جولة جديدة من المواجهة بين طهران وواشنطن شهدها الصراع بين الجانبين مساء الثلاثاء وفجر الأربعاء هي الأعنف حتى الآن ضمن موجة التصعيد الأخيرة مع دخول الصراع شهره السابع الأسبوع الماضي.

الجولة الجديدة الأخيرة بدأتها الولايات المتحدة بهجوم واسع النطاق طال نحو مائة هدف في أربع محافظات في جنوب وجنوب شرق إيران تقول إيران: إنها أوقعت قتلى مدنيين من بينهم طفل وعشرات المصابين في استهداف منزل في مدينة «سيريك» كانت تقام فيه مراسم زفاف، كما استهدفت الهجمات الأمريكية منشآت عسكرية ورادارات ودفاعات جوية ومعدات بحرية تابعة للحرس الثوري الإيراني وناقلتي نفط إيرانيتين ضمن سياسة جديدة أقرها الرئيس ترامب تقوم على مبدأ «ناقلة مقابل ناقلة» لردع إيران من مهاجمة السفن التجارية وناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز.

ورداََ على الهجمات الأمريكية بعد ساعات قلائل شنت إيران هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على مواقع تقول إيران: إنها قواعد ومصالح أمريكية في المنطقة في الأردن والبحرين والكويت والإمارات وإقليم كردستان العراق.

وترافق مع جولة التصعيد الأخيرة إعلان الجيش الأمريكي عن انتشار أكثر من 50 ألف جندي أمريكي في أنحاء المنطقة وجاهزيتهم لمواصلة العمليات القتالية.

وفي المقابل؛ توعدت إيران بمواصلة هجماتها هي الأخرى، وقال الحرس الثوري: إن عملياته ضد «القواعد والمصالح الأمريكية بالمنطقة لم تنتهِ بعد».

وهكذا يبدو المشهد سوداوياََ يعكس انسداداََ في الأفق وإصرار من الجانبين على المضي قدماََ في اتجاه التصعيد والمواجهة بديلاََ لخيار التهدئة والتفاوض اللذين أضحيا بعيدي المنال بصورة غير مسبوقة وتبدو الجهود الجبارة والمساعي الحثيثة التي تبذلها الوساطة والقوى الإقليمية لنزع فتيل التصعيد رغم قوتها أضعف بكثير أمام موجة التصعيد العاتية التي يتبناها طرفي الصراع المدفوعَين بإرادات مراكز القوى المتشددة داخل دوائر صنع القرار في كل من واشنطن وطهران.

الرئيس ترامب كتب أمس على منصة تروث سوشال مؤكداََ أنه «يفضل» الوضع الحالي في الصراع مع إيران، وأشار إلى أمر في تقديري يكرس لحالة التصعيد والمواجهة الراهنة، وهو قوله بتأكيد مغلظ: «لا أحاول إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ولا يهمني على الإطلاق ما إذا كان الإيرانيون سيقبلون بالتوقيع على ما لا قيمة له بالنسبة إليهم»!

ويستطرد الرئيس ترامب للتدليل على نجاعة حربه الاقتصادية على إيران المترافقة مع الضربات العسكرية بالقول: «اقتصادهم ينهار تماماً، وإنهم يعيشون الآن مآلهم الحتمي»! ويستدرك الرئيس ترامب متسائلاََ بصورة تبعث رسالة ضمنية وغير مباشرة مفادها أن واشنطن ما تزال تراهن على «انتفاضة» شعبية داخلية في إيران للإطاحة بالنظام الحالي، وهو رهان مثير للاستغراب والدهشة، ويعكس وجود فجوة كبيرة في فهم ما يدور ويجري على الأرض في إيران من جانب أمريكا، وفي طبيعة العلاقة بين النظام الإيراني وقطاعات الشعب الإيراني، وما يشعر به تجاه أمريكا بالنظر إلى طول حالة العداء التي استحكمت حلقاتها من الجانب الإيراني تجاه أمريكا عبر ما يقرب من خمسة عقود والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها على النظام، وألقت بظلالها السالبة على الشعب الإيراني.

وفي الحقيقة أن العقوبات الأمريكية طوال سنوات تطبيقها لم تؤتِ ثمارها ونتائجها كما أرادت لها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بل كانت نتيجتها عكسية؛ فبدلاََ من إضعافها للنظام وتقوية القوى الشعبية، عملت العقوبات الأمريكية على تقوية النظام الإيراني، وإضعاف القوى الشعبية التي تعول عليها لتكون بديلاََ للنظام، ولهذا السبب لم تتمكن هذه القوى من القيام بأي محاولات جادة لتغيير النظام، بل هناك مؤشرات عديدة على تحولات عميقة داخل هذه القوى ضد النهج الأمريكي المتبع حيال القضايا الداخلية في إيران ومنظومة الأولويات الوطنية للشعب الإيراني خاصة في عهد الرئيس ترامب الذي أفرط في إطلاق التهديدات التي لم يفرق فيها ما بين النظام الحاكم من جهة، والشعب الإيراني من جهة أخرى، ولعل أسوأها بالنسبة لهم تهديده بمحو الحضارة الفارسية من الوجود، وإعادة إيران إلى العصر الحجري! وهي تهديدات بعثت المشاعر الوطنية والقلق في نفوس الإيرانيين حول مصيرهم وحول موروثهم الحضاري والتاريخي، وأثارت الشكوك لديهم حول النوايا الحقيقية لأمريكا من وراء حربها على بلادهم، وهل هي حقاََ ضد النظام وحده، أم أنها ضد الشعب الإيراني نفسه؟

ويغذي هذه المخاوف والشكوك انخراط إسرائيل صاحبة مشروع إسرائيل الكبرى والعدو التقليدي اللدود لإيران في الحرب واصطفافها لجانب أمريكا، واغتيالها لرموز دينية مؤثرة مجمع عليها من قبل غالبية الشعب الإيراني.

لكل تلك المعطيات فإن التصعيد الحالي مرشح للتزايد والانتقال إلى مراحل أخطر، وتحكم الوضع الراهن معادلة صفرية، أمريكا تصر على إنهاء الصراع بالقوة العسكرية المعززة بالخنق الاقتصادي وترفض العودة للتفاوض وتريد فقط استسلام إيران ومن ثم إملاء شروطها عليها لتذعن لها، وإيران تصر على المواجهة والمقاومة، وتبدو واثقة من صمودها، ولا تظهر أي مظهر يدل على احتمال الاستسلام، وترى أن جبهتها الداخلية موحدة خلف القيادة السياسية والعسكرية والدينية، وإن كانت مبدئياََ لا ترفض التفاوض بعكس أمريكا التي نبذته وراء ظهرها.

إنها لعبة عض الأصابع عادت مرة أخرى.

لكل ذلك، فإن مستقبل هذا الصراع يبدو مظلماََ ومرشحاََ للتفاقم والتصاعد في ظل تصلب المواقف الحالي في الجانبين ما لم تستطع الوساطة الباكستانية والدبلوماسية الخليجية النشطة خاصة من جانب سلطنة عُمان وقطر والسعودية والساعية منذ تفجر التصعيد الأخير لنزع فتيل الأزمة في تكلل مساعيها بالنجاح والوصول إلى صيغة ما تكون مقبولة لدى كل من طهران وواشنطن، وهي نتيجة -وإن كانت تبدو حتى الآن بعيدة المنال- ليست مستحيلة.