 123"، كان هناك ستة شهور من التأخير، إذ لم تبدأ المشاورات الأمنية بين الجانبين، إلا في يونيو 2026.
من جهة اخرى، لماذا تعثرت محادثات تخصيب اليورانيوم بين أمريكا وكوريا الجنوبية؟، يؤكد سانجمين أن تعثر تنفيذ التفاهمات منذ نوفمبر 2025 لا يعني رفض الاتفاق، بل جاء نتيجة للاحتكاكات الاقتصادية الحادة بين البلدين، وتزاحم الأولويات العالمية، وتعقيدات المشهد الجيوسياسي.
وشهدت العلاقات بين واشنطن وسول اضطرابات محدودة انعكست، للأسف، على المحادثات الأمنية. فقد أثارت تأخيرات في تنفيذ مشروعات الاستثمارات الأجنبية المباشرة الكورية الجنوبية المرتقبة في أمريكا استياء صناع السياسة الأمريكيين.
كما أدى تحقيق أجرته سول بشأن تسريب ضخم للبيانات الشخصية يتعلق بشركة التجارة الإلكترونية الأمريكية المدرجة في البورصة "كوبانج" إلى احتكاك دبلوماسي غير مرغوب فيه في توقيت حساس.
وأيضا واجهت وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الطاقة قيودا واسعة بسبب الأزمات والالتزامات العالمية. فبعد قمة عام 2025، انشغل المسؤولون الأمريكيون الرئيسيون المعنيون بالطاقة النووية والحد من التسلح بشكل كبير بالمفاوضات النووية المرتبطة بالحرب الإيرانية، بينما ركز البيت الأبيض بشدة على قمة أمريكية-صينية حاسمة. ونتيجة لذلك، تراجعت أولوية الملف النووي لسول.
-اتفاقيات الضمانات الشاملة-
والسؤال التالي: كيف يمكن لكوريا الجنوبية استعادة الزخم؟.
ويؤكد الدكتور سانجمين أنه من أجل تجاوز هذا الجمود الدبلوماسي، يتعين على كوريا الجنوبية الانتقال من مجرد المطالبة بموافقة شاملة على برامج التخصيب وإعادة المعالجة، إلى إثبات قيمتها التي لا غنى عنها بالنسبة للنظام النووي العالمي الذي تقوده واشنطن. كما يجب عليها التمسك بقوة بالتزاماتها القانونية الدولية لضمان عدم تحويل المواد النووية إلى أغراض عسكرية.
كما يتعين على سول أن تربط، بحذر، طموحاتها في تخصيب اليورانيوم ببرنامجها الذي تمت الموافقة عليه مؤخرا للغواصات النووية، مع الحفاظ الصارم على التمييز القانوني بين الاستخدام المدني لليورانيوم المخصب واستخداماته غير المدنية.
وعلى سول أن "تؤكد أن امتلاك قدرة محلية على إنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب أمر ضروري لضمان الإمداد المستمر بالوقود النووي لمحطات الطاقة النووية المدنية... كما يمكن استخدام جزء من إنتاج كوريا الجنوبية المحلي من اليورانيوم منخفض التخصيب لتزويد غواصاتها النووية بالوقود، شريطة أن يخضع ذلك لإجراءات قانونية دولية صارمة للغاية من أجل تبديد أي مخاوف تتعلق بالانتشار النووي".
وبموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية و"اتفاقيات الضمانات الشاملة"، يجب أن تخضع جميع المواد النووية في الدول غير الحائزة للأسلحة النووية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولكن "المادة 14 من اتفاقية الضمانات الشاملة تسمح بتعليق هذه الضمانات بصورة مؤقتة حال استخدام المواد النووية في "أنشطة عسكرية غير محظورة، مثل دفع الغواصات بالطاقة النووية. ولتفعيل هذا الإجراء، "يتعين على كوريا الجنوبية التفاوض على "ترتيب" محدد مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتقديم ضمانات بأن هذا الاستخدام المحدود للمواد النووية لن يؤدي مطلقا إلى تحويلها لأغراض إنتاج الأسلحة".
-الأنشطة العسكرية غير المحظورة-
كما يرى الخبير سانجمين أنه يجب على كوريا الجنوبية أن تبرز بقوة سجلها المتميز في مجال منع الانتشار النووي مقارنة بالدول الأخرى التي تجري مفاوضات مع واشنطن. وعلى سول أن تعرض علنا تطبيق "الضمانات المرفقة بالتصميم"، الأكثر صرامة، على أي منشآت جديدة لتخصيب اليورانيوم أو إعادة المعالجة باستخدام تقنية "البيروبروسيسينج"، وأن تقدم نفسها باعتبارها نموذجا للدولة المسؤولة عن إدارة دورة الوقود النووي.
وعلاوة على ذلك، يتعين على سول أن تفصل بصورة واضحة وحاسمة بين سياساتها الصناعية في مجال الطاقة النووية وبين الدعوات السياسية الداخلية المتزايدة لتطوير أسلحة نووية. كما أن إصرار سول على "وضع تمييز قانوني واضح بين تخصيب اليورانيوم وإعادة المعالجة للأغراض المدنية وبين "الأنشطة العسكرية غير المحظورة" يمكن أن يساعد في تخفيف المخاوف الأمريكية المتعلقة بالانتشار النووي."
وتطرق الدكتور سانجمين في الجزء الأخير من تحليله إلى مستقبل التعاون النووي بين أمريكا وكوريا الجنوبية، حيث أكد أنه رغم الجمود الحالي، تستطيع سول إعادة إحياء المفاوضات المهمة مع الولايات المتحدة من خلال الاستفادة من احتياجاتها إلى وقود للغواصات العاملة بالطاقة النووية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التزام كامل بعدم تحويل المواد النووية إلى أغراض إنتاج الأسلحة، والاستناد إلى سجلها القوي في مجال منع الانتشار النووي.
وبذلك، لن تضمن سول استقلالها النووي فحسب، بل قد "تعزز أيضا الشراكة بين أمريكا وكوريا الجنوبية باعتبارها تحالفا رائدا في مجالي التكنولوجيا والأمن في القرن الحادي والعشرين".