يطل علينا العام الدراسي الجديد الذي تتغير فيه أحوال البيوت، وتبدأ الأسرة مرحلة جديدة من متابعة الأبناء في دراستهم وما يحتاجون إليه طوال العام، وفي مثل هذه الأيام ينشغل الآباء والأمهات بتوفير المستلزمات المدرسية، إلى جانب المصروف اليومي وغيرها من الأمور التي تتكرر مع بداية كل عام دراسي، وربما ينظر الأب إلى هذه المسؤوليات من جهة ما ينفقه على أبنائه، فيرى أمامه قائمة من الاحتياجات التي ينبغي أن يوفرها، ويشعر بثقل المسؤولية التي يحملها تجاه أسرته وهذا أمر طبيعي، فالأبناء في مراحلهم الأولى يحتاجون إلى من ينفق عليهم ويرعاهم ويهيئ لهم أسباب التعليم والحياة الكريمة.


لكن هذه الصورة التي نراها في علاقتنا بالأبناء ليست الصورة الوحيدة التي يمكن أن ينظر بها الإنسان إلى من يعولهم، فقد يكون من ينفق عليه الإنسان سببا في رزقه، وقد يكون الشخص الذي يظن أنه يأخذ من ماله هو أحد الأسباب التي يفتح الله بها عليه أبواب الرزق، وقد جاء في السيرة النبوية أن أخوين كانا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان أحدهما يحترف ويعمل، وكان الآخر يلزم النبي صلى الله عليه وسلم ويتعلم منه، فشكا الذي يعمل أخاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلك ترزق به».


فالرجل الذي كان يعمل رأى أخاه في صورة الإنسان الذي لا يعمل معه في حرفته، وربما ظن أن ما يقوم به من عمل هو الذي يحقق له ولأخيه أسباب المعيشة، فجاءه الجواب النبوي ليغير نظرته إلى أخيه، فالإنسان لا يعرف جميع الأسباب التي يقدر الله بها رزقه، فيسعى في عمله ويحسب أن أجره هو ثمرة ذلك العمل وحده، بينما تكون هناك أسباب أخرى لا يراها ولا يلتفت إليها، وقد يكون في البيت شخص يحتاج إلى الرعاية والإنفاق، ويكون وجوده نفسه سببا في بركة الرزق وسعته.


وهنا يمكن أن نفهم جانبا من العلاقة بين الأبناء والآباء، فالابن في بداية حياته لا يملك أسباب الكسب، ويحتاج إلى والديه في طعامه ولباسه وتعليمه وسائر شؤونه، وكلما كبر احتاج إلى مزيد من العناية والتوجيه، ولذلك يبدو للوالدين أن المال يخرج من أيديهما من أجله في صور كثيرة، وفي هذه الأيام، مع عودة الطلاب إلى مدارسهم، تتجدد هذه الصورة أمام الأسر، فالأب يعمل طوال الشهر ثم يخصص جزءا من دخله لأبنائه، والأم تتابع احتياجاتهم اليومية والأبناء يذهبون إلى مدارسهم وهم لا يعرفون مقدار ما يبذله الوالدان من أجلهم، وقد يحسب الوالدان ما ينفقانه عليهم، لكن الحديث يفتح لهما بابا آخر من النظر بأنهم لعلهم يرزقون بهم.


والرزق في القرآن الكريم لم يرد بمعنى المال وحده، فالله تعالى يقول: " وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ"، وقال سبحانه: " وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ"، فحين ينظر المرء إلى الرزق بهذا المعنى يدرك أنه يعيش في مجموعة واسعة من الأسباب التي قد يعرف بعضها ويخفى عليه كثير منها، ولذلك فإن وجود الأبناء في حياة الإنسان يحمل معاني تتجاوز النفقة التي يدفعها من أجلهم، فالطفل الذي يحتاج إلى أبيه اليوم قد يكون غدا معينا له، والابن الذي يأخذ من مال أبيه في مرحلة من عمره قد يصبح بعد سنوات هو الذي ينفق على أبيه ويرعاه، والإنسان نفسه ينتقل خلال حياته بين حالات مختلفة، يكون قويا فيحتاج إليه غيره، ثم تضعف قوته فيحتاج إلى من كان يحتاج إليه.


ومن الخطأ أن ينظر الإنسان إلى من يعولهم باعتبارهم مجرد أبواب للإنفاق، فالأسرة في حقيقتها تقوم على التبادل، وإن كان هذا التبادل لا يظهر دائما في صورة واحدة، يعطي الأب المال، وتعطي الأم وقتها وجهدها، ويعطي الأبناء في مراحلهم المختلفة ما يستطيعون إعطاءه من البر والمحبة والعون، وكل واحد منهم قد يكون سببا في خير يصل إلى الآخر.


ولهذا جاء الحديث النبوي بهذه العبارة: «لعلك ترزق به»، فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي يعمل إن أخاه لا يحتاج إلى العمل، ولم يجعل المسألة في صورة حساب مالي بين الأخوين، وإنما لفت نظره إلى أمر قد يغيب عن الإنسان وهو يحسب مصادر رزقه، فقد يكون الإنسان سببا في رزق غيره، وقد يكون غيره سببا في رزقه، والله سبحانه يرزق هذا بهذا، ويجعل في بعض العلاقات من البركة ما لا يظهر في الحسابات المادية.


ومن هؤلاء الذين قد يغيب عنا معنى وجودهم الوالدان حين يتقدم بهما العمر، فالإنسان في طفولته لا يرى نفسه إلا محتاجا إلى أبويه، ثم يكبر شيئا فشيئا حتى يصبح قادرا على الاستقلال، وقد ينسى أن الأيام التي كان فيها محتاجا إليهما ستعود عليهما في صورة أخرى، وفي هذا المعنى يأتي الحديث الآخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم»، وهو حديث يضع الضعف في موضع آخر غير الموضع الذي اعتاد الناس أن يضعوه فيه، فالضعيف في الأسرة أو المجتمع قد يبدو في حاجة دائمة إلى غيره، لكن وجوده قد يكون سببا في الرزق والنصر، وقد تكون حاجته إلى الرعاية بابا من أبواب الرحمة التي تعود آثارها على من يقوم بها.


وكزاوية مختلفة في الدلالة على أن الناس يرزقون بضعفائهم، نجد أنه يسن في صلاة الاستسقاء أن يخرج مع الرجال للصلاة كل من النساء والأطفال والشيوخ، وحتى البهائم، وذلك لإظهار الافتقار الشديد والذل والمسكنة لله عز وجل، ورجاء في نزول الرحمة بسبب الضعفاء والبهائم الذين لا ذنب لهم.


وقد يكون من أسباب الغفلة عن هذا المعنى أن الإنسان يرى ما يخرج من يده بسهولة، ولا يرى دائما ما يدخل إليها من الأبواب الأخرى، الأب يعرف كم دفع للمدرسة، وكم اشترى من ملابس وكتب، وكم يعطي أبناءه من مصروف، لكنه لا يستطيع أن يضع رقما للبركة التي قد يجدها في ماله، ولا أن يعرف كم من أمر صرف عنه بسبب دعاء والديه أو صلاح أبنائه، ولا أن يحصي أبواب الخير التي جاءت إليه من حيث لم يحتسب، فالله تعالى يقول: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"، والرزق الذي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان يقتضي أن يراجع الإنسان حساباته حين يظن أنه يعرف كل أسباب ما عنده، وفي البيوت صور كثيرة لهذا الأمر، قد يكون أحد الأبناء سببا في أن يغير الأب عمله، أو يسعى في تطوير نفسه، أو يبحث عن مصدر دخل أفضل، وقد يكون وجود الأسرة هو الذي يدفع الإنسان إلى الجد والاجتهاد والصبر على العمل، وربما كان الإنسان قبل الزواج يعيش لنفسه، فلما أصبحت له أسرة أصبح أكثر حرصا على عمله وماله ومستقبله.


والحديث عن الضعفاء لا يقف عند الأسرة، ففي المجتمع أناس تختلف أحوالهم، فمنهم من فقد عمله، ومنهم من يمر بظرف يمنعه من الكسب، وهؤلاء جميعا يحتاجون إلى من يقف معهم، فما أحرى بنا أن نتفقد من حولنا في المجتمع، ونعينهم في أعبائهم المادية، ونكفيهم هَمَّ شراء هذه المستلزمات المادية لأطفالهم، وفي مجتمعنا نجد -ولله الحمد- مجموعة من المبادرات التطوعية في هذا الجانب، لكن أيضا يجب على الجار أن يتفقد جاره، فمن الناس من لا يسألون الناس إلحافا، فالالتفات إلى هذه الفئات من المجتمع، هو أجدر وأحرى لفتح نوافذ وأبواب أخرى للرزق، فقد ينظر بعض الناس إلى هذه الفئات من زاوية ما تحتاجه، بينما جاء الحديث ليربط وجودهم أيضا بالرزق والنصر، وهذا يغير شيئا من طريقة النظر إلى المحتاج، فالإنسان حين يعطيه قد يظن أنه صاحب اليد العليا، مع أن الأمر قد يكون أوسع من ذلك، فربما يكون هذا العطاء سببا في أن يدفع الله عنه شيئا غدا، أو يفتح له بابا لم يكن يتوقعه، أو يجعل في ماله بركة لا تأتي من كثرة المال وإنما من حسن موضعه.


وكلنا نعلم قصة أصحاب الجنة ويقصد بها البستان في سورة القلم، الذين أرادو أن يحرموا المساكين والضعفاء من محصول مزرعتهم، في قوله تعالى: "إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ".


وقد ذكر الطبري في تفسيره أنهم أناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة كان يطعم المساكين منها، فلما مات أبوهم، قال بنوه: والله إن كان أبونا لأحمق حين يُطعم المساكين، فاقسموا ليصرمنها مصبحين، ولا يستثنون، ولا يطعمون مسكينا، فأرسل الله عليها نارا في الليل فأحرقتها وأحرقت محصولها.


ولذلك كان وجود الضعفاء في المجتمع سببا في تذكير الأقوياء بحقيقة القوة نفسها، فالقوة التي يملكها الإنسان في مرحلة من عمره ليست ملكا دائما له، والإنسان الذي يملك اليوم القدرة على إعانة غيره قد يجد نفسه غدا في حاجة إلى من يعينه، ومن هنا يصبح التعامل مع الضعف جزءا من طبيعة الحياة، فالذين يحتاجون إلى الرعاية قد يكونون سببا في بقاء معاني الرحمة والتكافل في المجتمع، وقد يكون القيام بحقوقهم من الأعمال التي يرزق الله بها من يقوم بها.


ولعل الأب وهو يودع أبناءه في صباح يوم دراسي جديد، ثم يعود إلى عمله الذي يسعى فيه من أجلهم، يحتاج فقط إلى أن يتذكر تلك الكلمة النبوية: "لعلك ترزق به".