دخل مضيق هرمز منذ أشهر في منطقة رمادية يصعب تسميتها حربا بالمعنى الكامل، ويصعب في الوقت نفسه اعتبارها طريقا إلى السلام.

تتراجع المواجهة العسكرية ثم تعود، تنفتح قنوات التفاوض ثم تتعثر، وتستمر الملاحة من دون أن تستعيد صورتها الطبيعية التي عرفها العالم طوال عقود. وبين هذه الحالات المتعاقبة يتشكل واقع جديد يستحق القلق من دول الخليج ومن غيرها من الدول التي ترتبط بمضيق هرمز بطريقة أو بأخرى ومصدر الخوف أن يصبح الاستثناء هو القاعدة.

يوحي استمرار هذه الحالة بأن الزمن نفسه دخل معادلة الصراع، فواشنطن تستطيع مواصلة الضغط الاقتصادي والعسكري وهي تنتظر أن يضعف الموقف الإيراني، فيما تستطيع طهران الاحتفاظ بالمضيق ورقة قوة ترفع بها كلفة استمرار المواجهة، وتدفع نحو شروط أفضل في أي تسوية مقبلة.. وفي الحالتين يتحول الانتظار إلى أداة تفاوض يراهن كل طرف على أن يرهق الزمن خصمه قبل أن يرهقه هو.

لكن المشكلة أن لهذا الانتظار كلفة تقع في جانب كبير منها خارج حسابات الطرفين. تحتاج دول الخليج إلى الاستقرار كي تبني اقتصادات تتطلع إلى ما بعد النفط، وشركات الملاحة والتأمين والاستثمار تحتاج إلى القدرة على حساب المخاطر، وأسواق الطاقة تحتاج إلى ممرات يمكن الوثوق بها، وطول الأزمة يضع المنطقة أمام حالة من عدم اليقين تصبح كلفتها تراكمية حتى عندما تهدأ الصواريخ والطائرات المسيرة.

والأكثر إثارة للقلق أن المنطقة والعالم بدآ يتكيفان مع هذا الواقع؛ تتوسع الاستثمارات في خطوط الأنابيب والموانئ والطرق البديلة، وتتغير ترتيبات الشحن والتأمين، وتتعلم الأسواق امتصاص قدر من الاضطراب كان سيبدو قبل سنوات أزمة عالمية كبرى. وهذا التكيف ضروري لحماية الاقتصادات، لكنه يحمل مفارقة خطرة: كلما أصبح احتمال اضطراب هرمز أقل إيلاما على المدى القصير، تراجعت الضغوط التي تدفع الأطراف إلى حل أصل المشكلة.

وحين يطول التكيف تتغير الجغرافيا الاقتصادية نفسها، فالممر الذي يفقد شيئا من موثوقيته يفقد، مع الوقت، جزءا من قيمته الاستراتيجية، وتذهب الاستثمارات بحثا عن البدائل وتصبح المخاطر عنصرا دائما في كلفة التجارة والطاقة.

لهذا تبدو المصلحة الخليجية واضحة في تحصين المضيق من أن يتحول في كل مواجهة إلى ورقة في صراع القوى. المطلوب تثبيت وضعه باعتباره ممرا تحكمه قواعد القانون الدولي وبناء ترتيبات إقليمية متفق عليها لأمن الملاحة وسلامتها.

تكمن القيمة الدبلوماسية للجهد الذي تقوم به سلطنة عمان في إعادة القضية من ميدان القوة إلى ميدان القواعد، فاستقرار هرمز يحتاج إلى أن يصبح مصلحة إقليمية مصونة بتفاهمات واضحة، لا هدنة مؤقتة يحدد عمرها ميزان القوة في لحظة معينة.

الخطر الحقيقي الآن أن يستيقظ الجميع بعد سنوات ليكتشفوا أن الأزمة التي انتظروا نهايتها لم تنتهِ، وأن المنطقة تعلمت فقط كيف تعيش معها.