بيروت- وفاء عواد :أكثر من قرن مضى على إنشاء محطّاته، بين العاصمة بيروت والشمال والبقاع، باتجاه دمشق والأردن وفلسطين وحلب وحماه وتركيا فأوروبا، ولا يزال القطار الحديدي، أو "تران السكّة" كما يسمّيه عامة اللبنانيين، يعيش مرحلة مصيريّة، فهو متوقف عن العمل منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.. يومها، توقّف قسراً عن العمل، تاركاً وراءه "مطارح" منسيّة، هي أشبه بـ"خربة" يسكنها العتم واللاشيء، رغم الصخب الذي كانت تشهده يوماً مع كلّ صافرة ودخان متبعثر لقطارٍ آتٍ من البعيد.
48 محطة قطار على امتداد لبنان.
منها ما هو قائم، ومنها مرمّم، وما ينتظر الترميم، تمتدّ بمسار على طول نحو 403 كيلومترات.. وفي زوايا هذه "المطارح" المنسيّة، نسج العنكبوت خيوطه، وأقام جسر تواصل بين الشريط الشائك المتدلّي من نافذة المحطة وعربة القطار الصدئة، ونمت بعض الأشجار والنباتات بين المقطورات، كما لو أن القطار يحتضنها رافضاً التخلّي عنها.
أمّا السكك الحديديّة التي كانت يوماً شرايين نابضة بالحياة الإقتصادية والإجتماعية، تربط المدن والقرى وتنعش التجارة والثقافة، فتحوّلت اليوم إلى معالم تراثية صامتة.
-خطّ الذاكرة-
هنا، إحتفلت "جمعية الأرض" بإزالة طبقات التراب والردم ومخلّفات سنوات الإهمال المزمن عن خطوط سكّة الحديد في منطقة بعبدا (جبل لبنان)، وتحريرها من الإستملاك العبثي والتعديات، وكأنّها الكنز الذهبي المدفون.
إحتفال بالإنجاز وحلم بالقطار، مع أن الدولة ما زالت تدفع رواتب موظّفيه منذ عقود.. وهناك، وثّق أحدهم نفق رأس الناقورة (جنوب لبنان)، والذي أُنشئ بإشراف الجيش الإنجليزي في أربعينيّات القرن الماضي، حيث كان يمرّ القطار باتجاه حيفا.. وذلك، في محاولة لإيقاظ الحديد من سباته الطويل، وإعادة وصل الحاضر بزمنٍ كان فيه صوت القطار جزءاً من إيقاع البلاد.. وهنالك، نبش بعض هواة "الأنتيكا" فيديوهات قديمة لحياة القطار ودخانه المنبعث في البقاع ومنطقة ضهر البيدر ومدينة جونية، كجزء من النوستالجيا.
أمّا في مناطق ريّاق (البقاع) وطرابلس (الشمال) وعاليه (جبل لبنان)، فتحوّل بعض محطات القطار فسحةً للتنزّه والتقاط الصور، وكأنّ خردة الزمن وحديد مقطورات القطار المتآكل بالصدأ توأم الكاميرا وفسحة للذكرى والتذكار، كما للبداية التي كانت عام 1895، مع انطلاق أوّل قطار بين بيروت ودمشق، فاتحاً للبنان أبواب العالم ومانحاً إياه لقب "بوّابة الشرق"، فكانت منطقة مار مخايل (شرق بيروت) المحطة الرئيسية، فيما كانت منطقة ريّاق (البقاع الأوسط) قلب السكك الحديدية، وكان فيها أكبر ورشة لصيانه القطارات في المنطقة. ومن ريّاق، إمتدّ خطّ القطار باتجاه بعلبك وحمص وأوروبا لاحقاً.
-محطّات.. ومشهدان-
وبالعودة الى الماضي البعيد، كان الفرنسيون رسموا اللوحة الزمنيّة لتاريخ القطار في لبنان، منذ عام 1891، بعد صراعٍ دوليّ على تلزيم مدّ خطّ سكّة الحديد، وشراء فرنسا حقّ الإستثمار من اللبنانيّ يوسف أفندي بيهم.. وهكذا، أنشئ أوّل خطّ بين بيروت ودمشق وحوران (في سوريا) الشام، ليصل عام 1906 إلى حلب قبل شقّ خطّ طرابلس عام 1911 ووصله بتركيا عام 1912، ما ربط لبنان بالعالم العربي وأوروبا وأفريقيا.
وشكّلت بلدة رياق همزة الوصل بين مختلف الخطوط العابرة للقارات، إذْ تأسّست محطتها عام 1898، واعتبرت أكبر محطات القطارات في الشرق، بمساحتها البالغة 170 ألف متر وبمبانيها الـ57.
وأمام معمل سبك المعادن في هذه المحطة قطار ضخم ومصفّح، نال منه الصدأ واحتل حديده وفرن الفحم الحجري مقدّمته. وهذا القطار لم يُصنَّع منه إلا أربعة فقط في العالم، لكونه ثقيلاً يفوق وزنه 160 طناً. أما القطار المشابه له في ألمانيا، فيحتلّ اليوم مكاناً في أحد متاحفها.
وفي عهد الإستقلال، وتحديداً في العام 1961، أنشِئت مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك لبيروت وضواحيها، وعهِدت إليها إدارة واستثمار الخطوط الحديدية: خطّ عريض يمتد من الناقورة إلى طرابلس فالحدود اللبنانية- السورية وطوله 233 كلم تقريباً، خطّ جبلي ضيّق بين بيروت ورياق والحدود السورية وطوله 82 كلم تقريباً، وخطّ عريض من رياق الى القصير السورية طوله 91 كلم تقريباً.. يومها، كان الجميع كان على الموعد مع محطته الأقرب إلى قريته وبلدته: مسافر يسعى للوصول إلى مقطورته، تاجر يشحن بضاعته ومواشيه، ضابط يشرف على وجود عسكريّيه على متن القطار، عتّال يلهث خلف لقمة عيشه بالقروش والليرات، صبيان يرشقون القطار ويضعون قطعاً نقدية ومسامير في طريقه على السكّة، للحصول بعد مرور دواليبه عليها على قطع مسنّنة لامعة، ومأمور وحارس مقطع ومفتحجي وقاطع تذاكر يسارعون لإنجاز واجباتهم الوظيفية قبل انطلاق القطار باتجاه محطته التالية.
ولم تدمْ هذه اللوحة الجميلة كثيراً، إذ سرعان ما مزّقتها الحرب الأهلية (1975- 1990)، مع توقف القطار عن العمل نهائياً عام 1989، لتغدو لدى اللبنانيين مجرّد صورة في الذاكرة، حيث ملامح الماضي تطلّ من النوافذ المكسورة، ومن لوحات معدنية لا تزال تحتفظ بنقوشها رغم الصدأ،
وهكذا، توقّف صفير القطارات على الخطوط كافّة توقّف، وتحوّلت القطارات وعرباتها إلى ركام من القطع الحديدية الصدئة، في وقت سرِقت فيه قضبان السكك الحديدية، وباتت إما مادة للتجارة وإما أعمدة لتسوير الحدائق والبساتين وكروم العنب.
-هل تعود الصفّارة؟-
وبعد عقود من الصمت، فإن خبراً جاء من خارج الصندوق، ومفاده عودة ملفّ القطار إلى الواجهة، مع بدء خطوات إحياء خطّ طرابلس– العبّودية (شمال لبنان)، والذي يبلغ نحو 35 كام، تمهيداً لمشاريع تربط بيروت والشمال والبقاع بشبكة إقليمية للنقل.
ذلك أن شهر أغسطس الجاري كان شهد إتفاقاً لبنانياً- سورياً على إعداد خطّة مشتركة لإحياء الربط السككي، من خلال تشكيل فريق فنّي لمتابعة المشروع، وإيجاد مسار موحّد يربط لبنان وسوريا والعراق ودول الخليج وتركيا، وبحث إعادة وصل مرفأ طرابلس بالشبكة السورية.
وعليه، أكد المدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، زياد شيّا، أن المصلحة تعمل على إزالة التعدّيات عن مسارات السكك الحديدية، إستعداداً لـ"اليوم الذي تتخذ فيه الحكومة القرار بإطلاق صفّارة الإنطلاق من جديد".
وفي انتظار أن تعود القطارات لتشقّ دروبها من جديد، وأن يُسمع مجدّداً صفير الحديد بين الوديان، فإن ثمّة من يستحضر، بين محطة وأخرى، روح بلد كان يحلم بأن يكون مركز عبور، لا هامش انتظار، فيما ثمّة من يذكّر بأن لبنان لا يزال ينتظر قطاره، مهما طال وقوفه على الرصيف!