كنتُ مُنهكًا، وقد أخذ مني التعب والإرهاق ما يكفي لأن أشعر أنني بحاجة إلى مكانٍ لا يسألني فيه أحد عن شيء، فوجدتني مُتجهًا إلى شاطئ البحر، كأنني أبحث عن فُسحة أستعيد فيها شيئًا من هدوئي الذي بعثره النهار.
اشتريت عُلبة بسكويت وكوبًا من الشاي الساخن، ورُحتُ أبحثُ عن موضعٍ أجلس فيه بعيدًا عن أعين الرقباء والمارة؛ مكانٌ ألوذُ فيه بشيء من الخلوة، وأنعم ببعض الراحة والتأمل.
مشيتُ على الرصيف المُحاذي للبحر حتى بلغتُ مكانًا بدا لي بمنأى عن الضجيج وحركة العابرين، فاقتعدتُ الرصيف المواجه للبحر. كان الظلام قد بدأ يُخيّم على المكان، لكنه لم يكن يحول بيني وبين رؤية المدى والأفق، فالبحر ممتد أمامي في سكونه، والأفق البعيد يبدو كأنه آخر خيطٍ يصل الأرض بالسماء.
فتحتُ علبة البسكويت، تناولتُ واحدة، ورحت أرتشف الشاي على مهلٍ، كأنني أحاول أن أستعيد شيئًا من نفسي التي أرهقها اليوم، ووجدت في البحر ما يُغريني بالصمت ؛ ذلك الامتداد الذي لا يسأل، ولا يعترض، ولا يُطالبك بأن تُثبت له شيئًا.
لكن الصمت لم يدم طويلًا، فقد نما إلى سمعي صوت تناجٍ خافت، فظننتُ أن هناك صُحبة تجلس في مكان قريب، وكان التهامس والكلام يصلان إليّ متقطعين، فأدرتُ بصري أبحثُ عن مصدر الصوت، لكنني لم أعثر على أحد.
أصغيتُ أكثر، فإذا بالحديث لا يزال يترددُ في أذني، فنهضت وسرتُ خطوات قليلة في اتجاه الصوت حتى اكتشفتُ مصدره، لم تكن هناك صحبة كما ظننت، بل كان هناك رجل يقتعد صخرة مواجهةً للبحر، فطفقتُ أتأمله، بدا لي في الخمسين أو يزيد، كان مُستغرقًا في حديثه، يتكلم بهدوء وكأنّ أمامه شخصًا يعرفه منذ زمن.
مسحت المكان ببصري، فلم أر أحدًا ؛ لم يكن إلى جواره صديق، ولا امرأة، ولا أحدٍ، ومع ذلك كان يتحدثُ كأن أمامه من يُصغي إليه باهتمام، ومع ذلك ظل يتكلم ؛ يتوقف قليلًا ثمّ يستأنف، ويهزّ رأسه أحيانًا، كأنه ينتظر جوابًا من شخصٍ لا أراه. هممت أن أعود إلى مكاني، غير أن شيئًا في المشهد استوقفني، فلبثتُ لبرهة أتأمل الرجل، وساورتني الدهشة كيف لإنسانٍ أن يجلس وحيدًا في ظلام البحر ويتحدث كأن أمامه من يصغي إليه.
لم أعرف إلى من كان يتحدث ؛ ربما كان يُحدّث شخصًا غائبًا، أو يستعيدُ حديثًا قديمًا، وربما كانت مناجاة للبحر ؛ ذلك الصامت الذي لا يقاطع، ولا يسأل، ولا يُطالب صاحبه بأن يشرح ما في قلبه.
عُدت إلى مكاني، لكن صورة الرجل بقيت معي، وبقي السؤال الذي أثاره في داخلي أكثر حضورًا من كل ما حولي: لماذا نتحدّثُ أحيانًا إلى من نعرف أنه لن يجيب ؟ قفزت إلى ذهني عبارة للفيلسوف الألماني "آرثر شوبنهاور" وجدت فيها شيئًا من الإجابة؛ كان يرى أن الإنسان قد يتحدّثُ إلى الرجال والنساء، كما تتحدث طفلة صغيرة إلى دميتها؛ فهي تعرف أن دميتها لا تفهم شيئًا مما تقول، ومع ذلك تواصل الحديث معها؛ لأنها تجد في هذا الوهم مُتعةً وراحة.
حين استحضرتُ العبارة، لم أستطع أن أمنع نفسي من الابتسام؛ فالرجل الجالس أمام البحر لم يعد يبدو لي غريبًا كما بدا في اللحظة الأولى، ربما لم يكن يتحدث إلى أحد، وربما كان يتحدث إلى البحر، وربما كان البحر بالنسبة إليه دُمية شوبنهاور؛ لا تفهم ولا تُجيب، لكنها تمنح صاحبها شيئًا من العزاء الذي يبحث عنه الإنسان حين تضيق به الكلمات.
عندها شعرتُ أن شوبنهاور لم يكن يتحدث عن الدمى بقدر ما كان يتحدث عنّا نحن؛ عن أولئك الذين يقضون أعمارهم في الحديث، ثمّ يكتشفون أنهم لم يكونوا يبحثون دائمًا عن شخصٍ يفهمهم، بل عن شخصٍ يستطيعون أن يتحدّثوا إليه، وثمة فرق كبير بين أن يفهمني الآخر وأن يستمع إليّ.
فالفهم يعني أن يدخل إلى المعنى الذي يقف خلف كلماتي، وأن يلتقط ما لم أقله، وأن يسمع ارتجافة صوتي قبل أن يسمع عبارتي، أمّا الاستماع فقد لا يتجاوز وصول الصوت إلى أذنيه، ثمّ عودته في صورة جواب.
ولعلّ الإنسان لا يعيش بالكلمات وحدها، وإنما يعيش أيضًا بالوهم الجميل الذي تصنعه الكلمات، فالطفلة حين تُحدّثُ دميتها لا تنتظر منها جوابًا حقيقيًا؛ إنها تعرف أنها دمية، ومع ذلك تمنحها اسمًا، وتجلس أمامها، وتحكي لها أسرارها، وربما تبوح لها بما لم تستطع أن تبوح به لأحد.
إن الطفلة لا تخدع الدمية، بل تخدع وحدتها، وربما كان هذا هو المعنى الذي لم أنتبه إليه في العبارة من قبل، فنحن لا نبحث دائمًا عن إنسان يفهمنا تمامًا؛ أحيانًا نبحث فقط عن مساحة نستطيع أن نقول فيها ما بداخلنا دون أن يقاطعنا أحد.
كم مرة جلسنا أمام إنسان نحبه وحدثناه ونحن نعرف في أعماقنا، أنه لن يفهم تمامًا ما نريد قوله؟ وكم مرة كتبنا رسالة طويلة ثم محوناها، لا لخطأ فيها، وإنما لأننا أدركنا أن من ستصل إليه لن يقرأها بالطريقة التي كتبناها بها، فالكلمات لا تحمل دائمًا ما في القلب، ولهذا قد نصمت، وقد نتحدث إلى من لا يجيب.
أمّا الرجل أمام البحر، فلم أعرف إلى من كان يتحدث؛ وربما لم يكن البحر بالنسبة إليه إلاّ دمية شوبنهاور يستودعها ما عجز عن قوله، عندها فهمت أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى جواب، بقدر حاجته إلى مستمع.
وربما لهذا مهما كبرنا، نظل جميعًا نشبه تلك الطفلة التي تعرف أن دميتها لا تفهم، لكنها تواصل الحديث معها؛ لأنها لا تُريد أن تكون وحدها.