إذا ما استمر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الكتابة فإن «الفجوة المعرفية» -إن صحت تسميتها- ستزداد اتساعًا بين الكاتب والمكتوب ربما حدَّ الانفصام والانفصال التامّ بينهما مستقبلًا. كم مرةً قابلتَ كاتبًا أو استمعتَ إلى حوارٍ معه على الإذاعة أو التلفزيون ثم تساءلت مرتابًا: أهو نفسه مؤلف تلك الكتب وكاتب تلك المقالات؟ ينبع هذا السؤال من تلك الفجوة بالضبط، الفجوة التي نلحظها بين الكاتب والمكتوب؛ أي ذلك التباين الغريب في مستوى ثقافة المؤلف ووعيه بالموضوع داخل النص مقارنةً بذخيرته المعرفية الشحيحة وأفكارهِ الباهتة التي يقدمها حول موضوعه ما إن يبرز له محاور حقيقي وجهًا لوجه، فضلًا عن ارتكابه مغالطات كبرى لا تتسق مع نصه المكتوب، في دليل على عدم الإلمام بما يدعي كتابته.
ومن الواضح أنني لا أتحدث هنا عن السهو أو زلات الكلام وتلعثمه الطبيعي في النقاشات الشفوية مقارنةً بحضور الكاتب وجاهزيته أثناء الكتابة كما تظهر في النص، فهذا مفهوم، فليس كل كاتب متحدثًا بارعًا بالضرورة. نعرف أن الحديث للإعلام أو الجمهور مهارة أخرى، وما كل كاتبٍ يستطيع الكلام في حديث مفتوح عن مشروعه أو الأفكار التي تشغله ويعبر عنها كتابةً حتى وهو يحادِث أقرب أصدقائه على حدة، بل إن الحاجة للكتابة تنشأ في الأصل من رغبتنا في قول ما لا نستطيع قوله إلا كتابةً. ما أصفه هنا هو عدم تشبع الكاتب بما يدعي كتابته، علاقته الواهية بالنص، كما لو كانت الكتابة لديه مهنة طباعة. هذه ظاهرة قديمة برزت مع تطور التقنيات والأدوات المساعدة، لكنها مرشحة للتفاقم بصفاقة فاقعة نتيجةً للإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي اليوم في الكتابة (والويل للجامعات ومستقبلها!). وقديمًا قال أهلنا: «العِلم في الراس ما في الكرّاس». هل يحتاج هذا المثل إلى شرح أو ترجمة؟ أجده يفي بما أحاول قوله في هذه العجالة.
هناك كتَّاب محترفون حقًا يبدون متفائلين بمستقبل الكتابة بعد الذكاء الاصطناعي، كتَّاب معروفون بخبرة طويلة مع الكتابة ومشاغلها، ولهم أعمال مقروءة على رفوف المكتبات، ولا ينقصهم اعتراف أو شهادة شاهد على كونهم كُتَّابًا متحققين، وها قد بدأوا واحدًا تلو الآخر يعبرون عن سعادتهم بالتعامل مع الذكاء الاصطناعي في الكتابة، فهو يجعل شغلهم أسهل حسب ما يعتقدون، ويرون فيه شريكًا فكريًا ومنقذًا من ساعات الاستعصاء العصيبة التي عاشوا معها عمرًا طويلًا وهم يرعون نجوم الليل سهرًا من أجل وضع فكرة غامضة في كلمات واضحة. ها هم بعد أن أشعلت الكتابةُ رؤوسهم شيبًا يستسلمون لإغراء السهولة والسرعة. فهل يدركون مغبةَ هذا الانزلاق وما سيؤسسه من انحراف/ تحول أسلوبي وفكري في مشاريعهم؟
لفتني قبل أيام منشور لحازم صاغية على الفيسبوك يقول فيه: «منذ قرابة شهرين دخل «تشات جي بي تي» في عملي الكتابيّ، وعليّ أن أعترف له بفضائل لا حصر لها: بحثًا عن معلومة وتدقيقًا لها، واختيارًا لأمثلة يقدّمها بسخاء كبير في دعم فكرة يُراد قولها، وأحيانًا صياغةً لفكرة على نحو أدقّ من صياغتي. وهذا لا يلغي أنّه يخطئ أحيانًا (تمامًا كالبشر!)، إلاّ أنّ أخطاءه لا تتعدّى الـ5 بالمائة من المادّة التي يقدّمها. لكنْ إذا أتيح لي أن أكتشف الخطأ وأنبّهه إليه بادر فورًا إلى الاعتذار والتصحيح، وهو هنا حتمًا أفضل من بشر كثيرين. كلّ الشكر للأخ تشات جي بي تي».
حسنًا، معقولٌ هذا الكلام، لكنه يستدعي النقاش حول ما سنعنيه بالكتابة من الآن فصاعدًا. فعندما يكون الكاتب مزودًا بأدوات مساعدة تفوق قدرته الحقيقية على الإنتاج وتتجاوز استعداده على التفكير والتعامل مع اللغة، فكيف يمكن أن ننسب له النص نسبة مطلقة من غير ريب ولا شوائب؟ قد لا أعني كاتبًا قديرًا ومتمكنًا مثل حازم صاغية بالضرورة، وإنما أستشهد بكلامه لأنه يسنُّ سنة لغيره من الكُتَّاب.
حسب علمي لا توجد حتى الآن ضوابط ومعايير واضحة لحدود تدخل الذكاء الاصطناعي «الشرعية» في كتابة النصوص ثم ادعاء ملكيتها. ولا نعرف أدوات ضبط وكشف دقيقة ومعتمدة، حتى ما أعلنته شركة أنثروبيك المطورة لبرنامج «كلود» عن «علامة مائية» خفية ستضاف إلى النصوص لكشف الانتحال، غير مقنع بصراحة، فلا تُعدم وسائل الاحتيال عليها. أما قوانين الملكية الفكرية ومبادئها العامة فقد أصبحت بحاجة إلى مراجعة شاملة بعد هذه الطفرة.
ولكن لنؤجل السؤال الأخلاقي عن أحقية الكاتب في التوقيع باسمه على نص لم يتدخل في كتابته إلا باقتراح الفكرة ربما، أو بتوجيه الذكاء الاصطناعي بالأوامر. ودعونا نتساءل معًا: ألا يؤسس هذا النوع من «الكتابة» للمعنى المفجع والحرفي لـ«موت المؤلف»؟ فالكاتبُ غريب على النص الذي أنتجه له الذكاء الاصطناعي فنشره موقعًا باسمه. هو مثلنا، ضيف على ذلك النص، يستقبله قارئًا ثم يتبناه.
أتأمل اللوحة الشهيرة لرامبرانت «المسيح في عاصفة بحر الجليل» التي تعود لعام 1633، وأتساءل: أنى للذكاء الاصطناعي أن يشعر بلطخة اللون ولعبة الضوء والظل في عمل شديد الدقة كهذا، فيقلدُه ويخدعنا؟ ثم أعود بسؤالي إلى همّ الكتابة. باعتقادي أن أدوات الذكاء الاصطناعي مهما قلَّدتْ الأدب الإنساني، ومهما فرَمَت الكتب فرمًا لتتعلم أساليب كبار الأدباء، الأحياء والأموات، فلن تمحو من نصوصها ذلك الجفاءَ المطلي بطلاوة مصطنعة تخدع الكثيرين، إلا أنها لن تروي ظمأ القارئ الحقيقي الذي ينشد الإمتاع والمؤانسة فيما يكتبه إنسان بعيد.
ليست الكتابةُ صُدورًا للخارج فحسب، فهي صدور نحو الداخل في الوقت ذاته، حيث تترك عوائدها وودائعها، والأهم أن الكتابة ممارسة تربي كاتبها. وكأي مهنة أو فن آخر، يصقلها الصبر. كم أحب اختيار الكاتب والصحفي عمر طاهر أغنية أم كلثوم «وصفوا لي الصبر» اسمًا لبرنامجه التلفزيوني الذي حاور فيه عددًا من الأدباء عن الكتابة وطقوسها ونكدها وفرحها. وأرى أن جدوى الكتابة وقيمتها ومعناها لا توزن بقيمة النص النهائي الخارج للقراء وحده، «بل» تخلق الكتابة معناها وتتخلق من خلاله في عملية مستمرة تشكل صاحبها. (هل علي الآن أن أعيد كتابة جملتي من غير «بل» درءًا للشبهة؟ حتى لو كانت هذه اللغة لغتي؟).
كل كتابة هي تمرين على الكتابة. يغريني مديح الكتابة لأذكّر كَتَبةَ الذكاء الاصطناعي أن الكتابة هي فعل الكتابة نفسه، تحدث في العملية ومكابداتها، في ذلك الضنى المشوق لميلاد جملة جديدة على الصفحة البيضاء، وفي الإحساس بلذة الاشتقاق وتنفس هواء الكلام لحظة ميلاده من العدم.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني