داني سريسكانداراجاه
من الواضح أن أندي بيرنام لا تنقصه التحديات بصفته رئيس الوزراء الأحدث للمملكة المتحدة. ما يدعو إلى التفاؤل أنه يحظى أيضًا بفرصة فريدة لقيادة الجهود الرامية إلى معالجة القضايا الاقتصادية العالمية الكبرى وإعادة تصميم مؤسسات عفا عليها الزمن.
تولى بيرنام منصبه بعد عقد مضطرب من الزمن بدأ بقرار المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي في عام 2016، وانتهى برئاسة كير ستارمر، الذي كافح لإقناع الرأي العام بأن التعاون الدولي يخدم المصالح البريطانية. وعلى هذا، فإن بيرنام يرث سياسة خارجية تبدو دفاعية ومحدودة في آن، فتركز على الحفاظ على تماسك تحالفات هشة وخفض ميزانيات المساعدات الخارجية بشكل كبير باسم «الواقعية التقدمية» ــ وهو شعار لا يلهم أحدًا.
برغم أن إدارة التهديدات قد تكون أمرًا لا مفر منه في عالم اليوم، فإنها لا تقدم للناس رؤية إيجابية. لتحقيق هذه الغاية، ينبغي لبيرنام أن يسعى إلى المساعدة في صياغة معايير ومؤسسات قادرة على الصمود أمام الفوضى الحالية. وسوف تكون المكافأة نزعة دولية جديدة لا تستند إلى مواقف عسكرية، بل تضرب بجذورها في السعي نحو اقتصاد عالمي أكثر عدلًا يُمَكِّن الناس في كل مكان من تحقيق الازدهار. مثل هذا الإطار من شأنه أن يعكس وعد بيرنام بالتجديد في الداخل، ويضع بريطانيا في موقع يتيح لها قيادة التعاون الاقتصادي في وقت يتسم بتقوض النظام القديم.
الواقع أن التوقيت مثالي؛ لأن المملكة المتحدة ستتولى رئاسة مجموعة العشرين في عام 2027، ورئاسة مجموعة السبع في عام 2028. مثل هذه الفرص نادرة؛ ومن يغتنمها يستفيد.
لا يزال كثيرون يتذكرون كيف ساعد رئيس الوزراء جوردون براون في تثبيت استقرار الاقتصاد العالمي في عام 2009، وكيف استغل سلفه، توني بلير، قمة مجموعة الثماني (G8) عام 2005 للدفع قدمًا بمسألة تخفيف أعباء ديون أفريقيا وتقديم المساعدات لها.
يجب أن يتحلى بيرنام بذات القدر من الجرأة. الخيار الآمن هو أن تحرص بريطانيا على تجنب لفت الأنظار، وأن تتملق رئيسًا أمريكيًا صعب المراس، وأن تتجنب الخلافات. لكن الموقف الدفاعي لن يحقق نتائج ملموسة.
إن إطلاق مبادرة جديدة، حتى في غياب الإجماع الكامل، هو الخيار الأفضل. هذا ما فعلته جنوب أفريقيا من خلال اللجنة الدولية المعنية بفجوات التفاوت أثناء رئاستها لمجموعة العشرين، وهذا ما فعلته البرازيل بإدراج فرض الضرائب على الأثرياء في إعلان قادة ريو.
من جانبها، تستطيع بريطانيا أن تحض على اتخاذ تدابير ملموسة بشأن أزمات الديون التي تخنق عشرات البلدان، أو أن تتخذ إجراءات صارمة ضد التدفقات المالية غير المشروعة، أو أن تفرض ضريبة حد أدنى على أصحاب المليارات. والقيادة بالقدوة في أي من هذه القضايا ستشير إلى رغبتها في تشكيل المستقبل بدلًا من الاكتفاء بإنقاذ بقايا الماضي.
الواقع أن رئيس الوزراء الذي وعد «ببناء اقتصاد جديد» يحقق نتائج أكثر إنصافًا لناخبيه في ماكيرفيلد ينبغي له أن يتبنى الهدف ذاته لصالح الناس الذين يكافحون من أجل كسب قوتهم اليومي في مابوتو أو مومباي.
لتحقيق هذه الغاية، تسنح لبيرنام الفرصة أيضًا لبدء العمل على بناء مؤسسات جديدة للتعاون العالمي. فالمؤسسات القانونية والسياسية والاقتصادية الدولية التي ساعدت بريطانيا في تصميمها في القرن العشرين تبدو غير فعّالة على نحو متزايد، وتواجه بعضها هجمات شرسة من حلفاء أو حتى من بعض السياسيين البريطانيين (كما في حالة الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان). الحل لا يكمن في الدفاع عن الوضع الراهن، بل في المساعدة على خلق وضع جديد.
تتمثل نقطة انطلاق جيدة في البدء بإنشاء «تحالفات الراغبين» التي تجمع بالفعل بين مجموعات صغيرة من الدول (رفقاء غير متجانسين غالبًا) للمضي قدمًا في تنفيذ أجندة مشتركة.
على سبيل المثال، تتشارك بربادوس، وفرنسا، وكينيا رئاسة فريق العمل المعني بضرائب التضامن العالمي لفرض رسوم دولية جديدة على الطيران، والمسافرين الدائمين، والشحن البحري، واستخراج الوقود الأحفوري، والمعاملات المالية، بهدف توليد إيرادات لتمويل قضايا المناخ والتنمية.
على نحو مماثل، قادت كولومبيا وهولندا جهودًا لدفع عجلة التقدم في التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، وتعمل مجموعات أخرى على تخفيف أعباء الديون، وخطوط المقايضة بين البنوك المركزية، وضرائب الثروة.
بالانضمام إلى هذه المبادرات أو تمويلها أو حتى منحها مساحة للتعبير في قمة مجموعة السبع أو مجموعة العشرين، ترسل المملكة المتحدة إشارة قوية مفادها أنها لا تعتمد فقط على الآليات الدولية القائمة لتحقيق الأهداف العالمية. وسوف يساعد هذا أيضًا في إقناع دول الجنوب العالمي بأن أصواتها وقيادتها تحظى بالتقدير.
برغم أن بناء إجماع عالمي يبدو مستحيلًا في الوقت الحالي، فإن هذه الجهود الجارية ينبغي أن تمنحنا الأمل في أن التقدم لا يزال في حكم الممكن. إن اللبنات الأساسية لعولمة جديدة في القرن الحادي والعشرين يجري تجميعها بالفعل.
وفي بعض الحالات، مثل الاقتراح بفرض ضرائب على الأنشطة الملوِّثة من خلال رسوم التضامن، تسمح المبادرات الجديدة لمجموعة صغيرة من الدول باختبار ودراسة نُهج مبتكرة دون الحاجة إلى التوصل إلى إجماع عالمي أو التغلب على حق النقض الذي تمارسه الدول القوية.
وفي حالات أخرى، مثل اللجنة الدولية المعنية بالتفاوت، سيكون الهدف وضع معايير ومبادئ جديدة للتعاون الدولي. وكلما ازداد نجاح هذه المبادرات الناشئة، ارتفع عدد الدول التي ستنضم إليها، وازدادت احتمالات ظهور قواعد وممارسات عالمية جديدة.
إن الحاجة إلى الإصلاحات في مجال التنمية الدولية ماسة، حيث ما زلنا نعتمد على بنية المساعدات التي صممتها لجنة في ستينيات القرن الماضي. ذلك العالم لم يعد له وجود.
فلا تمثل المساعدات الآن سوى حصة صغيرة من الأموال المتدفقة إلى الجنوب العالمي، وهي تستند إلى نموذج قديم قائم على العلاقة بين المانحين والمتلقين. إن الوعد باستعادة هدف المساعدات البالغ 0.7% من الدخل الوطني الإجمالي لن يلهم الناخبين البريطانيين ولا شركاء المملكة المتحدة في الجنوب.
بدلًا من ذلك، ينبغي لبيرنام أن يكلف جهة مستقلة بإجراء تحقيق حول ما يمكن أن يحل محل هذا النظام بالكامل، واختبار أفكار جديدة تقوم على مبدأ العالمية والتضامن، وليس الإحسان.
لا شك أن بيرنام تنتظره مهمة شاقة عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية والدفاع. لكن حكومته تحظى بالفرصة أيضًا للمساعدة في إرساء أسس اقتصاد عالمي أكثر عدالة ومجموعة جديدة من المؤسسات العالمية. بعد عشر سنوات عصيبة، سوف يمنح إحراز التقدم على هذه الجبهات الشعب البريطاني -والعالم بأسره- أخيرًا شيئًا يؤمنون به.