أراقبُ على السوشيال ميديا شيئا لافتا من حين لآخر، أعني تلك الصرخة المدوية التي تقول: «هذا لا يُمثلنا كعُمانيين». يحدثُ ذلك عندما يُعنَّفُ صاحب محتوى ما، لأسباب تتعلقُ بنمط تفكيره أو هيئته أو لباسه.. هكذا تتربى الخشية على الصورة العُمانية التي ينبغي ألا تُخدش! ولا أدري حقا كيف لمواقف «فردية» أن تغدو تهديدا، فنُشهر أسنّة حِرابنا كلما مارس أحدهم سلوكا شخصيا لا يضر الآخرين بشيء، كارتداء الشباب للشورت أو إطالة الشعر أو جلوس النساء في المقاهي أو ركوبهن لحصان أو دراجة هوائية مثلا، وكأنّما تقبل المختلف عن الجماعة نُدبة مُشوِّهة غير مُحتملة أو خسارة لثقل الثقة التي اُكتسبت عبر قرون طويلة! 

بينما قد يتناءى جلد الذات عن الأفعال التي تمسّ حدود الآخر، فتستقوي عليه أو تشيطنه أو تعبثُ بفرصه في الحياة ولقمة عيشه وأمان أبنائه! 

لا ينفي أحدنا مدى فخره بالانتماء إلى جماعة تُوسم بصفات باتت نادرة، لا سيما الطيبة والأخلاق، فعندما نسافرُ إلى الخارج نجد أنّ سمعتنا قد سبقتنا بالمعنى الحرفي للجملة. فمن لا يحب أن ينتمي لجماعة كهذه.. لكن المغالاة التي تمارسها الجماعة في محاولة دؤوبة لإنقاذ صورتها، وجهها، مُثلها العليا.. هي ما يثير الريبة فينا! فلماذا علينا أن ننكر أنّ الأفراد قادرون أيضا على تصميم سمعتهم الشخصية والحفاظ عليها ضمن شروطهم؟ لماذا لا نضع احتمالات جديدة لأن يبدو الانبتات من الصورة الجماعية حمّال مكاسب جديدة، وليس بالضرورة شرخا أنانيا فرديا أو تشويها مُفرطا وحسب؟! 

نحن غالبا لا نجد إجابة ملائمة عندما نُسأل عن سر الطيبة العُمانية، عن التماعة الإيثار النادرة فينا، أو نُسألُ على نحو استنكاري إن كان العُمانيون حقا، عندما تصطدم سياراتهم بعضها ببعض في الشارع ينزلون ويتصافحون! أو يفتحون بيوتهم للغرباء ويُخرجون قهوتهم ببساطة حميمية! نبدو حائرين حقا، إذ بقدر ما أننا نعتزُ بهذه الصفات إلا أنّها لا تخلو من تنميط أيضا.. كما أنّها -شئنا أم أبينا- تُثقلُ كاهلنا بضرورة تمثل هذه الصورة بالغة النزاهة واليوتوبيا! 

والعسير على الفهم حقا ظهور ذلك التناقض الخفي، إذ يمكن للبعض أن يقبلوا محتوى الأفراد الآخرين.. أعني خارج «عُمانيتنا» بل وقد يصفقون له، لكن من غير المقبول أن تمس حدود عالمنا المُسور المُتنائي المرجوم بالنُدرة.. ولعل «النُدرة» التي عاش بها الإنسان العُماني تُبرر شيئا من هذا الاحتماء الأبدي بالصورة! 

نخشى من عدوى السلوك غير المحمود بين الأفراد أكثر مما نخشى الجمود عند صورة واحدة دون انزياحات، رغم إيماننا بأن ليس كل ما ترفضه الجماعة بالضرورة أمرًا سيئا، أو هو تفريطٌ في جوهر هويتنا. 

ولعلنا ندرك أن الفرد المتهور قد يضر بسمعة الجماعة في جزء من اللعبة.. لكن المسألة لن تصل إلى أن تضرب قطع الدومينو بعضها بعضا، فينهار معمار سمعة الجماعة.. هنالك شيء من المبالغة والافتعال في هذا الظن، وهو جدير بالدراسة حقا.. فالصورة التي تمس اللباس وطريقة التحدث والطرق التي نفكر بها ونعبر عن تعالقنا مع الحياة، ينبغي أن تُقاس بخريطة السلوك العام.. فلماذا نخافُ على صورتنا كأنّها رأس مالنا الأوحد؟ 

الانحياز التام للجماعة يتحول إلى حالة سلبية عندما يُقوَّضُ الفرد والخبرات التي كان يمكن أن يعبرها مُغردا على غصن مستقل، ونحن هنا نتحدث عن الفردية المسؤولة التي توقن حدودها طبعا. فهنالك فرق بين أن نرفض المحتوى المؤذي الفظ المُبتذل وهنالك جهات قانونية مسؤولة عن متابعة ذلك، وبين أن نرفض الآخر لمجرد أنّه مختلف عن الأنموذج الذي نرسمه عن العُمانيين، لا سيما وأننا مجتمع متنوع في انتماءاته وأصوله وإثنياته! 

وإن بدا جميلا وحالما أن يظهر الواحد منا كخيطٍ في نسيج الجماعة، وإن بدا الامتثال للمُثل العليا والمراقبة الأمينة للذات شيئا ثمينا أيضا، إلا أنّه وعلى الضفة الأخرى من النهر، من المخيف حقا ألا نكتسب قيمتنا إلا من هذا التآزر في اللوحة الكُلية، فيغدو انسلال الفرد تفككا للُّحمة المُبتغاة.. ولذا أظن أنّه آن أوان تفكيك تورطنا الشعوري وظنوننا بأنّ سلوك بعض الأفراد واقعيا أو افتراضيا يجعلنا في مأزق غامض في علاقتنا بعُمانيتنا؟ 

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»