دينا إسفندياري - زياد داود
ترجمة - أحمد شافعي
ليس الشرق الأوسط بغريب على الصراعات، لكن حتى وفقا لمعايير المنطقة، كانت الأشهر الستة الماضية فوضوية على نحو استثنائي. منذ أن دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في الثامن والعشرين من فبراير تواجه دول المنطقة دورات من الضربات بالمسيرات والصواريخ تستهدف قواعدها العسكرية، وبنيتها الأساسية في الطاقة، ومحطات تحلية المياه. واضطرت مطاراتها ومصافيها النفطية مرارا لإيقاف أعمالها. وخملت موانئها المعتادة في بعض الأحيان بسبب هجمات إيرانية على السفن في مضيق هرمز.
وبرغم أشهر من المفاوضات، تبدو واشنطن وطهران متأهبتين للاستمرار في القتال المتقطع في محاولة من كل منهما لاستنزاف الطرف الآخر ماديا ومعنويا. واتسعت رقعة الحرب في واقع الأمر. وانضم مزيد من أعضاء شبكة «وكلاء» إيران الإقليميين، ومنهم الحوثيون في اليمن والميلشيات العراقية المتحالفة مع إيران، وتعرض ميناء في مصر للضرب بالمسيرات (فلم يعلن بلد مسؤوليته عن تلك الهجمة لكن الولايات المتحدة لامت فيها إيران).
وفي ظل استمرار الصراع، سوف تمتد أضرار الشرق الأوسط لما يتجاوز البنية الأساسية. وسوف تعمق خطوط الصدع في المنطقة. وسوف تتأثر بعض الاقتصادات أكثر من غيرها، بما قد ينهي سياسات دول الخليج المعروفة تاريخيا باستقرارها. وقد تتعرض بعض المؤسسات ذات المركزية في المنطقة، من قبيل «أوبك+» لضغوط هائلة. وثمة إجراءات يمكن أن تتخذها حكومات الشرق الأوسط لمعالجة هذه التحديات، لكن ليس بينها ما هو مباشر، وكلها تنطوي على عواقب. ومن أجل النجاة من عصر ازدياد الفوضى، سيكون لزاما على بلاد المنطقة أن تعيد التفكير في علاقاتها بالعالم الأوسع، وأهم من ذلك علاقاتها ببعضها بعضا.
بيت منقسم
طالما اعترت الخلافات ما بين دول الشرق الأوسط، فقد تخاصمت على سبيل المثال بشأن إسرائيل والإسلام السياسي والسياسة النفطية. فالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لديهما رؤى متناقضة فيما يتعلق بالمنطقة وما وراءها، ومن ذلك ليبيا والسودان واليمن. لكن الحرب تعمّق كل هذه الصدوع وتنشئ المزيد منها (...) كما أن الدول تختلف في طريقة معالجة الحرب ذاتها والتعامل مع إدارة ترامب العصية على التنبؤ. وقد تراكمت هذه الاختلافات على النزاعات القائمة، فزادت من الاستياء ومن صعوبة إدارة اختلافات المنطقة، بما يحبط جهود التكيف مع الحرب المتصاعدة.
بدأ الصراع أيضا في التفرقة بين الخليج والولايات المتحدة وهي ضامن الأمن الأساسي فيه. فحينما رجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ظن كثير من حكومات الخليج أن علاقاتها بواشنطن سوف تتحسن بعد سنوات أربع من الاضطراب في ظل إدارة بايدن. فقد كان ترامب في نهاية المطاف يتبع نهجا ودودا مصلحيا تجاه المنطقة خلال ولايته الأولى. وقد بذل مسؤولون من الشرق الأوسط جهودا كبيرة للظفر به، فمنها التعهد بإنفاق مليارات الدولارات في الولايات المتحدة، وزيادة إنتاج النفط، وتوجيه صفقات استثمارية لعائلة الرئيس، وفي حالة قطر حصل الرئيس على هدية كانت عبارة عن طائرة خاصة، فإذا بترامب يشن حربين لا حربا واحدة على إيران، معليا رغبة إسرائيل في محو الجمهورية الإسلامية على رغبة الدول العربية في الاستقرار. وأظهر هذا للمنطقة أنه لا يمكن الوثوق في واشنطن.
لطالما اعترى القلق الشرق الأوسط بسبب اعتماده على الولايات المتحدة فعمد إلى تنويع شراكاته منذ الربيع العربي في عام 2011. لكن هذه الجهود في الماضي كانت ترمي بشكل رئيسي إلى تهديد واشنطن أو إرغامها على العمل لصالحهم. ثم باتت الآن أكثر جدية. ففي الشهر الحالي على سبيل المثال صاغت المملكة العربية السعودية معاهدة دفاع مع باكستان وتركيا. وتشتري حكومات المنطقة مزيدا من الأسلحة من مورّدين في أوروبا وكوريا الجنوبية وتركيا بل ومن أوكرانيا. وأخيرا، تستمر هذه البلاد في التطلع إلى الصين وروسيا بحثا عن شراكات سياسية واقتصادية. وهي مهتمة اهتماما خاصا بصياغة المزيد من الروابط الاقتصادية مع الصين التي تبلغ تجارتها مع المنطقة بالفعل مليارات الدولارات من السلع. فضلا عن أن الصين الآن هي المقصد الأعلى لخام النفط في المنطقة.
سيكون أي انصراف عن الولايات المتحدة محدودا. فما من شريك أمني بديل في الوقت الراهن على الأقل: فالصين عازفة عن استعمال قوتها الاقتصادية في عرض مساعدة عسكرية، وروسيا غارقة في حربها الخاصة، وأوروبا تكافح من أجل تنسيق قضاياها الدفاعية. (وأيضا، من وجهة نظر الخليج، تركز أوروبا أكثر مما ينبغي على القضايا الداخلية في الخليج). كما أن هذه الحكومات غير سعيدة بجهود الصين وروسيا في مساعدة إيران في الحرب بعرض الأولى منهما على طهران مساعدات مادية يمكن أن تستعملها في إعادة بناء قاعدة صناعتها العسكرية، ومساعدة الثانية لها في تحسين قدرتها على الاستهداف. وبرغم أن القواعد الأمريكية قد تجعل الدول المستضيفة لها أهدافا، فلا تزال حكومات المنطقة تريد الحضور العسكري الأمريكي والحماية الأمريكية.
لكن خلافا لجهود التنويع، سيكون هذا التحول المحدود عن واشنطن ذا معنى أكبر. فسوف يركز على إشباع احتياجات الخليج أكثر مما يركز على التحوط من السياسات الأمريكية التي تمقتها، وقد يكون هذا كافيا لتقليل نفوذ الولايات المتحدة على الشرق الأوسط. والواقع أن بعض الفاعلين في المنطقة قد ينخرطون بشكل أكبر مع إيران، فيجعلون لها مصلحة في أمن الشرق الأوسط في مقابل سلوك أقل تهديدا. وفي نهاية المطاف، لو أن واشنطن عاجزة عن تأمينهم، بل إنها قد تكون سببا إضافيا في إحساسهم بالخطر بسبب أفعالها العدوانية من وجهة نظرهم، فقد يلزمهم الحديث مع طهران، وبخاصة في ضوء فشل سنين من محاولة الاحتواء. غير أن الحرب ـ وبخاصة استهداف إيران المباشر للخليج ـ تجعل هذا النهج دواء مريرا. لكنه يجعله في الوقت نفسه ضرورة أكبر. ومع إصرار طهران على موقفها بمحاربة واشنطن فإن قطر والسعودية بل والإمارات سوف تحتاج إلى مزيد من الحديث مع مسؤولين إيرانيين لإخراج أنفسهم من مرمى النيران.
الخيار الأقل مرارة
بالطبع لا يستطيع الشرق الأوسط أن يعتمد فقط على القوى الأجنبية ليقي نفسه من الاضطراب على المدى البعيد. فسوف تحتاج دوله إلى تقوية دفاعاتها الخاصة، ابتداء بتحسين الصواريخ الاعتراضية والدفاع الجوي والقدرات المضادة للمسيرات. وليست الصناعات الداخلية في هذه البلاد ناضجة بعد النضج الكافي لتلبية احتياجات المنطقة في المستقبل القريب، ولا تزال تعتمد بشدة على شراكات مع مصنّعين خارجيين. لكن القطاع يتنامى، والحرب قد تطول بما يسمح لهذه الشركات بإنتاج مزيد من الأسلحة التي يحتاج إليها الشرق الأوسط.
غير أن الاختلافات السياسية المتزايدة قد تجعل من الصعب على دول المنطقة أن تتعاون في إجراءات دفاعية. فالشرق الأوسط على سبيل المثال قد يتردد في تعميق الدمج بين شبكاته الدفاعية الصاروخية والجوية أو تحسين الإنذار المبكر من الهجمات المحتملة في ضوء احتياج ذلك إلى تبادل معلومات استخباراتية حساسة. وقد يصعب على هذه الدول أن تبقى متناغمة العمل مع بدئها في نشر معدات عسكرية متزايدة التنوع. وفي حال تنافس كل دولة على الموارد العسكرية النادرة، من قبيل الصواريخ الاعتراضية الدفاعية المطلوبة، قد يصبح الدفاع نفسه مجال تنافس جديدا. وقد يثبت أن هذا مدمر لدول المنطقة الأقل ثراء، من قبيل البحرين والأردن، التي لا تملك المال لتحقيق زيادة ذات شأن في ميزانياتها الدفاعية بما سيجعلها في احتياج لجيرانها.
فضلا عن أنه مهما أنفقت المنطقة على الدفاع، فإنها لن تقدر على اعتراض كل هجمة إيرانية في المستقبل. فما لنظام حمائي أن يكون عصيا على الاختراق وهو مرغم على تغطية ملايين الأميال المربعة وإسقاط وابل المسيرات والصواريخ، خاصة مع استمرار إيران في تحسين قدراتها. وسوف تقلل الخلافات والصدوع الأمنية من كفاءة شبكات الدفاع الجوي، بما يمثل نذير سوء على مستقبل المنطقة الاقتصادي. فأغلب الشرق الأوسط يعتمد على عوائد صادرات النفط والغاز، وقد أثبتت إيران أنها أقدر على إبطاء هذه التجارة بالتهديد بضرب البنية الأساسية. فبوسع طهران على سبيل المثال أن تعوق إلى الأبد مضيق هرمز الذي يمر عبره أغلب النفط والغاز في المنطقة وذلك بمحض إطلاق النار على السفن العابرة فيه، أو حتى بمحض التلويح بعمل ذلك. وبوسع بعض بلاد الشرق الأوسط أن تعدل عن ذلك وتصدر من خلال البحر الأحمر الذي يقع بين قناة السويس ومضيق باب المندب، ولا يزال هذان الممران عرضة لضربات جماعة الحوثيين المسلحة في اليمن المتحالفة مع إيران والتي دأبت على إعاقة الممر المائي مرارا خلال السنوات الثلاث الماضية. وحتى البلاد القليلة المتصلة مباشرة بالمحيط الأوسط، من قبيل سلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة، فجدير بها أن تقلق من استهداف الضربات الإيرانية لموانئها.
وفي حال استمرار معاناة الشرق الأوسط في تصدير النفط والغاز، قد تتعرض لاضطرابات سياسية داخلية. ويصدق هذا تماما على الدول الأكثر اعتمادا على النفط من قبيل العراق الذي سيصعب عليه أن يدفع تكاليف أجور الوظائف العامة الكبيرة دونما مكاسبه من المحروقات. ويصدق أيضا على البحرين التي تعاني أحد أعلى أعباء الديون في العالم. لكن حتى البلاد الأشد ثراء قد تصادف اضطرابات هي الأخرى، فعلى مدار العقدين ونصف العقد الماضية، استخدمت دول الخليج عائدات مبيعات النفط والغاز لبناء بعض أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم (وهي ثلاثة صناديق، واحد في الكويت، وواحد في السعودية، وواحد في الإمارات، تمتلك أصولا تقارب تريليون دولار). وطالما كان النفط هو ممول العقد الاجتماعي الباهظ في الخليج الذي يقوم على توفير الحكومات وظائف ذات رواتب باهظة وخدمات رفيعة المستوى في مقابل «التوافق» السياسي. وفي حال إغلاق ممرات المنطقة البحرية وتوقف صادرات المحروقات بحيث يصبح هذا هو الوضع المعتاد، فقد يتعرض هذا التوافق للخطر.
لا شك أن الدول العربية واعية بهذه المخاطر، وهي تتخذ خطوات لاجتناب مواجهتها. فبعضها على سبيل المثال سوف يستثمر في خطوط أنابيب قادرة على تجاوز نقاط الاختناق في المنطقة. لكن سياسات خطوط الأنابيب في المنطقة أثبتت مخاتلتها في الماضي، وتعقيدها للعلاقات بين العراق وتركيا، وقطر والسعودية، وغيرها. ثم إن هذه البنية الأساسية بدورها تبقى عرضة للهجوم أو التخريب. ونتيجة لذلك يرجح أن تنتهي حكومات الشرق الأوسط إلى حل واحد: هو بناء مخازن للنفط بالخارج. والآلية بسيطة، عندما يكون مضيق هرمز مفتوحا، تنقل البلاد إمداداتها بسرعة وتملأ مخازنها الخارجية. وبوسع الدول المستوردة أن تسحب هذه الإمدادات عند إغلاق المضيق. وسوف يفلح هذا مع الجميع، وليس فقط مع البلاد المتصلة بمضيق هرمز بواقع الجغرافيا. فضلا عن أن التخزين بالخارج ينعم بميزة البعد بما يزيد من صعوبة استهداف الهجمات الإيرانية له، برغم أن هذه الآلية لن تكون محصنة من إعاقات أخرى. وبعض بلاد الشرق الأوسط بدأت فعلا خطوات لزيادة مخزونها بالخارج. فالكويت على سبيل المثال تتطلع إلى توسيع شبكاتها لتخزين النفط، ويحتمل أن يكون ذلك في كوريا الجنوبية واليابان. والإمارات تدرس خططا لزيادة تخزين الخام في الهند، وقد أشار العديد من منتجي الشرق الأوسط ـ فضلا عن الكويت ـ إلى اهتمام بتخزين النفط والغاز في كوريا الجنوبية.
لكن هذا حل جزئي لا أكثر، فمنشآت التخزين في نهاية المطاف محدودة. وبحل جزئي لمشكلة واحدة فقط، سوف تنشأ أخريات. فلدى منظمة «أوبك+» والدول العشر التابعة لها حدود مثيرة للجدل لإنتاج النفط، وقد تؤدي زيادة التخزين إلى تفاقم هذه الخلافات، بل إنها قد تفضي بمزيد من البلاد إلى تجاوز حدود الإنتاج، إذ تستعمل البلاد التخزين الخارجي لتبرير زيادة الإنتاج، بما يزيد من الانقسامات في المنظمة.
سباق الصمود
برغم هذه التحديات جميعا، يشير التاريخ إلى أن المنطقة قد تجتاز الصراع الأمريكي الإيراني، بل وإلى أنها قادرة على اجتناب التعرض لندوب باقية وخطيرة من جرائه. فهذه ليست الحرب الأولى التي تخوض المنطقة غمارها في ظروف عصيبة، فقد تعافت من حرب العراق وإيران التي استمرت ثماني سنوات في الثمانينيات من القرن الماضي، واحتملت غزو العراق للكويت سنة 1990 وغزو الولايات المتحدة للعراق سنة 2003. وفي العديد من هذه الحالات، استطاع الكثير من الفاعلين في الشرق الأوسط أن يرتجلوا طرقا للتعامل مع الضغوط. فتمكنت مصر من شطب نصف ديونها ونجت من أزمة بالانحياز للولايات المتحدة ضد العراق سنة 1990. وتغلبت قطر على قيود الجغرافيا السياسية الخاصة بخطوط الأنابيب في العقد نفسه عبر رهان بالدين على تقنية جديدة هي تسييل الغاز الطبيعي لتصديره بالسفن. ولما آتى ذلك الرهان أكله، أصبحت قطر من أغنى بلاد العالم.
وعلى الشرق الأوسط اليوم أن يفكر، وعليه أن يستحدث طرقا جديدة للحفاظ على ثروته، والمضي في طريق الاكتفاء الذاتي، وتنويع أمنه بل وامتلاك زمامه. وهو بحاجة إلى آلية جديدة قادرة على مساعدة بلاد المنطقة في إدارة اختلافاتها والتوحد في مواجهة الأخطار المشتركة. فذلك هو السبيل الوحيد لتنجو المنطقة من هذا الصراع وتصمد للصراع القادم.
دينا إسفندياري رئيسة قسم الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط في بلومبيرج إيكونوميكس
بيكا واسر رئيسة قسم الشؤون الدفاعية في بلومبيرج إيكونوميكس
زياد داود كبير الاقتصاديين في الأسواق الناشئة في بلومبيرج إيكونوميكس
عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»