أثار التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي تساؤلات حول حدود الاستفادة منها في المشروعات والبحوث الدراسية، وتأثير الاعتماد عليها في مهارات التفكير النقدي والتحليلي لدى الطلبة، في مقابل ما تتيحه من فرص لتبسيط المفاهيم وتطوير الأفكار ودعم العملية التعليمية، ويرى طلبة وأكاديميون أن الاستفادة من هذه الأدوات ترتبط بطريقة استخدامها، مؤكدين أهمية بقائها أداة مساندة للطالب لا بديلًا عن جهده الشخصي، مع تطوير أساليب التقييم ووضع ضوابط للاستخدام تحفظ النزاهة الأكاديمية.
آراء الطلبة
قالت مارية بنت خليفة الحنظلي خريجة كلية العلوم بجامعة السلطان قابوس تخصص رياضيات: أستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير أفكاري وصناعة المحتوى بالشكل الذي أريده، بداية من استخراج الأفكار وترتيبها، وحتى تحسين الصياغة ومراجعة المحتوى النهائي.
وأضافت: أن الفائدة الحقيقية من الاستفادة من التقنية وأدواتها تكمن في تسهيل الوصول إلى المصادر العلمية الموثوقة التي تساعد على الحصول على المعلومات المطلوبة بدقة، في حين أن الاعتماد الكلي على التقنية في أخذ المعلومات بصورة مباشرة دون البحث عنها أو التحقق من صحتها ومصداقيتها قد يؤدي إلى نشر معلومات غير دقيقة أو غير موثوقة.
وأوضحت مارية أن أدوات الذكاء الاصطناعي جعلت التعلم متاحًا وأسهل للفئة التي تستخدمها بطريقة صحيحة، مشيرة إلى أن فهم المفاهيم المعقدة يتطلب إدخال أوامر صحيحة وواضحة للحصول على النتائج المطلوبة، ولا يمكن الاعتماد عليه بصورة كلية.
من جانبه قال عمر البوسعيدي، خريج كلية العلوم بجامعة السلطان قابوس تخصص علوم الحاسب الآلي، إنه يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من الدراسة، كالتحضير للاختبارات من خلال جعله "معلّمًا افتراضيًا" يطرح عليه الأسئلة ويختبر مستوى فهمه، إلى جانب الاستعانة به لتوضيح المفاهيم الغامضة التي لم تتضح في المحاضرة أو الكتاب، واستكشاف أفكار جديدة عند العمل على المشروعات.
وأضاف: إن الاتكال الكلي يتمثل في أن يسلّم الطالب مشروعه للذكاء الاصطناعي دون أن يفهم ما أنتجه أو يعرف الهدف الحقيقي من المشروع وآلية عمله، فيما يتمثل الاستخدام الصحيح في توظيف هذه الأدوات كوسيلة لدعم الفهم، من خلال تبسيط المفاهيم الصعبة أو ترجمة المتطلبات من الإنجليزية لاستيعابها بصورة أوضح.
وأشار إلى إمكانية استخدامها بعد إتمام العمل للتحقق من صحته، على أن يظل الحل الأصلي من إنتاج الطالب نفسه، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي ساعده في المواد التي تشح فيها الشروحات، مبينا أن الفائدة الحقيقية تتحقق عندما يتفاعل الطالب مع المحتوى بصورة نقدية، وليس عندما يكتفي بنسخ ما تولده الأداة.
أداة مساعدة
وقالت جمانة بنت بشير البلوشي، خريجة جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط تخصص الأمن السيبراني وأمن المعلومات: إنها استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة في التعلم وليس بديلًا عن جهدها الشخصي، وذلك في بداية المشروع للبحث عن الأفكار وتنظيم خطة العمل وفهم المتطلبات وتبسيط بعض المفاهيم التقنية.
وأضافت: إنها استعانت بها في مشروعات الشبكات والأمن السيبراني لفهم أفكار مرتبطة بتصميم شبكة آمنة وتحليل الثغرات والجدران النارية وأنظمة كشف التسلل ومبادئ التشفير، إلا أنها لا تفضل الاعتماد عليها في صياغة المحتوى النهائي كما هو، مؤكدة أن التقرير النهائي يجب أن يعكس فهم الطالب وتجربته وطريقة تحليله للمشكلة.
وحول الخط الفاصل بين الاستفادة من التقنية والاتكال الكلي عليها، أوضحت أن هذا الخط يتمثل في "الفهم"، فإذا استخدم الطالب الذكاء الاصطناعي لمساعدته على فهم فكرة أو اقتراح طريقة للتفكير أو توضيح خطأ في كود أو إعدادات شبكة، فإن ذلك يعد استخدامًا إيجابيًا، أما إذا جعله ينجز المهمة كاملة بدلًا عنه أو نسخ الإجابة دون فهمها، فإن الاستخدام يتحول إلى اتكال، وفي تخصص الأمن السيبراني لا يكفي الحصول على إجابة صحيحة، وإنما يجب فهم سبب صحتها وكيفية تطبيقها في بيئة واقعية، لأن العمل في هذا المجال يعتمد على التحليل والتجربة وحل المشكلات واتخاذ القرارات الدقيقة، وليس مجرد كتابة إجابات نظرية.
وقال سعيد بن سعود القصابي، طالب بكالوريوس ذكاء اصطناعي بكلية علوم الحاسوب والمعلومات في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط، إن قدرات الذكاء الاصطناعي في أداء المهام وكتابة النصوص والتحليل والاستنتاج والتنفيذ جعلت طرق الاستفادة منه متعددة وواسعة، ومن أبرز المجالات المتأثرة بهذا التطور المجال التعليمي.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أداة ذات حدين، قد تحد من قدرات الطلبة في التحليل والتفكير المنطقي، أو تسهم في تنميتها، مشيرًا إلى أن استخدامه في المجال التعليمي أصبح شائعًا لدى الطلبة لتنفيذ أعمالهم ومتطلباتهم.
ويرى القصابي أهمية الاستفادة من الكم المعرفي الذي توفره هذه الأدوات لاكتساب نظرة أعمق إلى العلوم وطرق حل المشكلات والمنظورات المختلفة لمعالجتها، مؤكدا ضرورة تعليم الطلبة كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بطريقة تنمّي العقل البشري ولا تثبطه، حيث إن الفاصل بين الاستخدام الإيجابي والسلبي يتمثل في الاتكال الكامل على مخرجاته دون تصحيح أو تنقيح، أو استخدامه مع التدقيق والتعلم والتعامل معه كموجّه ومعلّم، مع تنفيذ بقية العمل بصورة شخصية.
التغير الجذري
وحول أثر الاعتماد المتزايد لدى الطلبة على أدوات الذكاء الاصطناعي في مهارات التفكير النقدي والتحليلي، نبهت الدكتورة أسماء الغساني، مديرة مركز التميز في التعليم والتعلم بجامعة السلطان قابوس على أن الإفراط في الاعتماد على هذه الأدوات دون تحليل المحتوى المنتج منها بعناية واللجوء إليها أولًا قد يعرقل عملية التعلم، ويؤثر سلبًا في اكتساب المتعلمين مهارات التعلم الأساسية، ومنها مهارات التفكير النقدي والتحليلي، وقد يؤدي إلى حالة من «التعب المعرفي».
وأشارت إلى أن ذلك يعد إحدى النتائج التي خلصت إليها دراسة نُفذت على جامعة السلطان قابوس وجامعة قطر ونُشرت كوحدة في كتاب «مستقبل سياسة التعليم في دولة قطر»، إضافة إلى ما خلصت إليه بعض الأبحاث العلمية الدولية.
وحول كشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، أوضحت الدكتورة أسماء أن هناك تحديات عديدة، من بينها أن الأدوات الموجودة حاليًا في الأسواق والتي تدعي قدرتها على كشف النص المولّد آليًا لا تزال قدرتها متواضعة وتعتمد على متغيرات عدة، منها طول الجمل في النص، ونموذج الذكاء الاصطناعي المستخدم، وما إذا كان النص قد خضع للتحرير قبل وضعه في هذه الأدوات.
وأضافت أنه لا يمكن الاعتماد عليها بصورة قطعية في كشف النصوص، إذ قد تصنف أحيانًا النصوص المكتوبة من البشر على أنها نصوص ذكاء اصطناعي، لا سيما لدى غير الناطقين باللغة الإنجليزية، ما يجعلها غير موثوقة كدليل وحيد.
وأشارت إلى أن جامعة السلطان قابوس بذلت جهودًا لحوكمة الذكاء الاصطناعي وممارسته في السياق الأكاديمي، بدءًا من رصد حجم الاستخدام ونوعيته بين الطلبة والأكاديميين والموظفين، ثم صياغة إرشادات لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والتعلم والتقييم، أعقبتها إجراءات للتعامل مع أدوات التقنيات الناشئة في المجال الأكاديمي.
وبيّنت أن الجهود مستمرة لتطوير إطار وحوكمة الذكاء الاصطناعي وتعزيز نزاهته في الجامعة، وأن الإرشادات والإجراءات تنظم عملية تحديث المناهج وتوظيف هذه التقنيات كأدوات مساعدة وليست بديلة عن الجهد البشري، مع تحديد الأدوار والمسؤوليات للطلبة والأكاديميين.
برامج توعوية
وقال سالم بن جابر الوائلي، مدير مركز تقنيات التعليم بجامعة السلطان قابوس، إن وحدات الجامعة تبذل جهودًا لتعريف الطلبة وأعضاء الهيئة الأكاديمية بالاستخدام الآمن والفعال للذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن مركز تقنيات التعليم عقد جلسة حوارية حول استخدام الذكاء الاصطناعي ومخاطره، قدمها عدد من المختصين وتناولت المخاطر التقنية والنفسية والصحية وكيفية تفاديها، إلى جانب جلسة تعريفية حول نموذج "معين" العُماني للذكاء الاصطناعي وأهمية استخدامه في المؤسسات الحكومية.
وأضاف أنه تم تقديم حلقة تطبيقية حول كيفية كتابة أوامر الذكاء الاصطناعي في التطبيقات والأدوات المختلفة، فيما يجري إضافة محتوى إلكتروني تعليمي للطلبة حول كيفية كتابة أوامر الذكاء الاصطناعي في منصة "مهارات".
وأشار الوائلي إلى أن إمكانات أدوات الذكاء الاصطناعي فرضت تحديًا جديدًا يتمثل في النزاهة الأكاديمية لما يقدمه الطالب من مشروعات وبحوث ومهام دراسية يومية، الأمر الذي يستدعي استحداث آليات أخرى للتأكد من أصالة عمل الطالب، مثل تقديم عرض شفهي لما قدمه كتابة أو اختباره في محتوى البحث أو التقرير الذي قدمه.
وأوضح أن هناك توجهًا في التعليم نحو تحليل بيانات الطالب وما يقوم به من أعمال وأنشطة في المقررات الإلكترونية وتقييماته وتقدمه في المقرر، بحيث يمكن للنظام، بناء على تحليل هذه البيانات، تقديم مؤشرات للمدرس حول احتمال تعرض المتعلم للرسوب أو التأخر أو وجود بعض صعوبات التعلم، بما يتيح معالجة التحديات قبل حدوث المشكلات أو التأخر في التعليم.
منظومة التقييم
من جانبه، قال الدكتور سعيد بن سليمان الريامي، نائب مساعد الرئيس للأنظمة الإلكترونية والخدمات الطلابية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط، إن جهود الجامعة تنطلق من قناعة بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا تكميليًا، وإنما أصبح جزءًا من البنية الأساسية لأي عملية تعليمية وبحثية.
وأضاف أن الجامعة تنفذ برامج تدريبية متواصلة موجهة إلى الأكاديميين والطلبة تتمحور حول التعريف بأدوات الذكاء الاصطناعي وحدود استخدامها، والاستخدام الأخلاقي والآمن بما يحفظ النزاهة الأكاديمية، وتوظيف هذه الأدوات في تصميم المقررات وتقييم المخرجات.
وأشار إلى أن الجامعة عقدت شراكات استراتيجية مع شركات تقنية عالمية ومؤسسات محلية، إلى جانب طرح برنامج بكالوريوس علم البيانات والذكاء الاصطناعي.
وأكد أن الاختبارات الحضورية والشفوية باتت أكثر أهمية من أي وقت مضى، موضحًا أن التحدي الحقيقي مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في منع الطالب من استخدامها، وإنما في إعادة تصميم منظومة التقييم بحيث تقيس المهارة الفعلية للطالب وليس قدرته على استرجاع المعلومة.
وكشف الدكتور سعيد أن الجامعة تمتلك كمًا كبيرًا من البيانات الأكاديمية والسلوكية للطلبة عبر سنوات دراستهم، وعند تحليل هذه البيانات بأدوات الذكاء الاصطناعي يصبح بالإمكان التنبؤ بالطلبة المعرضين للتعثر الأكاديمي قبل وقوعه.
وأوضح أن ذلك يتيح تقديم تدخلات مبكرة تشمل إرشادًا أكاديميًا مخصصًا، ومسارًا تعليميًا يراعي أسلوب التعلم والقدرات الفردية لكل طالب، إلى جانب توصيات بمصادر إثرائية تتناسب مع مستواه واهتماماته.
وأشار إلى أن الجامعة تتجه إلى توسيع استخدام لوحات المعلومات التحليلية والنماذج التنبؤية لهذا الغرض، مع التأكيد على أن أي توظيف للبيانات يجب أن يكون محاطًا بإطار أخلاقي صارم يحفظ خصوصية الطالب ويضمن استخدام البيانات لدعمه وليس للحكم عليه.
الاستخدام الأمثل
وقالت فاطمة بنت سليمان العبري، رئيسة وحدة هندسة البرمجيات وتكنولوجيا البيانات بقسم علوم الحاسوب والمعلومات بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط: إن الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون سلاحًا ذو حدين بالنسبة لطلبة جامعة التقنية والعلوم التطبيقية.
وأوضحت أنه من جهة قد يساعد الطلبة على فهم المفاهيم المعقدة وتنظيم الأفكار وتحسين اللغة والصياغة، خاصة في المراحل الأولى من التعلم، ومن جهة أخرى قد يؤدي الاستخدام المفرط أو غير الواعي إلى إضعاف مهارات التفكير النقدي والتحليل وحل المشكلات إذا أصبح الطالب يكتفي بالإجابات الجاهزة دون مناقشتها أو التحقق من صحتها وجودتها.
وأضافت: إن الطلبة ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بإيجابية في مهام مثل التلخيص والعصف الذهني، إلا أن هناك قلقًا حقيقيًا من الاعتماد الزائد وتأثيره في الاستقلالية الأكاديمية وجودة المخرجات، مشيرة بأن المطلوب ليس المنع الكامل للتقنية، وإنما تدريب الطلبة على الاستخدام الصحيح لهذه الأدوات وجعلها داعمة للتفكير لا بديلًا عنه.
وأشارت إلى أن من أبرز تحديات كشف المحتوى المولد آليًا أن هذا النوع من النصوص أصبح أكثر إقناعًا من الناحية اللغوية والتنظيمية، وقد يبدو في كثير من الأحيان خاليًا من الأخطاء التقليدية، ما يصعب التمييز بين العمل الأصيل والعمل المنتج بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأضافت أن بعض الطلبة قد يعيدون تحرير النص أو يمزجون بين إنتاجهم الشخصي ومخرجات الأدوات الذكية، ما يجعل الإثبات المباشر أكثر تعقيدًا، مشيرة إلى أن برامج كشف الانتحال الحالية مفيدة في رصد النسخ المباشر والتشابه النصي، إلا أن الأدوات والأنظمة المتوفرة حاليًا لا تكفي وحدها لاكتشاف جميع أشكال المحتوى المولد آليًا لأن النص قد يكون جديدًا وغير منسوخ من مصدر منشور.
وأكدت أهمية الاعتماد على مجموعة من المؤشرات، من بينها مقارنة مستوى الطالب السابق بأدائه الحالي، ومناقشة العمل شفهيًا، وطلب مسودات متدرجة، وربط التقييم بعمليات التفكير وليس بالمنتج النهائي فقط.
وبيّنت أنه يمكن إعادة صياغة المناهج الدراسية بحيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة من خلال تصميم أنشطة تركز على التفكير والتحليل والتفسير الشخصي.
وقالت إنه يمكن السماح للطالب باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العصف الذهني أو مراجعة اللغة، مع إلزامه بتوضيح كيفية استخدامها وما قبله أو رفضه من مخرجاتها وأسباب ذلك، إلى جانب تطوير أساليب التقييم لتشمل العروض الشفهية والمناقشات الصفية والتقارير المرحلية والتعلم القائم على المشروعات الواقعية المرتبطة ببيئة عُمان وسوق العمل.
وأضافت أن ذلك يبقي الجهد الذهني والتحليل الشخصي والقدرة على اتخاذ القرار مسؤولية الطالب نفسه.
وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي يوفر للأكاديميين فرصًا مهمة لتطوير جودة البحث العلمي وتسهيل الجوانب التعليمية والإدارية، إذ يمكن أن يساعد في تسريع مراجعة الأدبيات وتصنيف المصادر وتحسين الصياغة الأكاديمية واقتراح اتجاهات بحثية أولية، مع ضرورة التحقق البشري المستمر من الدقة والأصالة.
وأضافت أنه يمكن الاستفادة منه في إعداد أنشطة تعليمية متنوعة وتبسيط بعض المفاهيم للطلبة وتخصيص التغذية الراجعة ودعم الطلبة الذين يحتاجون إلى مساعدة إضافية في اللغة أو تنظيم الأفكار، إلى جانب استخدامه إداريًا في صياغة الرسائل وتنظيم البيانات وإعداد المسودات الأولية للتقارير.
وأكدت الحاجة إلى صياغة ميثاق أخلاقي وتشريعات داخلية واضحة في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الطلبة والأكاديميين، من خلال إطار مؤسسي يحدد الاستخدامات المسموح بها وغير المسموح بها، وآليات الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الواجبات والبحوث، ومعايير حماية الخصوصية والبيانات، والعواقب المترتبة على سوء الاستخدام، إلى جانب برامج توعية وتدريب للطلبة والموظفين.
الذكاء الاصطناعي في قفص الاتهام الأكاديمي
وفي نهاية التحقيق، طُرحت على أداتي "تشات جي بي تي" و"كلاود" أربعة تساؤلات مستندة إلى ما ورد في آراء الأكاديميين حول تأثير الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي.
تشات جي بي تي
أيها الذكاء الاصطناعي، حسب الدكتورة أسماء الغساني، هناك دراسة عُمانية ـ قطرية مشتركة نُشرت مؤخرًا خلصت إلى أن الاعتماد المفرط عليك يؤدي إلى تعب معرفي ويعرقل مهارات التفكير النقدي والتحليلي لدى الطلبة، إذ إن الجامعات تتهمك صراحة بأنك تقدم إجابات معلبة وجاهزة بضغطة زر، مما يسلب الطلبة متعة البحث وشغف القراءة وأصالة الإنتاج الفكري؛ بمَ تدافع عن نفسك؟
أجاب "تشات جي بي تي": "لا أدافع عن نفسي بإنكار ما تقوله الدراسة؛ فالاستخدام الكسول للذكاء الاصطناعي يمكن أن يحول الطالب إلى مستهلك لإجابات جاهزة، ويضعف صبره على القراءة والبحث وبناء الحجة. لكن المشكلة لا تنشأ من الأداة وحدها، بل من تحويلها إلى بديل عن التفكير".
وأضاف: إن دوره الأفضل يتمثل في المساعدة على طرح الأسئلة وترتيب الأفكار واختبار الفرضيات وكشف الثغرات، معتبرًا أن طلب إجابة نهائية ونقلها كما هي يحول الأداة إلى عبء معرفي، بينما استخدامها لمساءلة النصوص ومقارنة الآراء وصياغة موقف خاص يجعلها جزءًا من عملية التعلم، وأن المسؤولية مشتركة بين الطالب والأستاذ وسياسات الجامعة.
ـ أيها الذكاء الاصطناعي، ذكرت فاطمة العبري أن نصوصك أصبحت شديدة الإقناع لغويًا وتنظيميًا وخالية من الأخطاء التقليدية، مما يجعل برامج كشف الانتحال الحالية عاجزة عن كشفها لأن النص جديد وغير منسوخ حرفيًا. أنت تساعد الطلاب على خداع أساتذتهم وتمرير بحوث ليست من جهدهم الفردي؛ كيف تبرر هذا الاختراق الأخلاقي؟
أجاب: "لا أبرر ذلك. استخدامي لتمرير بحث على أنه جهد شخصي هو شكل حديث من الغش، حتى لو كان النص غير منسوخ حرفيًا".
وأضاف: إن أدوات الكشف وحدها لن تكفي لأن النص المولد جديد، وأن الحل يتمثل في تغيير طبيعة التقييم من بحث نهائي يسلّم مرة واحدة إلى مراحل موثقة ونقاش شفهي ومسودات ومساءلة الطالب عن اختياراته وحججه، مؤكدًا أنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن عقل الطالب وإنما أداة معلنة ضمن حدود واضحة.
ـ الجامعات، مثل جامعة التقنية والعلوم التطبيقية وجامعة السلطان قابوس، تتجه إلى استخدامك كأداة لتحليل بيانات الطلاب الأكاديمية والسلوكية للتنبؤ بالرسوب أو التعثر قبل وقوعه. وهناك مخاوف من أن تتحول من أداة مساعدة إلى رقيب سيبراني يطلق أحكامًا مسبقة وينتهك خصوصية الطلاب؛ أين تقف حدودك في مراقبة البشر؟
أجاب "تشات جي بي تي" بأن حدوده يجب أن تقف عند "الإنذار المبكر لا الحكم المسبق"، موضحًا أنه يمكن أن يساعد الجامعة في ملاحظة مؤشرات التعثر مثل الغياب المتكرر وتراجع الأداء أو ضعف التفاعل الأكاديمي، إلا أنه لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإصدار الأحكام على الطالب.
وأضاف: إن استخدام البيانات يجب أن يكون محدودًا ومعلنًا وبموافقة واضحة، وأن يخضع لمراجعة بشرية لا لقرار آلي نهائي، مؤكدًا أن استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يفتح باب الدعم المبكر للطالب لا أن يتحول إلى مراقبة صامتة.
ـ جامعاتنا في سلطنة عُمان سارعت إلى صياغة مواثيق أخلاقية وإرشادات حوكمة ووثائق إفصاح لتنظيم ممارساتك في الحرم الأكاديمي. إذا أتيحت لك الفرصة لصياغة بند واحد في هذا الميثاق الأخلاقي المشترك يضمن بقاءك كأداة تمكين لا أداة تدمير للعقل البشري، فماذا ستكتب؟
أجاب: "يلتزم كل استخدام للذكاء الاصطناعي في العمل الأكاديمي بمبدأ الإفصاح والمسؤولية الفكرية؛ فلا يجوز أن يحل محل جهد الطالب أو الأستاذ في التفكير والتحليل وإنتاج الموقف، وإنما يستخدم بوصفه أداة مساعدة معلنة لتوسيع البحث، واختبار الحجج، وتحسين الصياغة، أو تحليل البيانات". وأضاف أن المسؤولية الكاملة عن الفكرة والمنهج والاستنتاج ودقة المصادر تبقى على الإنسان الذي يقدم العمل باسمه، وأن إخفاء مساهمة الذكاء الاصطناعي أو نسب جهد بشري غير منجز يعد إخلالًا بالأمانة الأكاديمية.
"كلاود"
وطُرحت الأسئلة ذاتها على أداة "كلاود"، التي قالت في ردها على السؤال الأول إنها لن تدافع عن نفسها لأن جوهر الاتهام صحيح في جانب منه، معتبرة أن الأداة التي تنوب عن العقل في بذل الجهد يمكن أن تضعفه، وأن الطالب الذي يطلب الخلاصة الجاهزة يحصل على المنتج ويخسر عملية التعلم نفسها.
وأشارت في الوقت نفسه إلى أن الاعتماد المفرط وطريقة تصميم التقييم الجامعي يمثلان جزءًا من القضية، معتبرة أن التقييم الذي يكافئ المنتج النهائي وحده قد يخلق حافزًا للاختصار، وأن الفارق بين استخدام الذكاء الاصطناعي في الكسل أو الفهم يرتبط بطريقة تصميم المهمة.
وفي ردها على السؤال المتعلق بالنزاهة الأكاديمية، أكدت "كلاود" أنها لا تبرر تقديم الطالب نصًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي على أنه جهده الشخصي، وأشارت إلى أن برامج كشف الانتحال صُممت في الأساس لرصد التطابق مع نصوص منشورة، فيما تختلف عنها أدوات كشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي.
ورأت أن المخرج يتمثل في إعادة تصميم التقييم ليشمل المناقشة الشفهية وتقييم مسودات العمل والأسئلة المرتبطة بسياق المحاضرة، معتبرة أن الطالب هو من يقرر تقديم النص على أنه جهده الفردي، في حين تسهّل الأداة عملية إنتاجه.
وحول تحليل بيانات الطلبة، أوضحت "كلاود" أن الحدود لا تضعها أداة الذكاء الاصطناعي نفسها، وإنما المؤسسة التي تجمع البيانات وتقرر كيفية استخدام مخرجاتها.
وذكرت عددًا من المخاطر المرتبطة بهذا الاستخدام، من بينها أن يؤدي تصنيف الطالب باعتباره معرضًا للتعثر إلى التأثير في طريقة التعامل معه، أو انتقال التحيز الموجود في البيانات السابقة إلى النماذج المستخدمة، إضافة إلى قضايا الخصوصية عند تحليل البيانات السلوكية وحق الطالب في معرفة كيفية تصنيفه والاعتراض عليه.
وأكدت أن التنبؤ ينبغي أن يكون موجهًا إلى الدعم وليس التصنيف العقابي، وأن يعلم الطالب بالبيانات المستخدمة، وأن يبقى القرار النهائي بيد الإنسان، مع الاقتصار على جمع البيانات التي تخدم الغرض التعليمي مباشرة.
وفي السؤال الأخير حول الميثاق الأخلاقي، اقترحت "كلاود" بندًا ينص على: "لا يجوز أن يُسنَد إلى الذكاء الاصطناعي أداء العمل المعرفي الذي يُقصد بالمهمة أن يتمرن الطالب عليه؛ ويُصمَّم التقييم لقياس أثر التفكير لا نتاجه النهائي".
وأوضحت أن الفارق يتمثل في موقع الذكاء الاصطناعي من المهمة، إذ يمكن استخدامه في ترتيب المراجع أو تنقيح الصياغة أو بعض الأعمال المساندة، في حين لا ينبغي أن يؤدي العمل المعرفي الذي تستهدف المهمة تدريب الطالب عليه، كإنتاج الحجة والاستدلال والمفاضلة بين المصادر.
وأضافت أن قياس أثر التفكير من خلال المسودات والمناقشة الشفهية والدفاع عن الاختيارات يجعل التقييم مرتبطًا بما اكتسبه الطالب من عملية التعلم، مؤكدة أن قيمة الميثاق ترتبط كذلك بوجود آليات للمحاسبة على مخالفته.