"عمان": تدخل دار الأوبرا السلطانية مسقط موسمها 2026م-2027م، وهي تستعيد خمسة عشر عامًا من حضورها في المشهد الفني والثقافي العُماني، عبر برنامج يمتد من أكتوبر المقبل حتى مايو من العام المقبل، ويضم 28 عرضًا موزعة على 43 ليلة.
ويمنح الموسم مساحته الأوسع للأوبرا والموسيقى العربية والحفلات الموسيقية والباليه والجاز والموسيقى العالمية والعروض العائلية، إلى جانب معرض يستعيد محطات خمسة عشر عامًا وبرنامج متنوع للتعليم والتواصل المجتمعي، على أن تكون البداية مع "ريغوليتو" لجوزيبي فيردي، حيث تحتل الأوبرا موقعًا محوريًا في موسم الذكرى من خلال أعمال ارتبط بعضها بمسيرة الدار الإنتاجية، بما يعكس توجهًا يتجاوز استضافة الفرق العالمية إلى صناعة إنتاجات تحمل هويتها الفنية الخاصة وتمنحها حضورًا في المشهد الأوبرالي الدولي، وتبدأ هذه الرحلة مع "ريغوليتو" لفيردي في تعاون بين دار الأوبرا السلطانية مسقط وأوبرا ومسرح باليه ليتوانيا، ويكتسب العرض خصوصيته من كونه آخر رؤية أوبرالية للمخرج فرانكو زيفيريللي، فيما صمم أزياءه ماوريتسيو ميلينوتي، ويقود الأوركسترا إيفيلينو بيدو، بمشاركة فرانكو فاسالو وإينيا سكالا والسوبرانو ماريا كوكاريفا.
ومن الأعمال التي تبرز البعد الإنتاجي للدار "سندباد: البحّار العُماني"، بموسيقى هشام جبر وتأليف نادر صلاح الدين وإخراج تشابا كايل.
ويأتي العمل في إنتاج أصلي معاصر بالتعاون مع قصر الفنون موبا بودابست، بمشاركة فنانين من أنحاء العالم العربي وأوركسترا الإذاعة المجرية السيمفونية، مستلهمًا الموروث البحري العُماني وما يرتبط به من حكايات وأجواء، ويمنح "سندباد: البحّار العُماني" التراث البحري العُماني مساحة جديدة على خشبة الأوبرا، من خلال عمل ينقل ملامح من الهوية الثقافية المحلية إلى جمهور دولي، ويقدم نموذجًا لقدرة الموروث العُماني على الدخول في صيغ فنية معاصرة والوصول إلى فضاءات الإبداع العالمي، كما يستعيد الموسم عرض "الأوبرا" في معالجة مسرحية تجمع عددًا من أشهر آريات فيردي وموتسارت وبيلّيني ومندلسون وبوتشيني، ويستند العمل إلى أسطورة أورفيوس ويوريديتشي، من إخراج دافيديه ليفرموريه وقيادة فرانشيسكو لانزيلوتا، وقد أصبح واحدًا من الأعمال المرتبطة بالهوية الفنية الخاصة لدار الأوبرا السلطانية مسقط.
وللصغار والعائلات حضورهم في البرنامج الأوبرالي من خلال عودة "الناي السحري: هزيمة الوحوش"، وهي معالجة لرائعة موتسارت تفتح هذا الفن أمام الأجيال الجديدة في قالب يجمع الموسيقى والخيال، ويشارك في الإنتاج أوركسترا مسقط الفيلهارمونية السلطانية وأوركسترا أكاديمية لا سكالا وكورال أطفال دار الأوبرا السلطانية مسقط، بقيادة موسيقية لبيتيرو ميانيتي وإخراج ستيفانو سيموني بينتور.
الحفلات العربية
يحضر الغناء العربي في الموسم الجديد عبر مجموعة من الأمسيات التي تستعيد أسماء وتجارب راسخة في الذاكرة الموسيقية العربية والخليجية، إلى جانب حضور الموروث الموسيقي العُماني، في برنامج يراهن على تنوع الأجيال والتجارب والمدارس الغنائية، وتأتي البداية مع حفل "يوم المرأة العُمانية"، الذي تشارك فيه عازفات من الأوركسترا السيمفونية السلطانية العُمانية وأوركسترا مسقط الفيلهارمونية السلطانية، بمشاركة الفنانة المصرية مروة ناجي، احتفاءً بحضور المرأة في المجال الموسيقي ودورها في المجتمع، وتستعيد "أمسية كلثوميات" أعمال أم كلثوم بمشاركة مروة ناجي ويسرا محنوش في لقاء يستحضر جانبًا من الإرث الغنائي الذي ظل حاضرًا في الذاكرة العربية.
وفي الأغنية الخليجية تعود نوال إلى مسرح الدار ببرنامج يستعرض محطات من تجربتها الفنية، بينما يقدم نبيل شعيل أمسية تستعيد مسيرة طويلة ارتبطت بتطور الأغنية الخليجية وتقاليدها الموسيقية، ويأخذ البرنامج خلال شهر رمضان منحى روحانيًا مع "أمسيات الإنشاد والمديح"، التي تجمع فرقًا من سلطنة عُمان وسوريا في عروض تستلهم تقاليد الإنشاد الصوفي، ومن ذاكرة الغناء العربي أيضًا يستعيد "تحية إلى العندليب الأسمر" إرث عبد الحليم حافظ من خلال أمسيتين يشارك فيهما مدحت صالح ومحمد عسّاف، فيما يختتم أصيل أبو بكر برنامج الحفلات العربية، مستحضرًا تجربة فنية كان لها حضورها في مسار الأغنية الخليجية وامتدادها عبر الأجيال.
الحفلات الموسيقية
ويجمع البرنامج الموسيقي أسماء عالمية وأوركسترات دولية في تجارب تمتد بين المؤلفات الكلاسيكية والمشاريع المشتركة، مع حضور للموسيقيين العُمانيين ضمن هذه اللقاءات، بما يتيح مساحات للتعاون مع مدارس وتجارب موسيقية من خارج سلطنة عُمان، وتسجل الميزو سوبرانو إلينا غارانتشا حضورها الأول في سلطنة عُمان برفقة أوركسترا مسرح ريجيو في تورينو بقيادة كارِل مارك شيشون، فيما تشارك عازفة الأكورديون كسينيا سيدوروفا مع الأوركسترا الفيلهارمونية الأوروبية بقيادة فولتر بروست، وتتجه إحدى الأمسيات إلى عالم الأوبرا من خلال نخبة من المغنين المنفردين وأوركسترا مسرح البولشوي السيمفونية في بيلاروسيا بقيادة أرتيم ماكاروف، في برنامج يضم آريات وثنائيات ومقطوعات أوركسترالية مختارة من المؤلفات الأوروبية والروسية والبيلاروسية.
أما الأرغن فيعود إلى واجهة الموسم عبر حفله السنوي الذي يستضيف هذه المرة عازف الأرغن كاميرون كاربنتر في حفل منفرد، ويأتي اللقاء ضمن اهتمام الدار بتقديم هذه الآلة لجمهورها وتوسيع التعريف بإمكاناتها الفنية، إلى جانب ما يرتبط بها من عروض وبرامج تعليمية، فيما يمثل أسلوب كاربنتر المبتكر قراءة مختلفة للصوت الذي يمكن أن تنتجه هذه الآلة.
كما يقدم الموسم تجربة تجمع السينما بالموسيقى الحية من خلال عرض "هاري بوتر وحجرة الأسرار"، فيما ترافق أوركسترا الدولة السيمفونية في أرمينيا الفيلم بأداء موسيقى جون ويليامز مباشرة أمام الجمهور، ويجمع "أمسية على أنغام القانون" بين عازف القانون العُماني وهب الضنكي والأوركسترا السيمفونية السلطانية العُمانية وأوركسترا الدولة السيمفونية في أرمينيا بقيادة سيرجي سمباتيان، ويتضمن البرنامج "الكونشيرتو رقم 2 للقانون والأوركسترا" لخاتشاتور أفيديسيان، إلى جانب مختارات من الموسيقى التقليدية العُمانية والأرمينية، في مشروع يضع الموسيقى العُمانية داخل حوار مباشر مع تقاليد موسيقية أخرى.
الباليه
ويستعيد موسم الذكرى الخامسة عشرة واحدًا من أشهر أعمال الباليه المرتبطة باسم رودولف نورييف من خلال تقديم "دون كيشوت" على خشبة دار الأوبرا السلطانية مسقط، بأداء فرقة باليه مسرح لا سكالا العالمية ومصاحبة أوركسترا هانكيونغ آرتي الفيلهارمونية بقيادة سايمون هيويت، وتستند قيمة العرض إلى مكانته في رصيد نورييف وإلى ما يجمعه من حيوية الحركة ودقة الأداء وجمال التكوين المسرحي، ليحضر كواحد من الأعمال البارزة في مسار الباليه الكلاسيكي.
الجاز
ويأخذ الموسم جمهوره إلى مرحلة مفصلية من تاريخ الجاز مع "أمسية من العصر الذهبي للجاز"، مستعيدًا أعمالًا تركت أثرًا واسعًا في تطور هذا الفن وفي تجارب أجيال متعاقبة من الموسيقيين، ويشارك في الأمسية المغني العالمي ستيفن تريفيت إلى جانب أوركسترا نيويورك سوينج والضيف الخاص مارك آدامز، في برنامج يستعيد مختارات من روائع كتاب الأغنية الأمريكية العظيم.
الموسيقى العالمية
أما عروض الموسيقى العالمية فتفتح نافذة أخرى على تجارب موسيقية نشأت في بيئات وثقافات مختلفة، عبر برنامج يقوم على التقاطع بين التقاليد الفنية وتقديمها للجمهور في سياقات تجمع بين الاستماع والتعرف على الآخر، فمن إيطاليا، تقدم فرقة ميلاجرو أكوستيكو "صقلية بالعربية: أغانٍ من جزيرة النور" في عرض يتتبع التداخلات الثقافية التي تركت أثرها في الموسيقى الصقلية وشكلت جانبًا من ملامحها عبر قرون متعاقبة، أما "نسمات من لشبونة" فينقل إلى مسقط أجواء الفادو البرتغالي من خلال ميغيل راموس وبياتريس فيليسيو تحت الإدارة الموسيقية لبيدرو جويا، في تجربة تستحضر أحد أكثر أنماط الغناء ارتباطًا بالذاكرة الثقافية للبرتغال.
العروض المتنوعة
وتعود "الموسيقى العسكرية: بين عُمان والعالم" إلى ساحة الميدان في دار الأوبرا السلطانية مسقط، بمشاركة الفرق الموسيقية العسكرية إلى جانب فرق دولية في عرض يجمع بين الاستعراض الموسيقي والحضور الجماهيري ويشكل أحد مواعيد الموسم السنوية، وفي "مهرجان الموسيقى الشعبية" تتجاور ألوان من التراث الموسيقي العُماني مع تجارب شعبية قادمة من بوليفيا وبوتسوانا وروسيا، لتقدم العروض صورة عن تنوع الموسيقى الشعبية وقدرتها على بناء مساحة مشتركة بين الثقافات، ويضيف الموسم إلى برنامجه "كسارة البندق على الجليد"، في عرض تقدمه فرقة إمبريال آيس ستارز التي توظف مهارات التزلج الفني في إعادة تقديم حكاية تشايكوفسكي المعروفة ضمن إنتاج موجه إلى مختلف الأعمار، كما يحضر المسرح الأكروباتي الصيني من خلال "عشق الفراشات"، الذي يقدمه مسرح غوانزو للفنون الأكروباتية، في معالجة تجمع الأكروبات والمسرح والموسيقى لإعادة صياغة إحدى أشهر الأساطير الصينية في قالب بصري معاصر.
التعليم والتواصل المجتمعي
وتواصل الدار برامجها الموجهة إلى بناء علاقة أوسع بين المجتمع والفنون الأدائية، مع تركيز خاص على الشباب وتوسيع قاعدة الجمهور.
وفي مقدمة هذه البرامج تأتي مبادرة "يوتوبيا (المدينة الفاضلة): آفاق ممكنة"، التي تطرح جلسات حوارية وحلقات عمل وفعاليات تفاعلية، إلى جانب برامج "هيا نقرأ" و"موسيقى وقت الغداء" و"الندوات الأوبرالية" والنسخة الموسعة من "استكشاف سحر الكواليس!"، كما يستضيف "صنّاع الإبداع" شخصيات عُمانية من مجالات الأدب والفنون والسينما والرياضة في لقاءات تستهدف تحفيز الجيل الجديد على الاقتراب من التجارب الإبداعية.
ويحظى الأطفال بجانب مهم من هذه المنظومة، من خلال "أوبرا الصغار" الذي يقدم الموسيقى واللعب الإبداعي للأطفال والعائلات منذ السنوات الأولى، فيما يستمر "التعليم الأوبرالي" في شراكته مع المدارس، وصولًا إلى عروض "الناي السحري: هزيمة الوحوش".
ويتوسع خلال الموسم حضور كورال الأطفال في الدار بالتوازي مع مبادرة "نبضات" التي تستخدم الموسيقى في دعم نمو الأطفال وتنمية حواسهم وقدراتهم خلال مراحل العمر المبكرة.
وتتجاوز الأنشطة حدود مبنى الدار عبر "الأبواب المفتوحة"، التي تنقل الموسيقى والمسرح إلى المستشفيات ومراكز الرعاية والمؤسسات الاجتماعية في أنحاء سلطنة عُمان، ففي الجانب المتصل بتطوير المواهب والتعاون الدولي تجمع "الأوركسترا المشتركة" الموسيقيين العُمانيين مع أعضاء من أوركسترات عالمية، بينما يتيح برنامج "المواهب الواعدة" للموسيقيين الشباب مشاركة المسرح مع فنانين كبار، ومن أمثلة ذلك مشاركتهم في "أمسية على أنغام القانون"، ويعود كذلك برنامج "عالم الأرغن" للموسم الثاني، مواصلًا توجه الدار نحو تعزيز حضور هذا الفن وتعليمه وترسيخ مكانة سلطنة عُمان مركزًا إقليميًا له.
ويصل هذا المسار إلى محطته الختامية مع "المخيم الصيفي"، الذي يجمع أكثر من مائة طفل ومشارك صغير مع فنانين محترفين لتقديم معالجة جديدة لقصة "بينوكيو". وفي امتداد لفكرة إتاحة الفنون لمختلف أفراد المجتمع، تتضمن الأنشطة التعليمية والمجتمعية توفير الترجمة بلغة الإشارة العُمانية، بما يدعم مشاركة أوسع في مختلف أنحاء سلطنة عُمان.
المعارض والمكتبة الموسيقية
ويفتح الموسم جانبًا آخر من تجربة دار الأوبرا السلطانية مسقط عبر معرض "خمسة عشر عامًا من سحر المسرح"، الذي يتتبع محطات المسيرة الفنية للدار منذ افتتاحها، مستعينًا بالأزياء الأصلية ومقتنيات الإنتاج والمواد الأرشيفية وتجارب تفاعلية تتيح للزائر الاقتراب من تفاصيل صناعة عدد من أبرز عروضها، من "توراندوت" و"لاكميه" و"ريغوليتو" إلى "سندباد: البحّار العُماني".
وفي معرض "عُمان والعالم: رحلة موسيقية" تتخذ الموسيقى مدخلًا للتعرف على ثقافات وتجارب متعددة، من خلال عرض الموروث الموسيقي العُماني إلى جانب نماذج من موسيقات العالم، باستخدام الأفلام والتجارب الصوتية والعناصر التفاعلية.
ويقدم المعرض الدائم جانبًا من الرؤية التي قامت عليها الدار في بناء صلات ثقافية بين سلطنة عُمان والعالم عبر الفنون، وتحتفظ المكتبة الموسيقية بموقعها كمساحة للمعرفة والبحث، متيحة للطلاب والباحثين والمهتمين بالموسيقى مجموعة واسعة من المصادر، من بينها مكتبة ناكسوس الموسيقية، ونسخ طبق الأصل من مدونات موسيقية أصلية نادرة، وأرشيف للعروض، إلى جانب مصادر متخصصة آخذة في الاتساع في مجالات الموسيقى والفنون الأدائية.
مسيرة تتواصل
تجدر الإشارة إلى أن موسم 2026م–2027م يأتي امتدادًا لهذه المسيرة، محتفيًا بما تحقق ومواصلًا بناء ما هو قادم، لتبقى دار الأوبرا السلطانية مسقط مساحة يلتقي فيها الإبداع العُماني بالفنون العالمية، وهو امتداد لمسيرة خمسة عشر عامًا من الحضور الفني والثقافي، رسخت خلالها الدار حضورها في المشهد العُماني وفتحت أمامه نوافذ واسعة على العالم، جامعة بين الإنتاج الفني والشراكات الدولية ورعاية المواهب والتواصل مع الأجيال الجديدة.