وتقتصر على حدث مركزي واحد، وشخصياتها قليلة جدًّا قياسًا بالرواية التي تتشعّب فيها الأحداث، وتتعدّد الشخصيات والأمكنة، وربّما شعر القائمون على جائزة السلطان قابوس بعزوف كتّاب القصة عنها، فخصّصوا فرع الأدب بدورتها الجديدة الخاصّة بالعمانيين للقصة القصيرة، لتنشيط هذا النوع الفنّي من الكتابة الإبداعيّة،
فظهرت مجموعة من الإصدارات القصصيّة في الآونة الأخيرة، ومن بينها مجموعة (اثنتا عشرة نجمة) للدكتور سعيد السيابي الذي تعدّدت اهتماماته، فكتب الرواية، والمسرحية، والمقال، والقصة القصيرة جدًّا، وله عدد من الإصدارات في المسرح، ورصيد في كتابة القصص القصيرة، بدأه بمجموعته (رغيف أسود) الصادرة عام 2015م، تبعها بـ(أحلام الإشارة الضوئية) و(المبرأة والقلم) و(مشاكيك) و(ومن الحب) و(انظر إلى حمارك)،
ومؤخّرًا رفدنا بمجموعته الجديدة (اثنتا عشرة نجمة) الصادرة بثلاث طبعات بوقت واحد، هي: الآن ناشرون وموزعون الأردنية، ودار بصمة للنشر والتوزيع المغربية، ودار الناشر للنشر والتوزيع المصرية، ويعلّل السيّابي سبب هذا التعدّد الذي يأتي، كما يقول: «من أجل توسيع دائرة الوصول وإتاحة العمل أمام قرّاء ينتمون إلى بيئات ثقافية مختلفة ليسهل الاطلاع على الكتابات العمانية الجديدة»، وهي خطوة جيدة، تأتي في وقت تسير به حركة الكتاب للقارئ العربي ببطء شديد.
وقد ورد ذلك في كتابنا الكريم: «إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا» (التوبة: 36)، وعيون الماء التي انفجرت للنبي موسى -عليه الصلاة والسلام: «وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ» (البقرة: 60)، وفي المسيحية كان عدد تلاميذ السيد المسيح -عليه الصلاة والسلام- 12 تلميذًا، إلى جانب ورود ذكر هذا الرقم في الأساطير الإغريقية، وفي الرياضيات والثقافات الشعبية.
وكما يقول د. سعد التميمي، أستاذ النقد وتحليل الخطاب في الجامعة المستنصرية ببغداد، في مقدمة المجموعة: «إن الكاتب يطلّ علينا صوتًا سرديًا يعي تحوّلات الكتابة، وتعدّد مساراتها، في تنقّل يكشف عن حساسية فنية تمتحن الأشكال، وتعيد صوغها وفق إيقاع التجربة وقلقها، فالسيابي لا يكتب الحكاية كحدث يُروى فحسب، إنما كفضاءٍ تتقاطع فيه الرؤى»، ويواصل السيابي رحلته مع عوالم اجتماعية متباينة، ليتوقف مطولًا أمام التفاصيل الهامشية التي تحمل في طياتها جوهر المعاناة والفرح الإنسانيين.
فالحكاية في منجزه ليست غاية، وإنّما وسيلة لاستفزاز الأسئلة الكبرى حول الوجود، وإغراء القارئ بالمشاركة في إنتاج المعنى، وربط خيوطه المتشعّبة. هذا المنهج يحوّل كل قصة إلى رحلة تأمّليّة، لا إلى حكاية مستهلكة، تجعل من القارئ شريكًا في الاكتشاف لا متلقيًا سلبيًا.