من مقولة خالدة للمفكر الأمريكي توماس باين: "العقل الذي استنار لا يمكن أن يعود إلى الظلام".. بدأ رحلة الحديث عن طرق للأبواب ستسمعه كل المنازل قريبا، فثمة عام دراسي جديد يقف بالخارج، ينتظر كل الذين عاشوا أياما في هدنة مؤقتة للعودة إلى مدارسهم والجلوس في فصولهم الدراسية.


شوط طويل قطعته الإجازة الصيفية عند طلاب العلم، ولم يتبقَّ على نهايتها سوى أيام معدودة وبذلك تعود المياه إلى مجراها وجداولها اليومية، أيام السكون تستأذن نحو رحيل، وعليه سنعيش فعليا بداية عام دراسي آخر، وسنكون بذلك قد بدأنا بفتح صفحة جديدة وطوينا أخرى قديمة. أجراس المدارس ستقرع في الصباح قريبا لتعلن عن قصة نجاح أخرى في مسيرة التعليم في الوطن الغالي.


هنا نستدعي قليلا من أقوال خالدة، ونرى ما تركه الداعية الإسلامي الأمريكي مالكوم إكس عندما قال: "التعليم هو جواز سفرنا للمستقبل لأن الغد ملك لأولئك الذين يعدّون له اليوم"، أما الشاعر الإنجليزي والكاتب المسرحي ويليام بتلر ييتس فيرى بأن التعليم ليس ملء دلو ولكنه إيقاد شعلة، ونحن نتفق مع كل الذين ينادون بأن "التعليم هو أساس الحياة وازدهارها".
العلم وإن تعددت الكلمات والمقولات حوله فإنه بلا أدنى شك هو منارة تضيء لنا الطرقات وتدلنا على منابع المعرفة، وتقود الشعوب نحو تحقيق النجاح في حياتهم، ورفدهم نحو منافذ المستقبل.


عما قريب ستبدأ رحلة عام دراسي يعج بالكثير من النشاط والحركة، فالمشهد في نظري سيبدو هكذا بعد أيام قليلة: "قوافل الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات ستسلك الطرقات نحو مدارسهم من جديد، وسنرى حالة من الاستنفار القصوى تشتعل من جديد لدى كل الأسر التي تحاول جاهدة نحو تسخير كل طاقتها وجهودها ليعود أبناؤها إلى نظامهم الاعتيادي القديم الذي أتت الإجازة الصيفية عليه، فقلبت موازين الأمور وحولت حالهم رأسا على عقب، فجعلت ليله كنهارهم، ونهارهم إلى ليلهم.


قريبا هناك موعد ننتظره، وشمس وضاءة ستشرق على منافذ الحياة، وصخب يكفي ليعرفنا بأن العلم هو منارة الدنيا وهو ذلك الشغف الذي يرافقه الجميع نحو بوابات السعادة.
قريبا سيجيب طلاب العلم لصوت المنادي، ولسوف يحملون كتبهم وحقائبهم وكل متعلقاتهم، هذا الأمر سينقلنا من حالة السكون التي رافقنا منذ شهور قليلة إلى وهج آخر، واستنفار يومي في كل المنازل التي يخرج أبناؤها صباحا أو مساء نحو قلاع العلم وحصون المعرفة.


في النظرة الفاحصة لمشهد الحضور والغياب، يشكل انطلاقة العام الدراسي الجديد صفحة بيضاء ناصعة، تنتظر جميع الطلبة لكي يسطروا عليها أحلامهم وطموحاتهم، فيما نشاطرهم نحن كأولياء أمورهم نظرتهم إلى التعليم كفرصة ذهبية نحو العلا، ونقطة تحول في مسيرة شعوب الأرض، نرافقهم في مشوارهم التعليمي مطالبينهم ببذل العطاء والاجتهاد من أجل تحقيق النجاح.


قد تكون بداية العام الدراسي الجديد لدى البعض عبارة عن منعطف آخر يصحح من خلاله أخطاء ما قد مضى، وتحقيق ما عجز عن تحقيقه قبل هذه المرة، إلا أن العام الدراسي بمفهومه الواسع هو في ذاته تجديد للذات على التمسك بالإصرار والعزيمة والإرادة في نيل المراتب العليا التي تنفتح بها آفاق المستقبل.


إن رحلة التعليم بشتى مراحلها التعليمية ما هي إلا أفق يتسع مداه عاما بعد آخر، فكلما اقتربنا من إتمام مرحلة دراسية لاحت في الأفق راية نور أخرى تدعونا إلى الانخراط فيها.
ومع تقدم أبنائنا الطلبة في أعمارهم تزداد مداركهم نحو النهل من إناء العلم والمعرفة، فمن خلال ما يتعلمونه من علوم وتقنيات ومستجدات عالمية يصبحون قادرين على صنع مستقبلهم وتحديد اختياراتهم بأيديهم.


اليوم، وبعد أن دنت أيام العام الدراسي الجديد ندرك تماما بأن الأسر قد استعدت بما يكفي لاستقبال هذا الحدث السنوي، وتجاوزت فكرة هذا الاستعداد من كونه مجرد شراء حقيبة مدرسية أو أدوات قرطاسية، ورأت بأن الاستعداد لا يكتمل إلا من خلال عملية متكاملة يكون فيها الجانب النفسي ركيزة أساسية لبداية دراسية جديدة أكثر أمانا واستقرارا في حياة الأبناء والقدرة على تحفيزهم على العطاء.


ومع اختلاف استعدادات الأسر وتحدياتها، يبقى أن نشير إلى أن الانتقال التدريجي من أجواء الإجازة الصيفية وما فيها من فعاليات وفراغ ولعب إلى روتين المدرسة خطوة أساسية تساعد الأطفال والعائلات معا على بدء العام الدراسي بصورة أكثر هدوءا وتنظيما واستقرارا ونجاحا.. لهذا نقول بأن عودة قرع أجراس المدارس في بداية اليوم الدراسي هي لحظة فارقة في حياة أبنائنا ونحن معهم أيضا.. فعام دراسي سعيد نتمناه للجميع.