شهدت المفاهيم النفسية والتطويرية في السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا في خطابنا اليومي، ومن بينها مفهوم «الاستحقاق».
وهو مفهوم في أصله جميل، جاء ليعزز تقدير الإنسان لذاته وإدراكه لقيمته، إلا أنه لدى البعض انحرف من تقدير الذات إلى الاعتقاد بأن من حقه أن ينتفع بجهود الآخرين وخبراتهم بدون مقابل فكثيرًا ما يواجه أصحاب المهن الإبداعية والفكرية طلبات من نوع: «مجرد نصيحة سريعة»، «استشارة صديق»، أو«الموضوع ما يأخذ منك أكثر من خمس دقائق».
وكأن قِصر الوقت الذي يستغرقه تقديم الإجابة يعني أن ما يُقدَّم لا قيمة له.
وهنا يغيب عن الذهن أن تلك الدقائق القليلة هي خلاصة سنوات طويلة من التعلم، والتجربة، والتدريب، وارتكاب الأخطاء ودفع ثمنها، والاستثمار في المعرفة وتطوير المهارة.
فأنت لا تدفع مقابل الدقائق التي جلس فيها صاحب الخبرة أمامك، وإنما تدفع مقابل السنوات التي جعلت تلك الدقائق ذات قيمة.
والاستحقاق الحقيقي لا يعني أن يكون كل شيء متاحًا لنا مجانًا، بل أن ندرك قيمة ما نحتاج إليه، ونحترم وقت الآخرين وخبراتهم، ونكون مستعدين لدفع المقابل العادل لها.
بل إن دفع المقابل قد يجعلنا أكثر جدية في الاستفادة مما حصلنا عليه.
فالشيء الذي ندفع ثمنه غالبًا ما نتعامل معه بقدر أكبر من الالتزام والاهتمام، بينما ما نحصل عليه مجانًا قد نؤجله أو نستهين به، حتى وإن كان ذا قيمة كبيرة.
ومن جهة أخرى، فإن الاستهانة بالخدمات الإبداعية والاستشارية لا تضر بصاحب المهنة وحده، وإنما تساهم في خلق ثقافة مهنية لا تقدر المعرفة والإبداع. فالمستشار، والمصمم، والكاتب، والمدرب، والفنان، وغيرهم، لا يقدمون «وقتًا» فقط؛ إنهم يقدمون جزءًا من خبرتهم وطاقتهم وحياتهم التي استثمروها في بناء هذه المهارة.
لذلك أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة ضبط مفهوم «الاستحقاق».
فاحترامك لمالك ووقتك يبدأ أيضًا من احترام مال الآخرين ووقتهم.
وليس من العدل أن نطالب الآخرين بتقدير وقتنا وخبرتنا، بينما نتعامل مع خبراتهم وكأنها حق مكتسب لنا مجانًا.
حين ننتقل من ثقافة «ماذا يمكن أن أحصل عليه مجانًا؟» إلى ثقافة «ماذا تستحق هذه الخبرة؟»، فإننا لا نحمي أصحاب المهن فقط، بل نبني مجتمعًا أكثر وعيًا بقيمة المعرفة والإبداع والعمل.
حمدة الشامسية كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية