تحتفي القاهرة بنجيب محفوظ في الذكرى العشرين لرحيله (أغسطس 2006 - 2026) بعام من الفعاليات عن أدبه وشخصياته. المدينة تحتفي بسيّد حاراتها الذي جعلها بطلة دائمة في رواياته، وأنزل الحارة والعطوف وسبيل الماء والتكية مكانة متقدمة في ذاكرة الثقافة العربية.

المدينة عنده بطل وحيد، تتخبط في جوفها الطبقة الوسطى. وزقاق المدق مثل أحمد عبدالجواد، والعباسية أهم من سعيد مهران. ومحفوظ الذي كتب عن القاهرة وخلدها ومنحها صوتًا لا يخفت هو حكاية في ذاته. الرجل الهادئ الذي ملأ الدنيا ضجيجًا وصخبًا.

تبدو شخصية محفوظ مغايرة للصورة النمطية عن أهل الأدب. هناك مثال أبعد اختلافًا يشار إليه عادة لتوضيح تلك المغايرة. هنري ميلر. فالمقارنة بين الكاتبين توضح المفارقة الكبيرة والاختلاف البائن بين طريقتيهما، لا فقط في الكتابة، ولكن في الحياة.

ميلر كان نقيض محفوظ في علاقته بالحياة وبالكتابة. اختار الحياة في باريس التي وصلها 1930 بلا مال تقريبًا، متصعلكًا مثل كثير من الأوروبيين وقتها. وعاش مشردًا فقيرًا يقتات على عمل متقطع ويتقلّب في علاقات عاطفية صاخبة.

يمكن أن نرى حياة ميلر مشابهة لكتاباته. متحررة، غير مألوفة، وصادمة. هذه حياة جديرة بكاتب «مدار السرطان»، والتي مُنعت لسنوات طويلة.

أما محفوظ فكان على النقيض.

ما عُرف بحياة الصخب ومغامرات البوهيميين، إنما كان «رجل الساعة» كما أطلق عليه صديقه وزميل شلة «الحرافيش» محمد عفيفي. يعيش حياته بانتظام، ولا يكاد يكسر القواعد. موظف في الدولة، يعيش كموظف، ويكتب كموظف.

بعكس كتّاب كُثُر يكتبون في أي وقت، ويطاردون أي فكرة ترفرف حولهم كفراشة حتى آخر الدنيا، كان محفوظ يكتب ساعات محددة في أوقات من السنة لا يكاد يغيرها.

وبينما ينتظر أغلب الكتّاب الوحي والإلهام وزيارات سكان وادي عبقر، ينكب محفوظ على روايته كملف إداري أو تقرير مالي. لكن ما يصلنا هو عسل صافٍ لا شائبة فيه. فمن أين أتت كل هذه العبقرية والإجادة دون خبرات واسعة، ومخالطة متنوعة لثقافات متعددة؟

يبدو محفوظ في السياق العربي مقاربًا لصنويه المصريين عباس العقاد وطه حسين. فالأول، رغم قيد ضعف تعليمه النظامي، استطاع أن يرسّخ اسمه كمفكر ومثقف استثنائي.

أما الثاني، فمع معرفته للغات، ودراسته في فرنسا، إلا أنه حاز ذلك بعد أن كسر سجن فقد بصره. رأى العالم بعلمه لا بعينيه. مثلهما كان محفوظ استثنائيًا في أنه أصبح أديبًا عالميًا في طريقه من الديوان الحكومي إلى البيت!

لو ادعينا أن للإبداع طريقة واحدة فنحن أمام نموذج شبه استثنائي. لم يغادر مصر إلا في مناسبتين اضطراريتين قصيرتين. ولم تمر حياته بمنعطفات أو انقلابات حتى مما مس أقرانه من المثقفين المصريين في خضم انتقالات مصر السياسية والاجتماعية في الخمسينيات والستينيات. حياة هادئة كنهر كسول.

ربما لولا بعض مغامرات الصبا والشباب التي ذكرها في أحاديثه أو رواياته مثل «المرايا» و«صباح الورد»، وأزمة فكرية وأخرى عاطفية مر بمثليهما كمال أحمد عبدالجواد في «الثلاثية»، ثم لقاء «الحرافيش» الأسبوعي، لكان النهر بركة راكدة. لو جردنا حياة محفوظ من هذه النوادر لما بقي إلا الموظف الملتزم والمتعاطف مع الليبرالية المصرية مثل أبناء طبقته الوسطى.

فهل كانت دراسة الفلسفة وكتابات مثقفين أمثال سلامة موسى وطه حسين مع ذكريات الطفولة عن ثورة 1919 كافية لهذا العمق في رؤية العالم والناس؟

يبدو السؤال عن قدرة محفوظ الاستثنائية في الإبداع رغم التزامه الصارم بالروتين متماهيًا مع افتراض وجوب تشابه الكتّاب في نمط الحياة. النمط الميلري الأشهر.

وهو نمط اشتهر به جماعة من المثقفين المصريين، لعل أبرزهم يوسف إدريس الذي رأى أدبه أحق من محفوظ بجائزة نوبل. وصف محفوظ نفسه أنه موظف في الصباح، وكاتب في المساء. بينما كان إدريس يكتب في كل وقت، وعلى علب السجائر وقصاصات الورق.

ربما لو نظرنا لالتزام محفوظ من زاوية أخرى لما ظهر تناقض كبير مع نموذج هنري ميلر. فلعل كليهما، وغيرهما، يكتبون بالرغم من ظروفهم وطباعهم.

ربما كان التغلب على هذه العقبة هو «طقس العبور» الذي يتحقق به الإبداع. فلا البوهيمية أو الالتزام دافع للإبداع، بل التغلب على عائق الطبع وظروف الحياة.

جرت قديمًا مناظرة بين أبي الوليد الباجي، العالم المالكي، وابن حزم الأندلسي، إمام أهل الظاهر، انتصر فيها ابن حزم.

فقال الباجي: «أنت طلبت العلم وأنت معان عليه، تسهر بمشكاة ذهب (نشأ ابن حزم في قصور الأمراء والأكابر)، وطلبته وأنا أسهر على قنديل الحرس في السوق (عمل الباجي في صباه حارسًا ليستطيع الاطلاع ليلًا مستغلًا مشاعل الحراسة)». تنازع الباجي وابن حزم أيهما تخدمه هذه الحجة. لكن ما يظهر منها أن ثراء نشأة ابن حزم هو كفقر الباجي، معين من ناحية وعائق من ناحية.

فصاحب المال، كما برر ابن حزم، لا يحتاج للعلم، فقد حقق الرياسة والرفعة بماله. فهذا أمر يحجبه عن حماس الطلب. وهو صحيح كحجة الباجي أن الفقر مانع من طلب العلم. لكن ربما برز العالمان لأن كل واحد منهما اجتاز عقبته الخاصة. ليس الفقر كالغنى، لكنهما سواء كعقبة.

كذلك ربما يبدع الروائي على الرغم من بوهيميته أو التزامه، لا بفضل واحد منهما. فإن صح هذا، فلعل محفوظ الملتزم ليس مختلفًا عن ميلر الصاخب. وربما يحتاج كل كاتب لعقبته، كما يحتاج معاناته.

فالمعاناة التي اشتهر بين الناس أنها تولد الإبداع ليست معاناة شظف العيش بالضرورة. لكن معاناة المبدع النفسية يلتقي فيها الفقير والغني. فمحفوظ الملتزم ربما لم يكن مختلفًا عن ميلر الفوضوي.