تعود بي الذاكرة نحو أكثر من عشرين عامًا من الآن، عندما فقدت أحد أقاربي في مكان حادث سير خرج منه المتصادمين بخير، بينما أنا وأسرتي فقدنا عزيزًا علينا في لمح البصر.
كل ذلك حدث في أقل من ثوانٍ معدودة، فعندما قرر المتوفي -إلى رحمة الله تعالى- أن يتوقف عن أن يخفف من سيره وينظر إلى الاتجاه المعاكس ليستطلع أمر الحادث الذي يلتف حوله الناس.
توقف فجأة خارج الطريق، وترجل مسرعًا للوصول إلى الجهة المقابلة له، لم يكن يفكر بأنه يعبر شارعًا سريعًا، كل ما دار في ذهنه معرفة ماذا يحدث في البعيد؟.
قد يكون "الفضول البشري" أحيانًا سببًا رئيسيًا في فقدان الأرواح عندما لا ندرك خطورة الأوضاع التي نسير فيها، وقد يكون مشهد "التجمهر في مواقع الحوادث المرورية" ظاهرة متكررة نراها كثيرًا في شوارعنا، وقد يكفي أن تتوقف مركبة على جانب الطريق لأي سبب كان حتى تحدث ازدحامًا مروريًا وربما حوادث سير، فكيف إذا كان فعليًا هناك حادث كبير في المكان؟.
من بعيد تتحول أنظار الناس من الاتجاه المستقيم للنظر إلى جهة الحادث الذي وقع، ثم يبدأ الناس في الوقوف المفاجئ وتعريض حياة الآخرين إلى الخطر، بعض وقت قصير تجد المركبات تزحف على الأسفلت بهدوء ولكن بدون تركيز، الكل يسعى لاستطلاع حيثيات الحادث، ثم تبدأ مرحلة الاختناق المروري في المكان دون أي داعٍ لذلك.
وفي نظري لو أن هناك قانونًا يمنع أو يردع التوقف وتعطيل حركة المرور لما كان هناك فضول بهذا الحجم، فكثيرًا ما تحدث الحوادث بين المركبات بسبب السعي لمعرفة أشياء لا يعني جميع الناس.
"التجمهر" أصبح في نظري ظاهرة خطيرة وسلوكًا غير حميد، وربما يكون فعل "غير قانوني" كونه يؤدي إلى نتائج ونهايات حزينة، فقيدنا خرج من مركبته دون أن ينتبه إلى من يسير في الخلف، لأن كل نظره وعقله منشغل في الواقفين عند المركبات البعيدة، بدون انتباه دخل إلى حارة الشارع السريع فكان الموت أقرب إليه من هدف الوصول إلى غايته، فصدمته مركبة كانت تسير في طريقها، فخروجه أمامها كان في وقت قاتل ومسافة قريبة، لم يستطع السائق تفاديه، فكتب الله له الوفاة في الحال.
وكلما أرى مشهد التجمهر في أماكن الحوادث المرورية، أستعيد شيئًا من ذلك الحزن القديم الذي لم يمت منذ سنوات طويلة، وأرى بأن الوقت قد حان لسن تشريع مروري لا يجيز للناس التوقف لمشاهدة الحوادث المرورية، وإعاقة الحركة المرورية من أجل أن يسألوا عن المخطئ أو المتسبب، أو أي تفاصيل أخرى ليسوا بحاجة إلى معرفتها كون أن هناك جهة تقوم بأداء واجبها على أكمل وجه.
قد يقول قائل منهم بأنه هرع إلى مكان الحادث من أجل الإنقاذ والمساعدة، والحقيقة أن الأمر لم يعد بهذه البساطة، وبات من الصعب نقل المصابين في الحوادث المرورية إلى المستشفيات من خلال المركبات الخاصة، وذلك بعد أن تسببت بعض الجهود في حدوث إعاقات دائمة لدى بعض المصابين في تلك الحوادث المرورية!.
الآن هناك فرق الإسعاف منتشرة وتعمل على مدار الساعة وهي مجهزة بأطقم ذوي كفاءة عالية على التعامل مع جميع الحالات وتصل إلى أماكن الحوادث في غضون وقت قصير.
إن تفعيل الجانب الإنساني في الذات البشرية في بعض المرات لا يؤتي بنتائج إيجابية -كما يعتقد البعض-، لكنه يمكن أن يتسبب في ظهور نتائج عكسية، ونهايات مدمرة وحزينة، فكم من أشخاص تدمرت حياتهم، ولم يعد بمقدورهم السير على أقدامهم مرة أخرى بسبب أنهم نقلوا إلى المستشفيات بطريقة خاطئة.
عند التجمهر يحدث نوع من الإعاقة "المتعمدة" في حركة المرور، وبالتالي بعض السائقين يتفاجأ في الأمر، وتحدث حوادث مرورية أخرى جديدة نحن في غنى عنها، وعلى إثرها نفقد أشخاصًا جددًا لم يكن لهم ذنب فيما حدث لهم سوى أنهم تواجدوا في الوقت والزمان.
أيضًا التجمهر يحدث نوعًا من التأخير في عملية السير، فهناك من هو مريض ومنهم من لديه حالة طارئة أو موعد مهم في عمل أو غيره، كل هؤلاء يعمل التجمهر على إعاقة سيرهم واحتجاز حريتهم في الانتقال، وهذا في نظري مخالف للقوانين المرورية.
إذن نحد نأمل أن يكون هناك نظام آخر أو طريقة أخرى يمكن من خلالها التخفيف من فضول الناس وأيضًا الحد من تكرار الحوادث المرورية في نفس المكان.