رام الله - محمـد الرنتيسي :
بالكاد كان الصبح قد تنفس، عندما تداعت أخبار الغارات الوحشية الواردة من قطاع غزة، ومفادها ارتكاب جيش الاحتلال مجزرة مروعة بحق النازحين العزّل، فراح يسيل المزيد من الدماء، بينما أخذت نيرانه تلتهم أنقاض غزة وخيامها، بفعل القذائف الملتهبة التي أطلقتها الطائرات الحربية المقاتلة.
غزة التي أتتها نيران الحقد الإسرائيلي على حين غرّة، تبدو كقطع الليل المظلم، ليلُها كنهارها من فرط سوادها، وهي من وجهة نطر الاحتلال تبدو كقطعة حطب ينبغي حرقها، ولا يمكن أن يكون الحديث عنها بغير طريقة.
تفوح رائحة الدم في غزة، لتصل إلى قلقيلية العابقة برائحة بياراتها، ولكن أي رائحة، هي رائحة دم الشهداء الذي لا يزول، بل يفرض ديمومته العصية، لتبقى عالقة كتعلق المفاجأة في النفس، وأيما مفاجأة.
في قرية حجّة قرب مدينة قلقيلية بالضفة الغربية، يستريح المواطن محمـد المقوسي في "استراحة محارب" فرضتها عليه حرب الإبادة في غزة بعد أن تقطعت به السبل وأوصدت في وجهه الأبواب، واشتعل لهيب الحرب، وحيل بينه وبين عائلته في مخيم جباليا وسط قطاع غزة.
هو في قلقيلية والقلب هناك.. في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، ثلاثة أعوام وهو هنا لكنه بعيد هناك، تأتيه صورة طفلته الصغيرة "منّة الله" ابنة الـ9 سنوات، عبر شاشات عرض الأخبار، وهي تركض وراء صهريج لتوزيع مياه الشرب، بطموح الظفر بجرعة ماء!.
-أبواب موصدة-
ربما حاول المقوسي احتضان ابنته التي لم يراها منذ ثلاث سنوات، قبل أن يفوتها قطار الماء، لكن عبثاً.. فالاحتلال أغلق كل المنافذ والأبواب، وفي قطاع غزة، تؤكد خروقات الحرب الشعواء، أن جيش الاحتلال لا يرى أبناء غزة بشراً، بل عائقاً أمام مشروعه التطهيري القائم على إبادة البشر والحجر والشجر.
هي لحظة عابرة بالكاد ابتعلها المقوسي، وهو يرى طفلته تركض وراء قطرة ماء، بفعل احتلال سُحبت الإنسانية من تحت أقدامه، وجردته من أقنعته الزائفة.
ولماذا لا تستغرب عندما تسمع المقوسي يقول: "الحمد لله.. استشهد العشرات من أبناء عائلتي في مجزرة برج المقوسي في الأيام الأولى للعدوان، وغالبية أصدقائي استشهدوا في الحرب، وتعرض بيت عائلتنا في مخيم جباليا للقصف فانهارات حجارته، ولم يبق لعائلتي مأوى، سوى الخيام المتهالكة".
وبابتسامة تخفي خلفها كثيراً من الألم، بدا المقوسي غير مصدّق أن يرى طفلته لأول مرة بعد 3 سنوات من الحرب، وهي تحاول الظفر بما تيسر من ماء، ويقول لـ"عُمان": "كنت كعادتي مع كل صباح، أتابع الأخبار الواردة من قطاع غزة، ورأيت ابنتي منّة الله صدفة، وكانت تركض خلف صهريج المياه، ومعها إناء فارغ.. كانت لحظة عابرة وقصيرة جداً، لكنها كانت كفيلة بأن تفتح في قلبي كل أبواب الوجع والحزن التي حاولت جاهداً إغلاقها لنحو ثلاث سنوات".
ويواصل مصدوماً: "كانت مسرعة وملهوفة، تحاول أن تحصل على نصيب العائلة من مياه الشرب قبل أن تنفذ الكمية.. وربما يكون المشهد بسيطاً من وجهة نظر العالم، لكنه بالنسبة لي كان وجعاً لا يوصف.. شاهدتها تركض وشعرت بأن قلبي يركض خلفها، ولم أكن أتخيل يوماً أن أرى طفلتي لأول مرة في هكذا مشهد، وأن تكون أول مصادفة كي أضع عيني في عينها بعد كل هذا الغياب وهي تركض خلف قطرة ماء"!.
-شعور بالعجز..-
ويضيف المقوسي: "بعد عجقة حرب العامين، كنت أتابع الصور القادمة من مخيم جباليا، أحاول عبثاً البحث عن بقايا أو مكان منزلنا، وشاهدت العشرات وهم يلتقطون الصور أمام منازلهم المدمرة، في حين لم يكن لمنزلنا أي أثر، كأن الأرض انشقت وابتلعته.. كان المخيم كأنه في (يوم الحشر) والشوارع تختنق بالمشردين الذين أصبحوا بلا مأوى، لكن يبقى مشهد ابنتي منّة الله وهي تلاحق قطرات الماء هو الأكثر قسوة".
كان المقوسي يتمنى أن يرى طفلته في بيت آمن، بعيداً عن هدير الطائرات الحربية، وأن يسمع صوتها وهي تضحك، وأن يحتضنها بعد كل هذا الغياب، لا أن يراها من خلف الشاشة، ويرقبها من بعيد وهي تكابد عناء البحث عن الماء.
يستجمع المقوسي قواه، بعد أن انهمرت دموعه وانفجرت من مآقيها، ليقول: "مشهد ابنتي زادني قهراً، وأشعرني بالعجز، وشعرت أن هناك في ظروف الحرب ما هو أكبر من مجرد النزوح والاحتماء من القصف.. وهو أكبر من قدرتي على تغيير أوضاع عائلتي التي أخذتها مني الحرب، لكن بقي لدي شيء واحد لا يمكن أن تجرده كل الحروب.. حبي لعائلتي، وشغفي لرؤية أمي وزوجتي وأطفالي".
وعبر "عُمان" طيّر المقوسي رسائل حافلة بالمعاني والمضامين لطفلته منّة الله: "ربما فصلتنا ظروف الحرب، وحالت بيننا ثلاث سنوات من القهر والحرمان، لكن ستبقى صورتك وأنت تركضين أمام عيني للحصول على جرعة ماء، الأقسى على قلبي.. سامحيني يا صغيرتي، لم أستطع أن أكون بجانبك في تلك اللحظة.. لقد شعرت بقطعة من قلبي تركض بعيداً عني، ولم أستطع اللحاق بها أو مساعدتها".
وقسراً آوى محمـد المقوسي، إلى مكان سكنه في قرية حجّة بقلقيلية، يتأمل مشهد طفلته التي كانت تهيم عطشاً، وقد خفّت مسرعة بحثاً عن "كل شيء حي" كي تبقى عائلتها على قيد الحياة، وهو يردد: "في غزة كل الطرق تؤدي إلى الموت، القصف والجوع والعطش.. أما هنا في الضفة الغربية فلدي طريقه واحدة للنجاة.. الدعاء بأن يحفظ الله أطفالي وعائلتي".