حتى هذه اللحظة لا أجد مبررًا أو سببًا مقنعًا في جعل البعض ينظر إلى الآخرين على أنهم لا يستحقون التقدير "لا يراهم أو يتكلم معهم أو يسمعهم أو يعرفهم"، وقد يكون هذا التصرف أقرب إلى كونه نوعًا فريدًا من الأمراض النفسية، ونقصًا في المفهوم الوصفي للناس؛ لأن كرامة البشر تُحفظ وهم أحياء أو أموات.


هناك العديد من المواقف التي نراها تجسد معنى عدم احترام الآخرين والتقليل من شأنهم، ولهذا نسوق بعضًا من الملاحظات التي تم رصدها من أماكنها ومن ثم نعلق عليها.

أحيانًا في أماكن العزاء أو في الزواج نرى البعض لا يكف عن الحديث مع القريب الجالس إلى جواره، ربما هو نوع من التواصل الإنساني مع الآخرين، لكن نراهم لا يتوقفون أو ينظرون إلى الشخص الذي تمد يده لمصافحتهم، ولا يلتفتون إليه أبدًا، أو ربما البعض يتعمد تجاهل القادمين لتحيته، فيستمر في حواره مع الغير دون اهتمام أو اكتراث بأن هذا التصرف مرفوض أو انتقاص من احترام الآخرين.


الملاحظة الأخرى، نراها أن البعض لا يقف أحيانًا لتحية بعض الناس، خاصة "البسطاء"، يمد يده لتحيتهم وهو جالس في مكانه وكأن به مرضًا أو إعاقة جسدية تمنعه من الوقوف!
أعتقد بأن بعض التصرفات تجعلك تفكر كثيرًا عندما تخرج من المكان الذي قابلت به شخصًا تعرفه ويعرفك، لكنه يحاول جاهدًا تجاهلك ويقلل من احترامك، فالخطأ ليس خطأك، لكن المشكلة مع الشخص الذي يعتقد بأنه أفضل من الآخرين، رغم أن البشر أمام الله سواسية إلا بالتقوى.


من المشاهد التي أصبحنا نراها بوضوح في بعض التجمعات والمناسبات، وتثير الكثير من الشجون في نفوسنا، أن البعض لا يهتم كثيرًا بالبشر "البسطاء"، بالمقابل لا يدخر قوة ولا وقتًا في العدو مسرعًا لملاقاة أشخاص آخرين لديهم من "المعارف أو المال أو المكانة الاجتماعية"، والترحيب بهم بصور مبالغ فيها.


لقد أصبحت هذه الظاهرة "مقززة" في نظرنا؛ لأنها تفرق ما بين البشر وتخلق نوعًا من الضغينة في النفوس، وهي ليست من عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة التي ترفض تقسيم الناس حسب المصلحة.


لو انتقلنا إلى مكان آخر، لوجدنا أن ثمة ظاهرة أخرى أصبحت منتشرة بين الناس، وتتمثل في تأخر الرد على المحادثات، فيمكن أن ترسل رسالة نصية أو عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي، وتظل هذه الرسالة "معلقة" ما بين إذن الفتح أو الرد عليها لفترة طويلة.


والسؤال المهم: أيهما أسوأ في نظرك: أن يتم فتح الرسالة التي أرسلتها وقراءتها ثم يتجاهلها، أو أن تبقى رسالتك "معلقة" لفترة طويلة دون أن تُفتح؟
منذ فترة زمنية قريبة، تناقشنا حول هذه الظاهرة، وأعجبني رد أحد الزملاء حول هذا السؤال، فهو يرى أن تُترك رسالته دون رد أسوأ شعور يمر عليه على الإطلاق، موضحًا بأن هذه الحركة أصبحت أكثر شيوعًا في الوقت الراهن.


زميل شارك في الحديث معلقًا على هذا الأمر: عندما يتجاهل شخص الرد على رسالتك بعد أن يعرف محتواها، فاعلم أنك لست في قائمة أولوياتهم، وكان فتحها جاء من باب فضول لمعرفة ما كتبته!
أحد الجالسين معنا تداخل حديثه مع البقية، مؤكدًا أن تجاهل بعض الرسائل المرسلة من بعض الأطراف لوقت طويل دون فتحها يعني أن هذا الشخص يعاملهم باستخفاف، ومن المرجح أنه قد صنفهم "كمرسلين لرسائل مزعجة"، لذا لا يريد أن يشغل نفسه بما أُرسل إليه، بل يضعها في خانة الأرشفة دون حراك أو اهتمام.


أيضًا من بين الأمور المزعجة في النفس أن بعض الناس يتواصل معك، وربما هو الذي يحتاج إليك، وفجأة بدون مقدمات ينقطع ذلك التواصل، لتكتشف لاحقًا بأنه منشغل بأمور أخرى، وكأن حديثه معك لا قيمة عنده، لذا آثر أن ينهي محادثته بدون أي استئذان أو بطريقة لائقة!
من الأمور الأخرى ظاهرة تأخر إنجاز بعض المعاملات والاهتمام بالمعاملات التي تأتي من أطراف معروفة أو التي تم التوصية عليها، وهذه قد لا تكون ظاهرة عامة، لكنها للأسف موجودة في بعض الأماكن.


إن التقليل من أهمية الناس بدون وجه حق يضعنا على المحك، ويدفعنا نحو ترك هذه العبارة تحتها "خطوط كثيرة"، فكل الناس يجب أن يوضعوا في محل الاهتمام والاحترام والتقدير، ويجب ألا يتم تصنيفهم أو فرزهم على حسب أهميتهم وقربهم من أبواب المصلحة فقط.