أنطلق في كتابة هذا المقال بعد تردد إن كان من الأهمية أن أستعرض رأيا بخصوص ما دار مؤخرا من تفاعل بشأن قضية منصة «تيك توك» وحظرها المحتمل؛ فوجدت أن للقضية جذورا وتفرعات لا يكفي أن نعلل أسبابها ومشكلاتها في حدود ضيقة، ولا يمكن أن نضيّق القضية بمشكلتها الحالية المرتبطة بمنصة «تيك توك»؛ إذ الأمر أكثر اتساعا، وهذه المنصة جزء من الزحف الرقمي الكبير الذي يقود العالم بأجمعه -مجتمعاته وأفرادها- إلى منطقة حياة - بخيرها وشرها- غير معهودة من قبل. يكفي أن ننظر إلى تاريخ المجتمعات الإنسانية وما رافقها من تغييرات مع كل حقبة تطورية مثل حقبة الثورة الصناعية التي كانت سببا في ولادة حقبة الثورة الإلكترونية وما صاحبها من ظهور للتلفاز والحاسوب؛ فكانت دافعا إلى ولادة العولمة وتمازج الثقافات، ولكنها قادت إلى ولادة مظاهر العزلة الاجتماعية وتراخي أنشطة الإنسان الاجتماعية، ولنجد أن مثل هذه المعضلات تفاقمت مع ولادة الإنترنت والهواتف المحمولة، ولنصل -في يومنا- إلى الحقبة الرقمية التي شكّلت لنا ما سبق أن أسميته بالمجتمع الرقمي المهووس بالأنظمة الرقمية ومشتقاتها؛ فبلغ أن تصبح مصطلحات مثل «التعفن الدماغي» و«الإدمان الرقمي» شائعة في وسطنا المجتمعي، ولم يخلُ الأمر من أن تمتد المصائب إلى اتساع رقعة الانحراف الأخلاقي -الفردي والجمعي- وانهيار الأسر، ولسنا بحاجة إلى أن نعيد ما صاحب الاستعمالات الخاطئة لهذه الأنظمة من انهيار في المنظومة المعرفية والتعليمية؛ فسبق أن تناولناها بإسهاب في مقال سابق مستقل.
رغم اتساع دائرة النقاش الرقمي وقضاياه الكثيرة، دعونا نركز على خبر توقف منصة «تيك توك» في سلطنة عُمان، وانقسام الآراء بشأن سبب توقف المنصة بين فرضية حظر اتخذته سلطنة عُمان -رغم عدم وجود بيان حكومي رسمي- وبين وجود خلل محتمل للمنصة، وإن كنت أميل إلى الافتراض الأول لأسباب منها خروج مثل هذه المنصات وفي مقدمتها «تيك توك» عن المسار الرقمي المقبول -كما سنبين ذلك لاحقا-. كذلك انقسمت الآراء بشأن هذا التوقف -أو الحظر-؛ فرأينا آراء مجتمعية مرحبة بهذه الخطوة، ولعل ترحيبها ينبع من معايشة للتأثيرات ومساوئها التي صاحبت مثل هذه المنصة. في المقابل، وجدنا آراء غير محبّذة لحظر المنصة أو توقفها لاعتبارات تتعلق بعضها بالحرية الرقمية كون هذه المنصة حالها حال كثير من منصات التواصل الاجتماعي سلاحا ذا حدين؛ فيمكن أن تستعمل بشكل صائب ونافع وبشكل خاطئ وضار. وأرى أنني أقرب إلى التوافق مع الرأي الأول ببعض النسبية، ومع ذلك لا أرفض الرأي الثاني مع بعض الاعتبارات؛ إذ لا يمكن أن ندّعي الفساد المطلق لهذه المنصة وما يضارعها من منصات رقمية؛ فنجد من يستفيد من هذه المنصات في نشر المحتوى النافع والهادف، وبعضهم من اتخذ مثل هذه المنصات وسيلة للكسب المباشر أو غير المباشر لأجل غايات ربحية مشروعة مثل الترويج التجاري.
لكننا أيضا في حالة صراع مع الزحف الرقمي وما يحمله من طوفان يهدد كثيرا من قيمنا الدينية والمجتمعية، وهذا ما يجعلنا نضع بعض الاعتبارات العقلانية التي نضطر فيها إلى تفعيل مبدأ الأولوية فيما يتعلق بالمصلحة العامة. ولا أشك -حال أن الحظر جاء بتوجيه حكومي على غرار منع وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال- وجود ضرورة تستوجب تدخل الحكومة في فرض هذا الحظر، ويتعدى الأمر قضايا ما أطلق عليه «البثوث المباشرة» التي جلبت استياء المجتمع وسخطه نظرا لما رافقها من تجاوزات مرفوضة أو المقاطع التي ينشرها بعض المستخدمين التي لا تناسب الذوق العام والعرف الاجتماعي.
تواجهنا كثير من التساؤلات والآراء المتباينة عن هذه القضية؛ فيرتبط بعضها بمبادئ الحرية بين الفردية والجمعية وبعضها الآخر بالمنظومة الأخلاقية والتأثيرات الناتجة عن أي تزعزع في المنظومة الأخلاقية. ولأجل تمحيصنا لمثل هذه القضايا، نحتاج إلى تشريح تقني واجتماعي ونفسي لهذه المنصات وفهم منطلقاتها وما تحمله من تأثيرات. ونبدأ من الزاوية التقنية التي يمكنها أن تقودنا إلى تفكيك شفرة التأثيرات الاجتماعية والنفسية التي تتطور في تفرعاتها الأخرى -طويلة المدى- إلى تأثيرات سياسية واقتصادية وتعليمية، ولعل ثمة من يرى بعض المبالغة في هذا الطرح، ولكننا بحاجة إلى شفافية عقلانية لا نجامل فيها ولا نبالغ؛ فنزنها بميزان الواقع التقني وآلية عمله. من المهم أن ندرك أن منصة مثل «تيك توك» -حالها حال معظم المنصات الرقمية الأخرى- تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي في عملها من حيث قدرتها على رصد التفضيلات الفردية للمستخدم؛ فتركز بشكل واضح على ميولاته في المحتوى؛ فتبحث عن شتى الطرق الجاذبة للمستخدم وضمان إبقائه في حلقتها الرقمية دون توقف، ومنها آلية «التمرير اللانهائي» التي تضع المستخدم في مرحلة إدمان مشاهدة المحتوى المرئي القصير دون توقف، وهذا ما يصل بكثير من الحالات إلى مرحلة «التعفن الدماغي». هذا من حيث المشكلة العامة لمعظم منصات التواصل الاجتماعي -المرئية منها خصوصا- وما يمكنها أن تفسده في الأفراد بوجود ظاهرة الإدمان الرقمي.
ما يريبنا أكثر بشأن هذه المنصة أنها -كما يشاع عنها- أكثر تحررا من القيود الأخلاقية التي -يُعتقد- أن بعض منصات التواصل الاجتماعي الأخرى تدعي فرض قيود أخلاقية أعلى؛ فيجعل من «تيك توك» منصة مفتوحة على الغث والسمين من المحتوى المرئي. بجانب الخوارزمية الذكية التي تعمل بواسطتها هذه المنصة، تدعم هذه المنصة كثيرا من السلوكيات ذات الطابع العنيف مثل «التحديات» التي تُطلق في هذه المنصة، وتأتي في صورها المتعددة مثل تحدي كتم النفس الذي يهدف إلى وصول «المتحدي» إلى مرحلة فقدان الوعي، وتسببت مثل هذه التحديات بعدد من الحوادث المميتة أغلبها لأطفال ومراهقين. ولسنا بحاجة إلى مزيد من الحديث عن المحتوى المرئي اللا أخلاقي، والذي أفرز سموما نفسية واجتماعية يصعب التعامل معها وعلاجها.
لا أريد لبعض من يقرأ هذا المقال أن يفهم أنني أطالب بفرض «الديكتاتورية الرقمية»، وأنني مع كبح الاستعمالات الرقمية بشكل مطلق، وسبق أن تحدثت أننا لسنا بحاجة إلى ممارسة المنع المطلق إلا في حدود الضرورة كوننا جزءا لا يتجزأ من المنظومة الرقمية الراهنة ولا يمكننا الانفصال عنها، ولكننا أمام مسؤولية مجتمعية ووطنية تحتّم علينا أن نراقب البيئة الرقمية من منطلقات نحمي فيها ثوابتنا المجتمعية ونصونها من العبث. لذلك، لا أجد بأسا إن رصدنا خطرا بأي نوع كان ومن أي مصدر كان بما فيها المنصات الرقمية أن نمنعه -ولو كان منعا مؤقتا- لنرصد آثاره وعواقبه ونحدد بواسطتها أدوات الوقاية والعلاج، ولا أجد في توجيه الحكومة لقرار حظر رقمي محدد -بعد رصدها لظاهرة مجتمعية سلبية- أي بأس؛ إذ لا أجد أن المنظومة الرقمية منفصلة عن المنظومة الأمنية التي يحق -ويجب- للحكومة وكل أفراد المجتمع أن يحموها، وكم رأينا ما يمكن للأنظمة الرقمية ومنصاتها المتقدمة أن تحدثه في الإنسان ومجتمعاته، وكم عرفنا عن التداخل والمصالح المشتركة التي تجمع بين الشركات المالكة لهذه المنصات وبعض المؤسسات الأمنية والعسكرية في دول كبرى؛ فكانت بعضها مدخلا ناعما -يحمل سما غير مرئي- إلى مجتمعات ما؛ فتحدث في داخلها فوضى نفسية واجتماعية، وبكل تأكيد تتطور إلى فوضى سياسية -في مراحل ما-؛ فنجدها في صور ثورات أثبتت فشلها مثل التي حدثت في بعض الدول العربية وغير العربية.
أجد أننا بحاجة ماسة إلى الحديث بشفافية عن المنظومات الرقمية ومنصاتها، ولا نكتفي بالمنع الرقمي أو فرض حظر على منصة ما دون عرض للمقاصد والأسباب، وحال أن مثل هذا الحظر مؤقت، فلا بأس باستغلال فرصة رفع الوعي المجتمعي فيما يتعلق بهذه المنصة من حيث منافعها ومخاطرها؛ إذ -كما ذكرنا- للمنصة منافع كثيرة تستفيد منها شريحة كبيرة من المجتمع لأغراض معرفية وثقافية وتجارية، ولا أرى بأسا للعودة إلى السماح -حال تعذر وجود البدائل لدى بعض من اعتاد هذه المنصة سواء في نشر المحتوى المفيد بعموم محتواه أو التجاري- مع بعض التقنين والضوابط الأخلاقية والقانون الرادع للمخالف. وهذا ما نراه في مجتمعات متقدمة منها أوروبية، ولم أجد من يصف ذلك «ديكتاتورية رقمية» على غرار منع بعض الدول -منها غربية- استعمال الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يعتبرها كثير من المثقفين مسؤولية تنطوي تحت طائلة الدولة باعتبارها مسؤولة عن سلامة الفرد ومجتمعه وجميع مقدراته الوطنية. أرجو أنني وصلت إلى ما أصبو إليه من توضيح رأي يتعلق بمسألة المنصات الرقمية وما لنا وما علينا اتجاهها؛ كوننا نحن من نملك الوعي والقرار.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني