عندما تفرِض الحكومات عقوبات اقتصادية، مثل عقوبات «يوم الحسم الاقتصادي» التي يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب حاليا على إيران، فإنها تصور هذه العقوبات على أنها أداة دقيقة ــ مشرط وليس سيفا ــ قادرة على الضغط على النخب الحاكمة مع تجنب الإضرار بالمواطنين العاديين.
استُخدِمَت هذه الرواية لتبرير بعض من أكثر تدابير الإكراه الاقتصادي شمولا في التاريخ الحديث. المشكلة الوحيدة هي أن الفرضية الأساسية التي تستند إليها غير صحيحة.
إن الحجة ضد العقوبات ليست استراتيجية فحسب ــ أي أنها نادرا ما تحقق أهداف السياسة الخارجية المعلنة ــ، بل هي حجة أخلاقية أيضا.
فالعقوبات، وخاصة المالية منها، لا تقع بالتساوي على السكان، بل تقع بأكبر قدر من الشدة على أولئك الأقل قدرة على تحمل وطأتها: من أصحاب الدخل المتدني، والمعتمدين على الأجور، والموظفين في القطاع العام.
وبالتالي، فإن أي شخص يدّعي الاهتمام بأخلاقيات ممارسة السياسة القسرية يجب أن يواجه حقائقها المرتبطة بالتوزيع بذات القدر من الدقة المطبقة على المسائل المرتبطة بالتكتيكات العسكرية.
وثقت أبحاث شملت عدة بلدان على مدار عقود من الزمن حقيقة مفادها أن العقوبات الاقتصادية تقلل من نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتوسع فجوة التفاوت في الدخل، وتزيد من معدل الوفيات بين الأطفال، وتحد من القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية، وتوسع نطاق انعدام الأمن الغذائي في الدول المستهدفة.
هذه ليست تأثيرات هامشية؛ فقد وجدت إحدى الدراسات أن العقوبات الأمريكية تسببت في إحداث فجوة فقر أكبر بنحو 3.8 نقطة مئوية في البلدان المستهدفة مقارنة ببلدان مماثلة غير خاضعة للعقوبات.
وأثبتت دراسة أخرى أن العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة تسببت في خفض متوسط العمر المتوقع بمقدار 1.2 إلى 1.4 سنة. هذه إحصائيات عن أضرار جماعية، تصف الأضرار التي تلحق بالأسر، وليس القصور.
بيد أن الأدلة المستقاة من مختلف البلدان، رغم كونها دامغة، لم توضح لنا دائما وعلى وجه الدقة من يتحمل أي عبء داخل المجتمع الخاضع للعقوبات.
في دراسة جديدة تستخدم بيانات مصغرة مفصلة مستمدة من استطلاعات دخل ونفقات الأسر الإيرانية ومقاييس الرفاهية المستندة إلى نظرية المستهلك، نعمل على تحديد حجم الخسائر النقدية في الرفاهة التي لحقت بالأسر الإيرانية جراء العقوبات المالية المرتبطة بنظام SWIFT التي فُرِضَت بقيادة الولايات المتحدة في عام 2012.
أدت عقوبات 2012 إلى قطع كل البنوك الإيرانية عن نظام المدفوعات العالمي في إطار عملية الفصل المالي الأكثر شمولا التي تُفرَض على أي اقتصاد كبير.
ونتيجة لهذا كانت خسائر الأسر الإيرانية الأكثر فقرا أكبر بنحو 2.3 إلى 2.8 ضعفا، كنسبة من إنفاقها الحقيقي (المعدل حسب التضخم) قبل فرض العقوبات مقارنة بخسائر الأسر الأعلى دخلا، وخسرت الأسرة المتوسطة 13% إلى 42% من قوتها الشرائية قبل فرض العقوبات.
وبالتالي، فإن العقوبات المالية تعكس التوقعات التوزيعية التي ترتبط عادة بالعقوبات التجارية أو العقوبات المفروضة على السلع الأساسية. إنها ليست ضارة فحسب، بل إنها رجعية.
هذا الطابع الرجعي ليس عرضيا؛ بل يعكس آليات عمل العقوبات المالية؛ فعندما يُعزل بلد ما عن نظام المدفوعات العالمي يفقد القدرة على معالجة المعاملات الدولية، واستيراد السلع الوسيطة، والحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي. والنتيجة المباشرة هي التضخم الذي يؤثر بشكل غير متناسب على السلع الاستهلاكية المستوردة والمدخلات التي تعتمد عليها الأسر العادية.
ولأن الأسر الأكثر ثراء تميل إلى امتلاك أصول أكثر تنوعا، ومخزونات من العملات الأجنبية، وإمكانية الوصول إلى القنوات المالية غير الرسمية، فإنها تستطيع حماية نفسها جزئيا بينما تتحمل الأسر الأكثر فقرا صدمة الأسعار بالكامل.
والتأثير القطاعي غير متكافئ على نحو مماثل؛ فالعاملون في قطاعات مثل التصنيع والخدمات المندمجة بعمق في سلاسل التوريد الدولية، وتعتمد على مدخلات مستوردة، يعانون بشكل غير متناسب، كما يتحمل موظفو القطاع العام، الذين تُدفع رواتبهم بعُملة تنهار قيمتها الحقيقية مع تفاقم تأثير العقوبات، عبئا هائلا.
في الحالة الإيرانية احتاجت الأسر التي يعيلها موظفو القطاع العام إلى تعويضات تزيد بنسبة 35%-41% عن نظيراتها في القطاع الخاص للحفاظ على مستوى معيشتها قبل فرض العقوبات. واحتاج العاملون في قطاعي التصنيع والخدمات، إلى تعويضات تزيد بنسبة 37% -42% عن العاملين في قطاعي الزراعة والبناء.
هذه ليست مجرد أفكار مجردة. إنها تمثل خسائر حقيقية في التغذية، والصحة، والتعليم، والكرامة لملايين الأسر التي لا صوت لها في النزاعات الجيوسياسية التي تسببت في إفقارها.
في اقتصاد العقوبات السياسي المنحرف تُبرَّر هذه المعاناة الشعبية باعتبارها وسيلة للضغط على الحكومة المستهدفة. لكن هذا نادرا ما يحدث. لقد أثبتت الأنظمة الاستبدادية براعة ملحوظة في عزل نفسها عن المعاناة الاقتصادية الواقعة على السكان المهمشين.
بعد عقوبات عام 2012 حافظ الإيرانيون من ذوي الصلات السياسية على قوتهم الشرائية الحقيقية في حين عانى العاملون بأجر في القطاع العام ــ المعلمون، والعاملون في التمريض، والموظفون المدنيون ــ من انهيار في مستويات معيشتهم.
قد يزعم بعض المراقبين أن صُنّاع السياسات في غياب العقوبات لا يملكون أي أداة باستثناء القوة العسكرية، لإجبار أي حكومة على تغيير سلوكها. لكن هذا، أيضا، غير صحيح.
فالعزلة الدبلوماسية، والإدانات المتعددة الأطراف، وتجميد الأصول الموجه، وفرض القيود على تأشيرات سفر النخب الحاكمة، والبناء الصبور لآليات المساءلة القانونية الدولية، جميعها تنطوي على تكاليف إنسانية أقل كثيرا.
السؤال ليس ما إذا كان ينبغي للدول أن تمتلك أدوات للسياسة الخارجية، بل ما إذا كانت أي أداة تفرض حجم الضرر الذي يلحق بالمدنيين ــ والموثق في الأدبيات المرتبطة بالعقوبات ــ يمكن اعتبارها شرعية في ظل ذات الأطر الأخلاقية والقانونية التي نطبقها على النزاعات المسلحة.
في أوقات الحرب، يحد مبدأ التناسب من الأضرار المسموح بها التي تلحق بالمدنيين في سبيل تحقيق أهداف عسكرية؛ ومع ذلك، لا يوجد مبدأ مكافئ يحكم الإكراه الاقتصادي.
تُفرض العقوبات بشكل روتيني، وتُشدد، وتُصان لسنوات أو عقود من الزمن دون حساب منهجي يُذكَر لتكاليفها البشرية. ويُعامل الضرر الذي تلحقه بالمدنيين على أنه ضرر جانبي مؤسف، وليس نتيجة أخلاقية مباشرة لاختيارات الدولة التي تفرض العقوبات.
هذا التناقض لا يمكن الدفاع عنه؛ فإذا كان من غير الجائز قصف محطة مدنية لمعالجة المياه، فينبغي أيضا أن يكون من غير الجائز عزل بلد ما عن النظام المصرفي العالمي عندما يكون الأثر المتوقع والموثق هو حرمان الأسر المتدنية الدخل من ثلث دخلها الحقيقي أو أكثر.
هذه ليست حجة لصالح التقاعس في مواجهة العدوان أو انتهاكات حقوق الإنسان؛ لكن العقوبات المالية، كما تُمارس حاليا، نادرا ما تحقق أهدافها الاستراتيجية، وتلحق ضررا متوقعا وشديدا وتراجعيا بالسكان المدنيين الذين لا يتحملون أي مسؤولية عن السياسات التي تسعى العقوبات إلى معاقبتها. هذه الأضرار ليست أكثر إنسانية؛ بل إن رصدها أصعب وتجاهلها أسهل.
لكن صُـنّاع السياسات يمتلكون الآن الأدوات التحليلية اللازمة لقياس هذه الأضرار بدقة. ما ينقصنا حتى الآن هو الإرادة السياسية اللازمة للتعامل بجدية مع هذه المقاييس.
وهذا يتطلب الاعتراف بأن أصحاب الدخل المتدني في طهران، وكاراكاس، وبيونج يانج، وموسكو هم بشر، ورفاهتهم تفرض التزامات على أولئك الذين يستخدمون معاناتهم كأداة لاكتساب النفوذ الجيوسياسي.
إلى أن تُخضَع أنظمة العقوبات لذات المعايير الإنسانية التي تخضع لها العمليات العسكرية ــ مع ذات المتطلبات لإثبات التناسب، وتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين، ومراعاة العواقب المتوقعة ــ فسوف يظل تفوقها الأخلاقي المفترض على الحرب خيالا أخلاقيا مريحا لأولئك الذين لا يتحملون أيا من تكاليفها.
جمال إبراهيم حيدر رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأمريكية
السيد محمد كريمي الرئيس المؤقت لقسم إدارة الصحة وعلوم النظم في جامعة لويزفيل.
خدمة بروجيكت سنديكيت