أصبح من السهل جدًا عقد برنامج تدريبي يكلف مئات الريالات لمدة لا تتجاوز العشرة أيام، والمؤسسات القائمة على التدريب، سواء من المعاهد أو الأكاديميات وحتى المكاتب الصغيرة المعنية بالتدريب، قادرة على جلب قائمة طويلة من العناوين التدريبية بكل سهولة.
وقد تلاحظ بين فترة وأخرى انتشارًا واسعًا لكثير من العناوين العريضة في الإعلانات التي تجد طريقها في وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال بعض الزملاء العاملين في دوائر التدريب في المؤسسات المختلفة.
ترددت كثيرًا في مناقشة هذا الموضوع، خاصة وأن بعض الزملاء لا يريد فتح النقاش فيه، معتبرًا بأنه شائك وحساس بالنسبة لهم، خاصة وأني أختلف معهم في بعض الجزئيات المهمة، وأعتقد من الحق أن يُطرح السؤال حول المعايير التي على أثرها تم قبول برنامج تدريبي قبل أن تُدرس أهميته ومدى الفائدة التي ستعود على الموظف، سواء من حيث الحصول على الخبرة أو الفائدة في مجال العمل، وهل هذا البرنامج التدريبي يمكن تطبيقه في بيئة العمل ويسهم في رفع كفاءة الموظفين بعيدًا عن أي مجاملات أو مجرد شهادات حضور وغياب يحصل عليها المشاركون في نهاية البرنامج؟!
بعض المؤسسات في القطاعين العام والخاص تتحدث عن عدد كبير من البرامج التدريبية التي نفذتها على مدار العام، وخلال الحديث مع بعض القائمين على هذا المجال ينصب التركيز على العدد الكمي في النجاح في التنظيم، أما الحصيلة المعرفية والفائدة المرجوة منه فليس مهمًا الالتفات إليها!
والسؤال: هل البرامج التدريبية النظرية أفضل أم العملية؟
لن نستعجل في الإجابة عن هذا السؤال، لكن من المهم البدء في مناقشة نقطة الخلاف الأساسية، وهي: لماذا لا يتم تقييم البرامج ودراستها قبل قبولها، وبعد إنجاز البرنامج ما الخطوات الأخرى التي يمكن اتباعها لمعرفة المقياس الحقيقي الذي خرج به البرنامج؟
أمر الإنفاق على التنظيم ليس هو العقبة في مشاركة الموظف في البرامج والدورات التدريبية، ولكن -في نظري الشخصي- يجب النظر إلى القيمة العلمية والحصيلة المعرفية التي خرج بها الموظف.
من المؤسف أن بعض الدورات لا ترقى في مسماها إلى دورة تدريبية أو برنامج تدريبي، ومن الصعب تصنيف ما يقدم على أنه في نطاق أو اختصاص بعض الجهات، ومع ذلك يتم إشراك بعض الموظفين فيه دون مبرر!
بالمقابل، هناك عناوين ملفتة للنظر لبرامج تدريبية، لكن المضمون هو الفيصل في الحكم على الأشياء بعد تجربتها!
لسنا مطلقًا ضد تقديم البرامج أو الدورات التدريبية التخصصية؛ لأن لدينا قناعة تامة بدور بعضها في إثراء الجانب المعرفي لدى الموظف، وتقدم له الفائدة المرجوة التي تنعكس إيجابًا على بيئة العمل التي أتى منها، وربما تجعله ينقل ما تعلمه خلال أيام البرنامج إلى زملائه، وهذا له منافع جمة.
مئات العناوين يتم تسويقها سنويًا للمؤسسات التدريبية، بعضها يقدم في الداخل والبعض الآخر في الخارج، ولكن للأسف حتى اللحظة لم أجد من ينصف مثل هذه الدورات ويضعها تحت المجهر إلا قلة قليلة من مراكز التدريب التي تحرص على عدم قبول أي برنامج إلا بعد توفر الشروط اللازمة لقبوله.
بعض الموظفين ينخرط في الدورة ليس من أجل التعلم، وإنما تأديةً للواجب الذي عليه، أو هروبًا من دوام العمل الطويل، وحبذا لو كانت دورة خارجية، فهو أول المستبشرين بهذه الدورة وأكثر البشر سعادة في ذلك.
ما نتحدث عنه ليس تجاوزًا أو إجحافًا للبعض المجيدين في أعمالهم التدريبية، لكننا نطالب أو نأمل أن يتم مراقبة ما يقدم، وتقييم الدورات والبرامج من حيث الأهمية بشكل صحيح، فلا يكفي الاعتماد على العناوين البراقة التي تخلو أحيانًا من أي مضمون.
السؤال الآخر: هل جميع البرامج والدورات التدريبية لها قيمة فعلية عند تقييم الموظف عندما يتنافس على وظيفة جديدة، أم أن المؤهل الدراسي يكفي لحسم الأمر دون الرجوع إلى الخبرة العملية والتدريبية؟
بكل أسف، أغلب الوظائف التي يتنافس عليها الزملاء في نطاق العمل لا يتم النظر فيها إلى خبراتهم أو الدورات التي انخرط فيها الموظف سابقًا، ويكون التقييم بحسب جوابه في المقابلة!
إذا كانت المؤسسات تصرف سنويًا ميزانية كبيرة على تلقي موظفيها دورات داخلية وخارجية، فلماذا لا يتم تقييم كل من الدورة والموظف بشكل يسهم في الخروج بفوائد عدة، أولها جعل الموظف يعي بأن الدورة ليست مجرد شيء هامشي وينتهي بالحصول على شهادة مشاركة في آخر يوم في البرنامج، وأيضًا المؤسسات التدريبية تعي بأن عملها يتم فحصه بعناية وتقييمه ومراقبته ودراسته بدقة.
يبقى هذا الأمر مجرد رأي شخصي، يخضع للصواب أو الخطأ، لكن هذه قناعتي بأن البرامج والدورات التدريبية يجب أن يُهتم بها كثيرًا، خاصة في عملية الانتقاء وأيضًا التقييم الصحيح، دون محاباة أو قبول أي شيء دون معايير مهنية وعلمية.