لا يعني النظر إلى المبادرات الثقافيّة في عُمان بوصفها شكلًا من أشكال المجال العام البحث عن تطابق كامل بينها وبين النموذج الذي قدّمه يورغن هابرماس؛ فاختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية والقانونية يجعل مثل هذا التطابق متعذرًا، وأحسب أنه غير مطلوب أصلًا.
لكن التساؤل الأهم الذي نناقشه هو التالي: ما الذي يُمكن أن تتيحه هذه المبادرات من فضاءات للقاء والحوار وإنتاج المعرفة، وما الذي يمكن أن تمنحه للأفراد من قدرة على الانتقال من الاهتمام الخاص إلى المشاركة في شأن ثقافي مشترك؟
ينطلق مفهوم المجال العام، في صورته العامة، من وجود فضاء يتاح فيه «للمؤسسات والمنتديات والأفراد أن يلتقوا بوصفهم مواطنين، في مكان تتبلور فيه الأفكار، وتنضج فيه الآراء حول قضايا تتجاوز مصالحهم الخاصة، وتعين المجتمع على التفكير العقلاني والتواصل الجمعي.
كما يرتبط وجود المجال العام بالسماح بالتعبير عن المصالح والمشاعر المتجذرة لدى الأفراد في مجالهم الخاص وفي المجتمع المدني، عبر منتديات جماعية: حلقات نقاش في المقاهي، والصالونات الأدبية، والنوادي والروابط... ويعكس هذا فكرة وجود مستوى من الفعل الاجتماعي ومن الاتصال بين الدولة والمجتمع المدني، يشكل فضاء اجتماعيا يتفاعل فيه الأفراد العاديون ويتعاونون»، بحسب أرماندو سالفاتوري مؤلف كتاب (المجال العام: الحداثة الليبرالية والكاتوليكية والإسلام- 2012م-ص 15).
غير أن هذا الفضاء لا يتحدد بمكان بعينه، ولا يتحقق بمجرد اجتماع الناس أو حضورهم فعالية عامة؛ إذ يرتبط أساسًا بنوعية التفاعل الذي ينشأ داخله، وبقدرته على إتاحة النقاش والاختلاف وتكوين رأي مشترك.
ومن هنا يمكن النظر إلى المبادرات الثقافيّة بوصفها فضاءات محتملة للمجال العام، لا لأنها تنظم الفعاليات فحسب، بل لأنها قد تفتح المجال أمام إنتاج المعرفة وتداولها، وتمنح الأفراد فرصة المشاركة في تشكيل الأسئلة الثقافية التي تخص مجتمعهم.
تؤدي المبادرات الثقافيّة فعلًا مدنيًا موازيًا لا يتعارض مع الأهداف العليا والأدوار التي تؤديها وزارة الثقافة والرياضة والشباب خدمة للمجتمع والدولة، حيث تسعى المبادرات الثقافية جاهدة إلى تبيئة الثقافة وتوطينها في المجتمع، لا سيما في الولايات.
ويبذل القائمون على المبادرات البالغ عددها إلى اليوم (62) مبادرة جهودًا كثيرة لتمويل مبادراتهم الثقافية، في ظروف ليست استثنائية بالضرورة؛ حيث إن المجتمع الذي يعترف بالثقافة وأهميتها في النهوض بالحياة الاجتماعية والسمو بذائقة الأفراد، ليس أفراده جميعهم يشجعون ما تؤديه المبادرات، وقد قلتُ في مقالة سابقة «المبادرات الثقافية: من تمويل الفعالية إلى صناعة المؤسسة» إن بعض الناس يتكلمون عن الثقافة وأهميتها ورسالتها في المجتمع، لكنهم في الواقع الفعلي يقفون بتردد كبير في دعم مبادرة ثقافية، إلا في استثناءات ضيقة جدًا.
إذا نظرنا إلى المبادرات، فعلينا التمييز، كما جاء في الجلسة الثانية بملتقى المبادرات الثقافيّة (18-19 أغسطس 2026م) على لسان أحد أصحاب المبادرات: ما النظرة التي ينظر بها صاحب المبادرة إلى نفسه؟ هل هو متطوع أم مثقف؟ كذلك يجب التفريق بين المبادرة التي تقدم خدمات مجتمعية كتأسيس فعل القراءة عبر تكوين المكتبات في الولايات، وبين مبادرة هدفها تمكين فعل السرد وتطوير أدواته، مثلما خصصت بعض المبادرات في السلطنة تمكين المنتسبين إليها من التعرّف على فنية القصة القصيرة وتطوير المقدرة على الكتابة السليمة (مجلس إشراقات) مثلًا، وهناك مبادرات أخرى أهدافها فنّ الشعر، وأخرى السرد بوجه عام، وأخرى مهتمة بالمسرح.
لقد استوقفتني تلك النقطة الفارقة في النظر إلى المبادرات الثقافيّة: هل ينظر صاحب المبادرة إلى نفسه بوصفه متطوعًا يقدم جهدًا مجانيًا لخدمة الفعل الثقافي في المجتمع (البقاء في إطار المحلية أو القطرية)، أم مثقفًا مبادرًا يعي مسؤوليته في تأسيس مشروع ثقافي له رؤية واستراتيجية وأثر (الانطلاق من المواطنة إلى العالمية)؟ ولا أرى أن الصفتين متعارضتان بالضرورة؛ فقد يكون المثقف متطوعًا، لكن الفارق يكمن في وعيه بالدور الذي يؤديه، وفي انتقال المبادرة من مجرد تنظيم الفعاليات إلى بناء مشروع ثقافي قادر على إنتاج المعرفة والحوار والتأثير. ومن هنا يصبح الأثر هو التغيير الحقيقي الذي تحدثه المبادرة في المستفيدين منها، ويُقاس بما تتركه من نتائج كمية ونوعية تستمر بعد انتهاء النشاط.
وتعرّف المبادرون على مبادرات لا تستطيع الاستمرار بسبب عدم قدرتها على توفير التمويل المناسب لإقامة فعالية تتطلّب مكانًا وشهادات للمشاركين وربما مطبوعات معينة ونثريات أخرى.
إن الصورة ليست قاتمة بالضرورة، فهناك مبادرات استطاعت أن تخلق فرصًا جيدة، بدأت من الصفر ووصلت إلى مكانة جيدة في بعض ولايات عُمان المختلفة، استثمر مؤسسوها العلاقات وبناء الشراكات وشبكات التعاون، بينما تظل بعض المبادرات التخصصية مهددة بالبقاء في الظل بسبب عدم استقرار التمويل.
ويرى بعض المبادرين، في ظل تزايد عدد المبادرات في سلطنة عمان، ضرورة وجود جهة رسمية تخصص ميزانية تدعم من خلالها المبادرات النشيطة وفق لائحة مؤسسية منظمة، لأن خدمة الثقافة والارتقاء بالمعرفة لا ينبغي أن تنبني على تراتبية مجتمعية وتحقيق الذات كما تفعل بعض المبادرات التي تحول الفعل الثقافي إلى وجاهات اجتماعية مبتعدة بذلك عن التفكير الناقد لإثراء الحياة الثقافيّة في المجتمع.
إن المبادرات الثقافية التي ينظمها قانون وزارة الثقافة والرياضة والشباب، في الأصل هي مبادرات تطوعيّة، تملك حرية إقامتها وتنفيذ برامجها في المكان المناسب المهيأ دون هيمنة أو سيطرة من أحد، ما يخولها تنفيذ فعالياتها دون قيود حادة، وتخضع بالتالي للائحة الوزارة.
والفاعلون فيها من الأعضاء، يقدمون شكلًا من أشكال الثقافة والمعرفة والوعي، دون استقلال كامل عن الدولة، وهي مسألة تصب في سياق بناء علاقة المبادرة ووعي القائمين فيها برؤية «عُمان 2040م» ومرتكزاتها على الهُوية والثقافة والتراث وبناء الإنسان.
لذلك يمكن القول إن المبادرات الثقافيّة العُمانية لا تمثل المجال العام الثقافي بصورة مكتملة، لكنها تفتح إمكانه وتختبر شروطه.
فهي تصبح أقرب إلى هذا المجال حين تخلق فضاء للحوار والنقد والمشاركة وإنتاج المعرفة، وحين تمنح الأفراد قدرة فعلية على الإسهام في الشأن الثقافي، مع احتفاظها باستقلال نسبي داخل علاقتها التنظيمية والشراكة مع الدولة والمجتمع. أما حين تكتفي بتنظيم الفعاليات أو إعادة إنتاج الخطاب السائد، فإنها تظل نشاطًا ثقافيًا مهمًا، لكنها لا تبلغ بالضرورة مستوى المجال العام.
إن أهمية هذه المبادرات، في النهاية، لا تكمن في عدد برامجها أو حجم جمهورها وحدهما، بل في نوع الأثر الذي تتركه في المجال الثقافي والاجتماعي.
فالمبادرة التي تنجح في تحويل الثقافة إلى موضوع للنقاش، والمعرفة إلى ممارسة مشتركة، والاهتمام الفردي إلى مشاركة عامة، تسهم في بناء مجال عام ثقافي يتناسب مع خصوصية عُمان.
وهي بذلك لا تقف خارج الدولة ولا تذوب فيها، بل تعمل بوصفها شريكًا مدنيًا في إنتاج الثقافة والمعرفة، شريطة ألا يتحول الانسجام إلى تبعية، وألا يتحول الاستقلال إلى عزلة عن مشروع المجتمع والدولة.