يقول الكاتب والطبيب والشاعر أوليفر وندل هولمز: "وأسفاه على من لا يغنّون أبدًا، وإنّما يموتون وقد جثمت في داخلهم كل موسيقاهم".


مع تحفظي قليلًا على هذه المقولة، ولكن فيها غاية وهدف رائع نستلهمه منها، ويعني خارطة طريق لمعنى سامٍ، ينبغي الانتباه له والعمل به، أي أنّ هناك الكثير من الأشخاص والناس الذين يمتلكون طاقات رائعة ومبدعة وجميلة، ينبغي عليهم أن يخرجوها إلى العالم، وإلى مجتمعاتهم، ولا يركنون إلى الراحة أو قلة الاهتمام.

يقول تود هنري في كتابه الرائع (مت فارغًا): "إنّ حبّ الراحة هو عدوّ العظمة اللدُود".


فهناك في كل إنسان مواهب وطاقات رائعة، عليه أن يبحث عنها في صميم ما أنعم الله سبحانه على هذا الجسد به من طاقات وقدرات، تتجلّى فيها عظمة خلق الله له، فكم من أناس يملكون الكثير من العطاء، وفي جوانب عديدة من النبوغ والتميّز، عليهم الانطلاق بها إلى هذا الكون الشاسع من العالم، فلا يغادرون إلا وقد أخرجوا كل ما لديهم من خبرات وطاقات يستفيدون منها هم بأنفسهم، وكذلك عالمهم الذي يحيط بهم.

وما التاريخ الإسلامي إلا مليء بالنماذج، فالرسول ﷺ عندما رأى العديد من الطاقات والخبرات لدى الصحابة كان يشجعهم، ويخرج ما لديهم من قدرات، فهذا زيد عندما رأى منه المقدرة على تعلم لغة أخرى غير العربية شجّعه ووجّهه. فابحث أيها الإنسان عن مكنون طاقاتك وإبداعاتك الدفينة، وأخرجها ليستمتع بها عالمك، ويعلم روعة ما تملك، وترى نفسك أنها تستحق منك هذا العطاء والإبداع والتميز.


هناك حالات ليست بالكثيرة تذكر أنّ أشخاصًا وصلوا للمجد بالحظّ، ولكن من جهة أخرى، هناك الكثير من القصص الملهمة لأشخاص وصلوا إلى قمة المجد نتيجة اكتشاف ذواتهم، وإخراج ما فيها من طموح ورغبات نحو الرقي والعلو، فمن القصص قصة شخص صغير كان يعمل كبائع وقارئ صحف في محطات القطارات إلى كاتب عالمي يشاد به، ومبيعات كتبه تفوق الآلاف، ومن موظف في توصيل الطلبات إلى مدير سلسلة من شركة عنكبوتية في التوصيل، ما السبب في ذلك؟ إنهم أيقنوا أنّ الحياة تطلب منهم الإبداع والتفاني، وإخراج ما يملكونه من مواهب تصعد بهم نحو الطموح.

وقد كنت في ترحال يومًا من الأيام، ودخلت مطعمًا لبيع وجبات الإفطار، وأنا معجب بخدماتهم، فسألني رجل: كيف الطعام الذي يقدم؟ فأثنيت عليه، فردّ علي قائلًا: "أنا مالك المطعم، وأملك فروعًا شتّى، وقد جئت في بداية أمري عاملًا فيه، ولكن نفسي حدثتني لم لا أملك سلسلة من المطاعم؟ فأخذت في قرارة نفسي أنّ هذا غير مستحيل، وبالفعل لم يكن مستحيلًا، وهذا المطعم هو فرعي الجديد، أمرّ على الأفرع جميعًا بداية كل صباح إلى المساء، فلا أدع طموحي يتأخّر أو يسبقني إليه أحد"، وما ذلك إلا ليذكرني بقول الشاعر:
وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهم
وعانقَ المجدَ مَن أوفى ومَن صَبَرا
فلك أيها الإنسان نقول: أنت تملك في نفسك المزيد، اكتشفه وأخرجه للعالم ليستمتع بما لديك، تحرّك نحوك مجدك فهو بانتظارك، وامتطِ صهوة طموحك، وأفرغ ما في نفسك من قدرات وخبرات مكبوتة ليراها عالمك الكبير.