استوقفتني عبارة قرأتها ذات يوم تقول "جسر الصداقة يبدأ ولا ينتهي"، وكأن هذه العلاقة الإنسانية كالنهر خالد، تفيض جداوله بين شرايين القلب، فلا الموت ينسينا إياه، ولا المواقف تقطع أثره من جذوره.


هناك أدلة كثيرة على امتداد الصداقات الحقيقية، فكم من صداقة بقيت محافظة على قوتها وصلابتها حتى بعد غياب أحد أطرافها، فهذا هو الوفاء الذي نتمناه أن يبقى ولا يزول بعد أن نغادر معترك الحياة.


كلما كانت التجارب في الحياة ساخنة، اكتشفنا أهمية "الصديق الوفي"، فمعادن البشر لا تقاس قيمتها إلا من خلال المواقف، فـ"الصديق الحقيقي ليس من صادقك ولكن من صدقك".


ومهما حاولنا أن نجمع خيوط الصداقة في مفهوم واحد، فإننا لن نستطيع الإمساك بخيط واحد، فالصداقة هي كشعاع الشمس ليس بمقدورنا جمعه أو التيقن من بقائه معنا.


الصداقة مهما انجرفنا في تعريفها فإننا لن نصل إلى اتفاق محدد، فكل منا له تعريفها لخاص، وكلما اعتقدنا بأننا وصلنا إلى بئر الماء وجدناه جافا وبدأنا في البحث عن بئر غيره.


مرحلة الوصول إلى تعريف شامل نجده من الصعوبة بمكان، فالصداقات تشيخ أحيانا قبل أوانها، وبعضها تجف أغصانها وتموت مع الزمن، ولكن هذا لا يعني أن هناك صداقات تبقى حتى الفناء، فالنهر نعرفه على أنه ماء جارف، لكننا نجهل ما يحمله في جوفه من أشياء، كذلك الناس نراهم بعين الصديق لكنهم يخفون في جوارحهم كرها لا يطاق!.


قد نتعجب أحيانا من حالة الوفاء التي تمتد ما بين الأصدقاء الذين فرقتهم المنايا، فهناك شخص يعيش يوميا على وجع الذكريات، بينما رفيقه الراحل يتوسد أديم الأرض، وهذه العلاقة يصعب وجودها إلا مع الأوفياء الذين تجمعهم الحياة ويفرقهم الموت.


الوفاء في نظري ليس مجرد كلمات تقال أو شعور عابر وينتهي مع الوقت، الصداقة الحقيقية هي ارتباط روحي خالص دون مقابل أو انتظار لمصالح، فكم من صديق فرق الموت بينه وبين صديقه، وما أكثر هذه الحالات التي نراها اليوم، لكن الوفاء يبقى راسخا في جذوره لم يمت أو يذهب نحو البعيد.


وفاء الأصدقاء والأصحاب ليس قولا -كما قلت- وإنما فعلا يتجسد في أشياء كثيرة تبقى حاضرة لا تنسى أبدا ولا تتلاشى من الوجود.
مشاهد كثيرة وأفعال أكثر تؤكد معنى وفاء الأصدقاء لبعضهم البعض، فهناك من الناس لا يزال حتى اليوم يزور قبر صديقه، ليس لأن الفراغ الذي تركه الراحل ومآثره الطيبة وروحه الجميلة تجعله يخطو خطواته نحو صمت القبور، لكن الوفاء هو الذي يسير به نحو ذلك المكان.


اعتدنا في حضرة الموت، لا نقول الخطب أو نشدو بالقصائد، أو نسقط الذكريات مع الموتى، لكن في تلك اللحظة نرى الوجه الآخر للحياة، ويصدق قول الشاعر حين قال:
نزلنا ها هنا ثم ارتحلنا
كذا الدنيا نزول وارتحالُ
يظن المرء في الدنيا خلودًا
خلود المرء في الدنيا محالُ
بعد أيام من وداع حزين، نعود إلى المكان الذي دفن فيه الصديق، نترحم عليه وندعو له، ويكفي أن نرى على شاهد قبره اسمه وقد كتب بين الأموات الذين يحيطون به، فتفيض العين بالدموع، ويتمزق القلب بالوجع والشعور بالفقد ولكن الوفاء هو الذي يصمد حتى النهاية.


الحفاظ على الأصدقاء ليس أمرا سهلا أو متاحا في كل مراحل حياتنا، أشخاص يعبرون ويتبدلون ويرحلون بدون سبب أو بسبب، وحتى نحافظ على الصداقة يجب أن نكون عند مستوى المسؤولية الإنسانية معهم، فهناك مثل صيني كثيرا ما أردده عند الأصدقاء: "إذا تشاجر صديقان من أصدقائك فلا تحكم بينهما لئلا تخسر أحدهما، وإذا تشاجر عدوان من أعدائك فاحكم بينهما لأنك ستكسب أحدهما".
الأصدقاء الأوفياء هم بحق عملات نادرة في زمن الخذلان والمصالح، فكم من صديق آذى صديقه لأنه لم يعِ أن الصداقة لا تشترى بالمال، وإنما تثبت بالمواقف والشدائد، وعندما تسقط أقنعة المدعين للصداقات، تصبح بعض المفاهيم القديمة "لفظ بلا معنى".


وهنا يصدق من قال يوما "الصديق المزيف كالظل يمشي ورائي عندما أكون في الشمس ويختفي عندما أكون في الظلام ".
نقول إن لدينا أصدقاء، لكن حبال الصداقة تنقع من أوتادها مع أول امتحان صعب لها، وكم من صديق كان سببا في فقدان الثقة بالآخرين، ولذا فإن الأصدقاء ليسوا كما نعتقد متساوين في مستوياتهم وقربهم منا، انظر إلى كف يديك ستعرف حقيقة أصدقائك وأماكنهم إلى قلبك!.