إزكي - يوسف بن سعيد المنذري
يشكل التعاون المجتمعي أحد أهم ركائز التنمية المستدامة؛ فهو القوة الدافعة لتحويل الأفكار إلى مشاريع واقعية تسهم في الارتقاء بالمجتمعات المحلية وتعزيز جودة الحياة. ومع تنامي الوعي بأهمية العمل التشاركي، تشهد العديد من القرى العُمانية حراكًا تنمويًا متسارعًا يهدف إلى تطوير المرافق العامة، واستثمار المواقع الحيوية، وإطلاق مبادرات نوعية تعزز المقومات السياحية والترفيهية والاقتصادية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام المؤسسات الصغيرة والأسر المنتجة.
ولا يقتصر هذا الحراك على تحسين المشهد العمراني فحسب، بل يمتد إلى ترسيخ ثقافة العمل التطوعي، وتعزيز الشراكة بين الأهالي والجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص، بما يسهم في تحويل المواقع غير المستغلة إلى مرافق حيوية تحتضن الأنشطة المجتمعية والفعاليات الرياضية والثقافية، وتوفر بيئةً جاذبةً لأفراد المجتمع والزوار على حد سواء.
وتجسد قرية زكيت بولاية إزكي إحدى أبرز قصص النجاح في هذا المجال، بعدما نجح أهاليها، برؤية مشتركة وجهود تطوعية متواصلة، في تنفيذ مشروع «ممشى زكيت» الذي حظي بدعم من الشركة العُمانية الهندية للسماد «أوميفكو»، ليصبح نموذجًا للتكامل بين المبادرة المجتمعية والمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات.
فالموقع الذي كان في السابق مساحةً غير مهيأة، تحول إلى متنفس حضري متكامل يحتضن ممارسي رياضة المشي والأنشطة الرياضية المختلفة، ويوفر بيئةً مناسبةً للفعاليات المجتمعية، ومعارض الأسر المنتجة، والأنشطة الترفيهية، ليغدو أحد أبرز المشاريع التنموية التي تعكس قدرة المجتمع المحلي على صناعة المبادرات النوعية وتحويل الأفكار إلى واقع مستدام يخدم الحاضر ويؤسس لمستقبل أكثر ازدهارًا.
صندوق زكيت الاجتماعي
وحول ملامح التطوير التي يقودها صندوق زكيت الاجتماعي، أوضح العبد بن منصور العمري أن ما تحقق في القرية جاء ثمرةَ رؤية مجتمعية مشتركة، استندت إلى التخطيط المؤسسي والعمل المنظم، بهدف تحقيق تطلعات الأهالي والارتقاء بواقع القرية عبر مشاريع تنموية مستدامة.
وقال إن الصندوق عمل منذ تأسيسه على بناء شراكات فاعلة مع الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص، إلى جانب الاهتمام بتطوير المرافق العامة، مع المحافظة على الهوية التاريخية للقرية، من خلال المزج بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر، بما يسهم في تجميل المشهد العام وتعزيز جودة الحياة.
وأشار إلى أن صندوق زكيت الاجتماعي يضم مجلس إدارة، وتندرج تحت مظلته ثماني لجان متخصصة، يشرف عليها عدد من الكفاءات في المجالات التنموية والعلمية والثقافية والاجتماعية، ويواصل منذ أكثر من عشرين عامًا تنفيذ المبادرات والمشروعات التي تخدم القرية وتسهم في تحقيق التنمية المستدامة.
مشروع مجتمعي متكامل
وأوضح العمري أن فكرة المشروع انطلقت، في الأساس، من الحاجة إلى إنشاء سد لحماية القرية من مخاطر فيضان الأودية، غير أن إدارة صندوق زكيت الاجتماعي، وبالتنسيق مع الأهالي، رأت توسيع نطاق المشروع ليشمل إنشاء ممشى صحي يحقق منفعةً مجتمعيةً شاملةً، ويستثمر الموقع بصورة أفضل.
وأضاف أن التخطيط للمشروع ارتكز على الاستفادة المثلى من المساحة المتاحة، من خلال تصميم متكامل يجمع بين الجوانب الوقائية والرياضية والترفيهية، مبينًا أن التكلفة الإجمالية للمشروع بلغت نحو 317 ألف ريال عُماني.
وأكد أن المشروع واجه منذ انطلاقه تحديات متعددة، من أبرزها أعمال تسوية الموقع وتهيئته، واختيار المواد ذات الجودة العالية، وتنفيذ بنية أساسية متينة تضمن استدامة المشروع، مشيرًا إلى أن مراحل التنفيذ استغرقت نحو ثلاث سنوات، بفضل الدعم الذي قدمته الجهات ذات العلاقة، والإسهامات الكبيرة من أهالي القرية، إلى جانب المعسكرات الخدمية التطوعية التي واصلت أعمالها طوال فترة التنفيذ.
ممشى صحي
وبيّن العمري أن المشروع لم يقتصر على إنشاء ممشى رياضي، بل شمل تهيئة واجهة حضارية متكاملة تضم مظلةً رئيسيةً وإنارةً حديثةً عالية الجودة، لتكون ساحةً تستضيف الفعاليات الثقافية والرياضية والمناسبات المجتمعية، إضافةً إلى معارض الأسر المنتجة.
وأضاف أن الممشى يمتد لمسافة تقارب كيلومترًا ونصف الكيلومتر، ويتميز بتصميمه العصري ومساحاته الواسعة التي تشجع على ممارسة رياضة المشي والأنشطة الرياضية المختلفة، كما يضم مرافق ترفيهية للأطفال وخدمات عامة، مع توفير نظام إنارة على امتداد الممشى، بما يتيح الاستفادة منه خلال ساعات المساء، ويوفر بيئةً آمنةً ومريحةً للزوار.
رؤية مستمرة
وأكد العمري أن جهود صندوق زكيت الاجتماعي لا تتوقف عند هذا المشروع، وإنما تتواصل لتنفيذ مبادرات جديدة تسهم في تطوير القرية واستثمار ما تمتلكه من مقومات سياحية وتراثية، بما يحقق النفع للأهالي ويعزز جودة الحياة.
وأشار إلى أن الصندوق يحرص على دراسة أفكار ومبادرات أبناء القرية وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، إلى جانب إبراز الفرص الاستثمارية المتاحة واستقطاب المبادرات النوعية التي تسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدًا أن ما تشهده القرى العُمانية اليوم من حراك تنموي وتنافس إيجابي يمثل حافزًا لمواصلة العمل، ويعكس نجاح المبادرات المجتمعية في إحداث تغيير حقيقي ومستدام نحو الأفضل.
ويُعد صندوق زكيت الاجتماعي أحد النماذج المجتمعية الرائدة في سلطنة عُمان؛ إذ يقوم على رؤية تنموية واضحة وتخطيط مؤسسي يراعي أولويات القرية واحتياجاتها، ويعمل على تحويل الأفكار إلى مشاريع تنموية مستدامة بالشراكة مع مختلف الجهات الداعمة وأبناء المجتمع.
وخلال مسيرته، نجح الصندوق في تنفيذ عدد من المشاريع النوعية التي أسهمت في الارتقاء بالبنية الأساسية والخدمية للقرية، من أبرزها إنشاء المجلس العام لقرية زكيت، وتنفيذ مشروع الممشى الصحي، وتعشيب ملعب فريق زكيت، وإنارة عدد من الطرق الداخلية وتأهيلها، إلى جانب مبادرات مجتمعية أخرى تركت أثرًا ملموسًا في تحسين جودة الحياة وتعزيز المشهد الحضاري للقرية.
وتجسد هذه الإنجازات تجربةً مجتمعيةً ملهمةً، تؤكد أن التخطيط السليم، والعمل التشاركي، والإيمان بأهمية المسؤولية المجتمعية تمثل ركائز أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وجعلت من قرية زكيت نموذجًا يُحتذى به في استثمار الطاقات المجتمعية وتحويل المبادرات التطوعية إلى مشاريع تنموية ذات أثر مستدام.