في السنوات الأخيرة، استحدثت سلطنة عُمان برنامج «الانضباط العسكري» لطلبة المدارس في الصفوف من (10 -11)، والذي تشرف على تنفيذه وزارة الثقافة والرياضة والشباب وعدد من الجهات العسكرية والأمنية وعدد من المؤسسات الحكومية الأخرى ذات الصلة، ويهدف إلى إكساب المشاركين المهارات والقدرات الأساسية البدنية والفنية والمعرفية في الانضباط العسكري، بالإضافة إلى توسيع معارفهم في الجوانب الأخرى كالقيادة، وتنمية الذات، والقضايا الصحية والمجتمعية، ومهارات خدمة المجتمع، ضمن نسخ تتطور عامًا بعد عام، وقد شكلت التجربة أساسًا جيدًا على مستوى المفهوم، والممارسة، وأكسبت المشاركين مهارات نوعية يتسلحون بها في بناء ذواتهم بناء منضبطًا، وفي خدمة مجتمعاتهم بالتزام ووعي ومسؤولية.
وأصبح مثل هذا النوع من البرامج عالميًا اليوم جزءًا من منظومات الجاهزية الوطنية؛ نظير ما يشهده العالم من تعقد في المخاطر والأزمات، وسيولتها، مما يقتضي أن الجاهزية بقدر ما هي جاهزية مؤسسية تقودها المؤسسات الرسمية سواء الدفاعية والأمنية ومؤسسات إدارة الخطر، تكون أيضا مجتمعية تقوم على ثلاثية أساسية لا بد من تحققها لدى الشريحة الأوسع من المجتمع؛ وهي الوعي بأشكال المخاطر ومنابعها، والتيقظ الدائم لسد الفجوات التي تتسلل من خلالها، والاستعداد للمشاركة في درء تداعياتها وانعكاساتها. ولقد أصبحت المسؤولية الفردية ركنًا أساسيًا وفاعلًا في منظومة إدارة المخاطر؛ ذلك أن سلوك الأفراد وتصرفاتهم تتقاطع مع دورة الخطر نفسه ودورة إدارته، فبقدر توفر المهارة والوعي والمعرفة والأدوات حاضرًا، يكون الإحكام لتلك الدورة وتتقلص آثارها.
وحين نتحدث عن المخاطر فنحن نتحدث عن مفهومها الأوسع، وليس المادي فحسب، بما في ذلك المخاطر الثقافية والمعلوماتية والاتصالية والسيبرانية والمجتمعية، ولذا يصبح جزء من منظومة إدارة المخاطر الوطنية مرتبطًا بالكيفية التي يؤهل بها أكبر قطاع من الأفراد بالمعارف والأدوات اللازمة لبناء المنعة المجتمعية تجاه ذلك، ونعتقد أن مثل برنامج «الانضباط العسكري» مبادرة تساهم بشكل أو بآخر في سياق ذلك، إضافة لأهدافها الوطنية الأخرى.
يجد المتتبع أن العقد الفائت شهد توسعًا عالميًا - وخاصة في الدول الأوروبية - في عودة ثلاثة مفاهيم أساسية؛ وهي التجنيد الإلزامي، والخدمة الوطنية العسكرية، والخدمة الوطنية متعددة المهارات. وكان لكل مفهوم طبيعته ودوافع استحداثه، فقد عملت دول مثل السويد وسويسرا ودول البلطيق على إعادة مفهوم الخدمة الوطنية متعددة المسارات التي تشمل في أشكالها تجنيدًا عسكريًا مقرونًا بإعداد الأفراد في جوانب للواجب المدني ترتبط بالإغاثة، وتقديم الخدمات الصحية الأولية، والمساهمة في الأمن السيبراني، وأنشطة الدفاع المدني باكتساب المهارات الأساسية والمعارف التي تؤهلهم للتعامل مع أي خطر محتمل. وقد يكون السياق الجيو - سياسي له خصوصية في تلك الدول في عودة هذه المفاهيم. لكنّ هناك سياقا عالميا أوسع يستوجب ذلك، ويمهد لإعادة النظر في تبني المفهوم بالطريقة التي تناسب كل سياق وطني (احتياجاته، طبيعة مخاطره، النظام المؤسساتي القائم فيه).
ومن علامات ذلك السياق اتساع فكرة المخاطر خارج المخاطر المادية، وتضاعف الكوارث العالمية المرتبطة بالطقس وتحديدًا خلال العقود الخمسة الأخيرة، والحاجة إلى مضاعفة أعداد الكوادر العاملة في منظومات الطوارئ (بمفهومها الواسع)، وتوسع الفجوة بين المهارات التي يكسبها الفرد من التعليم ومدى الجاهزية التي تتوقعها أسواق العمل، وهناك بعد اجتماعي بالغ الأهمية في تقديرنا يستوجب إعادة التفكير في هذه المفاهيم؛ وهو أن الحياة الحضرية بطبيعتها شكلت الأجيال الجديدة على فكرة (الخدمات الجاهزة)، مما يقلل من استعداد الأفراد للمعرفة بخبرات ومهارات الإسعاف والإخلاء والتعامل مع الحرائق والانقطاعات الحيوية، ومجمل مهارات التعامل مع الطوارئ، وتأتي مفاهيم الخدمة المدنية لمعالجة هذا الخلل وتكوين طبقة معرفة اجتماعية خارج حدود طبيعة التحضر. وفي المقابل فإن الأجيال الجديدة بطبيعتها تمتلك من المهارات ما تحتاجه الدولة مثل التعامل مع المنصات والبيانات والقدرة على فهم الأدوات الرقمي وتطوير المنتجات الرقمية. ومما يدفع كذلك إلى ضرورة النظر في هذه المفاهيم هو الحاجة لاستعادة العمل المشترك بين الفئات الاجتماعية المختلفة؛ كون أن الخدمة المدنية تفرض العمل مع أفراد مع محافظات ومستويات وخلفيات اجتماعية متنوعة.
وبالبناء على تجربة برنامج «الانضباط العسكري»، يمكن في سنوات قادمة توسيع المفهوم ليكون متصلًا بالخدمة المدنية، ونقترح هناك برنامجًا متكاملًا، يقوم على ثلاث مراحل في دورة حياة الفرد (الناشئة)، ويمكن أن يتدرج من الاختيار إلى الإلزام عبر سنوات محددة، فمع نهاية كل مرحلة تعليمية (بعد الحلقة الأولى من التعليم المدرسي) يكون هناك برنامج موجه لطبيعة تلك الفئة العمرية، والمهارات اللازمة لها، والقدرات التي تستطيع أن تكتسبها، والموجهات الفكرية والشخصية التي يمكن أن توجه إليها، و(بعد الحلقة الثانية من التعليم المدرسي) يلتزم المشارك ذاته باستكمال البرنامج بالموجهات التي تناسب تلك المرحلة، وصولًا إلى نهاية التعليم العام حيث يتوسع البرنامج في مداه الزمني وأطره التأهيلية والمعرفية ليكون موجهًا لإعداد فرد بثلاثة أبعاد متوازية؛ واعٍ ومؤهل وطنيًا ومدنيًا، مستعد فكريًا ومهاريًا للتعليم العالي وسوق العمل، ممتلك لأهم المهارات اللازمة لخدمة المجتمع.
إن التدرج الذي تقوم عليه الفكرة هو (استثمار في مراحل التأسيس)، وهي المراحل الأولى من العمر التي تثبت أن القدرة على زرع المفاهيم والاتجاهات السليمة وطنيًا وقيميًا واجتماعيًا من خلالها تؤسس لشخصية متزنة، وأكثر استعدادًا لخدمة مجتمعها، وأكثر وعيًا تجاه مخاطره، وأكثر قدرة مهاريًا وفنيًا للاندماج فيه. وقد يعارض البعض فكرة (الانضباط) في المراحل المبكرة، إلا أن توسيع قاعدة المفهوم نفسه، وما يحتويه من مهارات وقدرات ومعارف من شأنها أن تغير الانطباع المجتمعي العام عن المفهوم وضرورته.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان