فضيلة الشيخ فيما يتعلق بالعلاقة بين عبادة الإنسان لربه وبين علاقته بالناس، لماذا دائما لا يقبل الله تعالى إلا من كانت صفحته مع الناس صفحة نظيفة؟

لأن حقوق العباد، كما يقول أهل العلم، تُبنى على المشاحة، والمقصود من ذلك على الاستئثار والمغالبة والتمسك، فكل يتمسك بالذي من حقوق مادية أو معنوية، ولا يقبل التنقص منها، يرفض الظلم والمذلة، وأن يهان أو أن يهضم شيء من حق من حقوقه، أما حقوق الله تبارك وتعالى فإنها مبنية على المسامحة؛ لأن ربنا تبارك وتعالى غفور رحيم، وهو جل وعلا إن أقبل إليه العبد تائبا منيبا مستغفرا فإنه يقبل منه توبته، ويصفح عنه، ويمحو ما تقدم منه من ذنوب وسيئات.

أما العباد فإن حقوقهم هم أولى بها، ولا يمكن أن تقوم علاقات الناس على الظلم والعدوان، وأكل الأموال والخوض في الأعراض، ولهذا شدد فيها، شدد في أمر حقوق العباد، إذ لا تبرأ صفحة المرء المكلف إلا بأداء هذه الحقوق والتحلل منها.

وإلا عمت الفوضى وساد الاضطراب، وعدا القوي على الضعيف، وأكلت الحقوق، فمن أجل ذلك فرق أهل العلم بين حقوق العباد وحقوق الله تبارك وتعالى، ومن كانت صلته بربه جل وعلا متينة وثيقة قائمة على التقوى، فإنه لا ريب سينبعث من تقواه تلك لأجل أداء الحقوق إلى أصحابها، وتصفية ساحته فيما بينه وبين العباد، يبتغي بذلك وجه الله تبارك وتعالى، ويقصد أن يفد على ربه وهو سليم الصفحة، وليس في رقبته شيء من حقوق العباد.

فمعاملته للناس وقيامه بحقوقهم هي في حقيقتها وجوهرها انعكاس لصدق صلته بالله تبارك وتعالى، ولإخلاص العبودية له جل وعلا، فهو سبحانه الذي أمره بأداء هذه الحقوق والقيام بها، وبالقسط والعدل مع الناس، وبالإحسان إليهم.

فأما أن يزعم أنه متق لله تبارك وتعالى، راجٍ لثوابه، خائف من عقابه، ولكنه مضيع لحقوق الناس، منتهك للأموال والأعراض والأنفس، لا يبالي بحدود الله تبارك وتعالى، ولا يقيم لحقوق العباد وزنا، فهذا يعني الخلل في صلته بربه تبارك وتعالى، والتفريط في تقواه لمولاه جل وعلا، ويدخل عليه من جراء ذلك، لا شك، باب من الشر كبير، فعليه أن يحسن قيامه بحقوق العباد إن أراد أن يحسن صلته بالله تبارك وتعالى، والله تعالى أعلم.

نعلم أن التوبة لا تقبل إلى بإرجاع الحقوق المادية إلى أهلها، ولكن كيف تتم التوبة إذا كانت هناك حقوق معنوية للعباد؟

لو أردنا أن نمثل بشيء من الحقوق المعنوية، كالاستهزاء والسخرية والتنقص، وتشويه السمعة، فهذا داخل فيما ذكرته من الخوض في الأعراض، يقصد بالأعراض ليس مجرد ما يتبادر إلى الأذهان من أمر القذف بالزنا، وإنما يدخل فيه كل ما يتعلق بالحقوق المعنوية للمسلم على أخيه المسلم، ومن ما يذكره أهل العلم من أمثلة: التحقير، السخرية، الاستهزاء، الغيبة، وأضراب هذه العظائم الكبيرة من الذنوب والمعاصي، والعياذ بالله.

فيتحلل منها بحسبها، منها ما يكفيه أن يتوب فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى، ومنها ما تستدعي أن يستبرئه، أن يعتذر إليه، وأن يحلله فيما صدر منه، ومنها ما يحتاج إلى أن يصوب ما وقع فيه من أخطاء بأن يذكره ذكرا حسنا، وأن يبين أنه كان على خطأ، لا سيما إن كان قد ذكره بسوء في جمع من الناس، فعليه أن يبين أنه قد كان مخطئا، وأن يذكره بذكر حسن، وأن ينفي تلك الصورة المشوهة التي وقع فيها، إلا إذا عذره صاحب الحق، فهذا من جهة الإجمال، كيف يكون الخلاص من هذه الأنواع من الظلم في الجوانب المعنوية، المتعلقة كما قلت بالأعراض، وهي مما نص عليه أهل العلم، والله تعالى أعلم.

ما تفسير قوله سبحانه وتعالى: «ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدا»؟

الآية فيها لطائف عديدة، أو هذا الجزء من الآية الكريمة فيه لطائف قد لا ينتبه لها كثير من الناس، أما من حيث المفردات، فبعثناهم، أي أيقظناهم، رفعنا عنهم ما كانوا عليه من عدم القدرة على الحركة، فإزالة أسباب الاحتباس تسمى بعثا وانبعاثا، وهو الذي يعبر عنه كثير من المفسرين بأنه الإيقاظ.

«ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدا»، اللطيفة الثانية في قول الله تبارك وتعالى: «لنعلم»، فالله عز وجل عالم، وهو عليم بكل شيء، قبل حصوله، فما معنى « لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدا»؟

المعنى أي علم انكشاف وظهور تترتب عليه آثاره في الآدميين، فليس المقصود هو علم الله تعالى الأزلي الذي هو صفة من صفات ذاته جل وعلا، وإنما المقصود هو علم الانكشاف والظهور، بعض المفسرين يقولون: أي انكشاف الحقيقة، انكشاف المجهول، بما يترتب عليه الثواب والعقاب، ولكن لا يلزم أن يكون ذلك الانكشاف في أمر يترتب عليه ثواب وعقاب، ولذلك فلا حاجة إلى هذه الزيادة.

«لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدا»، أي لنكشف ونبين ونظهر للناس بما انكشافا وظهورا تترتب عليه آثار علم، عند الناس، قال: أي الحزبين، فيها خلاف عند المفسرين، فمنهم من قال: هم من الفتية أصحاب الكهف أنفسهم، ومنهم من قال: بين أصحاب الكهف وبين غيرهم ممن اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف، ومنهم من قال: بل القوم الذين اختلفوا في أمرهم في مدة لبثهم، وهذا هو الأقرب.

لماذا أرى أن القول بأن الحديث هنا عن الفتية أصحاب الكهف؟ لأن التعبير القرآني قال: «أي الحزبين»، وعدد أصحاب الكهف محصور محدود على أرجح الأقوال، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم، فإن ينقسموا إلى حزبين، هذا بعيد، الحزب هو الجماعة، الجماعة الكبيرة من الناس التي تتفق على أمر أو رأي، فهذا بعيد إذا، لأنهم انقسموا إلى فريقين، إلى مجموعتين أو إلى جماعتين.

وما حصل منهم، هم قد حكاه الله تعالى: «وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْما أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ»، هذا انقضى، انتهى، يعني حكاه الله تبارك وتعالى، المحاورة التي دارت بين فتية أصحاب الكهف، تقدم ذكرها وبيانها.

ولذلك فإن القول الثاني، وهو أنه بين أصحاب الكهف، بين الفتية وقومهم، أيضا بعيد، وإنما الكلام في القوم الذين بُعث فيهم بعد رقدتهم فتية الكهف. هؤلاء اختلفوا منذ أن غاب عنهم فتية الكهف إلى أن بعثهم الله تبارك وتعالى، وبين أمرهم وكشف حالهم، كما تقدم في الآية الكريمة: «لنعلم»، أي علم ظهور وانكشاف.

فهؤلاء هم الذين اختلفوا، هل اختلفوا إلى قولين أو اختلفوا إلى أكثر من قولين؟ الآية تحتمل؛ لأن بعض المفسرين يرون أن قول الله تبارك وتعالى: «أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» يقول: إذا هناك فريق وافق الصواب، وحزب آخر، جماعة أو فريق آخر، جانب الصواب، ولا يلزم، لأنه قد تتنوع، تتعدد آراء هؤلاء، ويكون فيهم من وافق الصواب، وبناء على ذلك، ومن أجل ذلك، فإن سائر الآراء الأخرى التي تجذب لها الناس تكون خاطئة، مجانبة للصواب، فتكون المقارنة هنا بين من وافق الصواب وجانب الصواب، أيّا كانت آراؤهم.

بقي هنا من لطيف القول في تفسير قوله تعالى: «أحصى لما لبثوا أمدا»، لأن المتبادر إلى أذهان كثير من طلبة العلم ومن أهل العلم، ومن عدد أيضا من المفسرين، أن «أحصى» هنا هي من صيغ التفضيل، إنها اسم تفضيل، وهذا القول ذكره عدد من المفسرين، لكنهم تكلفوا في تفسيره، والسبب أن «أحصى» رباعي، وصيغة «أفعل» للتفضيل من الرباعي تأتي سماعية على غير قياس، والقرآن الكريم استعملها فعلا ماضيا؛ لأنها فعل ماضٍ، فعل رباعي، فعل ماضٍ: «وأحصى كل شيء عددا»، «أحصاه الله ونسوه»، فاستعملها يعني كما هو وضعها الاشتقاقي: فعل رباعي ماضٍ، والمقصود منه الضبط والعد والحساب.

وعلى هذا فإن «أحصى» فعل ماضٍ رباعي، و«أي الحزبين» عد وضبط لما لبثوا أمدا، والأمد: الغاية الزمنية، الأجل الزمني.

وإذ قلت بأن، يعني، أشرت إلى القول بأن «أحصى»، اسم تفضيل، ولكن هذا القول عند الحذاق من المفسرين بعيد، إن لم يكن متعذرا، ليس مقصودا؛ لأن «أحصى» كما تقدم هي صيغة فعل ماضٍ، أي رباعي، بمعنى عد وحسب وضبط.

وإنما أيضا لو قيل بأنها يمكن أن تكون على غير القياس، وهذا قول قال به في صياغة اسم التفضيل، لكن التمييز هنا ليس منقلبا عن فاعل، فأحصى لما لبثوا أمدا، التمييز بعد اسم التفضيل، أما أن يأتي مجرورا أو أن يأتي منصوبا، فإذا جاء منصوبا فإنه لابد أن يكون منقلبا عن فاعل، من نحو قول الله تبارك وتعالى: «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا»، أكثر مالا، أي كثر ماله، فقال: «أكثر مالا»، فالتمييز هنا منقلب عن فاعل، «وأعز نفرا»، أي عز نفره، فالتمييز هنا منقلب عن فاعل.

هنا لا يصلح أن يكون منقلبا عن فاعل، وقال: «أحصى لما لبثوا أمدا»، الأمد وليس محصن، فليس هو بمنقلب عن فاعل، فإذا كما يقول بعض المعاصرين: البنية العميقة لتركيب هذا الجزء من الآية الكريمة لا تسمح بأن يكون «أمدا» تمييزا، وإنما هو مفعول للفعل الماضي «أحصى».

المعنى الإجمالي متقارب، المعنى الإجمالي للآية لو قلنا بأنه تجوزنا، يعني حاول العلامة الطاهر بن عاشور، حاول أن يتكلف التأويل؛ لأنه قال إن كون التمييز منقلبا عن فاعل إنما هو أمر تقديري.

ابن هشام على سبيل المثال، عد هذا من أغلاط المعربين في مغني اللبيب، في الجهات التي يدخل على المعرب فيها الغلط، وهو في آخر مغني اللبيب عد هذا من الأخطاء، لنفس هذا السبب الذي ذكرته، أن الفعل فعل رباعي، ولكن التمييز هنا لا يصلح أن يكون منقلبا عن فاعل، فليس هو أي الأمد هنا هو محصي، وليس بمحصن، فالحاصل أيضا لو قيل إنها صيغة تفضيل، هناك خلل في المعنى، وهو يعني هناك إحصاء صحيح، وهناك وما سواه خطأ، ولذلك قال: «أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» مهما كانت أقوال الذين لم يصادفوا الحقيقة، لم يصادفوا مدة اللبث الصحيحة، فهي خطأ.

لا يمكن أن نقول إن قولا منها أجود من قول، إلا في يعني من باب التجوز، فكيف نقول إن هؤلاء كان أحدهم على صواب وكان الآخر أكثر صوابا منه، لا يحتمل هذا المعنى؛ لأن الكلام ليس في أمر يعني يحتمله السياق، هو إما أن يكون الضبط صحيحا أو غير صحيح، فلذلك «أحصى» هي فعل ماضٍ، أي: «أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا».

طبعا هنا مسألة لغوية تتعلق بعدم فعل، بعدم تأثير «نعلم» في «أي»، هذه مسألة يعني تفصيل آخر؛ لأن «أي» هنا مبتدأ شُيِّب بمعنى الاستفهام، فلا يؤثر فيها ما قبلها، نعم، فهي مبتدأ، و«أحصى» الفعل، و«أمدا» المفعول به.

إذا هذا هو معنى الآية الكريمة، وفيها كما قلت جملة من اللطائف، ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتب التفسير وكتب إعراب القرآن الكريم، فإن فيها منافع وفوائد أكثر مما تقدم، والله تعالى أعلم.